رد: الوعي والأخلاق
صديقي المنطق :
حصل سوء فهم بسيط : أنا لم أتحدث عن وجهة نظري للأخلاق و القيم , بل قلت أن أصل هذه القيم و الاخلاق ليس دينيا ... بل هو معرفة موجودة في الانسان يؤثر فيها ويوجهها المجتمع.
أما الانظمة العنصرية السياسية و الديانات فإنها تقوم بغسيل دماغ جماعي للانسان (وهذا بالضبط ماتحدثت عنه عندما ادخلت جملة "اذا لم نقتلهم سيقتلوننا, اذا لم نقض عليهم سوف يقضون على ديننا)
وهنا يدخل مفهوم القتل من اجل الدين و القيم , القتل من اجل الوطن , (في الحقيقة أنا لا أعترف بوجود وطن دون آخر ... الارض كلها وطني).
وهذا كله تكلمت فيه عندما كنت أقول : أن الناس تتعرض منذ الطفولة لغسيل دماغ جماعي يمنع الانسان من التفكير في الاخر المخالف. بسبب الدين , الهوية , الوطنية الخ.
وهذا هو السبب في الكثير من المذابح التاريخية و الجرائم الانسانية البشعة .
السبب كله هو عدم اعتبار الاخر , واعتبار الاخلاق هي مايمليه علينا الدين أو السياسة. و أن كل مايقوله النبي أو القائد أو الكتاب المقدس أو الرئيس أو حتى النظام المالي : هو الذي يؤطر الاخلاق.
فيما تكون الاخلاق التي سطرها الانسان لكي يطبقها بنفس الشكل على كل الناس في العالم كيفما كانت دياناتهم أو لهجاتهم أو الوانهم أو حتى بلادهم.... هي الاخلاق ذات المرجعية الثابتة ... لأن مصدرها اناس مثلنا , يفهموننا , ويعرفون تمام المعرفة مايضرنا وماينفعنا.
وليس كتاب مرت عليه ألاف السنين لشخص بدوي في بلاد الرمال . كان يسبي الاطفال و النساء ولم يعرف حقا ما اذا كانت هذه الاخلاق ستستنكر في العالم بعد وفاته بقرون.
المفروض أن يعمل الاله حسابا بسيطا جدا :
اذا فعل محمد هذا , فالكثيرون من المنظمات الحقوقية في المستقبل ستستنكر هذا الفعل , وستكون سمعة النبي التاريخية في خطر؟
على الاقل كان ليفكر في ذلك الامر مادام مصدر هذا القرآن وحيا من عند اله عليم بالمستقبل.
لكن الواقع يقول لا : القرآن مصدره هو تلك البيئة الصحراوية التي كانت ترى الحياة بذلك المنظور البدوي , وليس للقرآن صفة العالمية , ولاصفة الكونية ... لأن فهمه محدود بتلك المنطقة ..
يمكنك أن تتلمس محدودية النظرة القرآنية في العديد من احكامه : فمثلا , صيام رمضان لا يمكن في العديد من المناطق في العالم , بسبب غياب القمر فيها لمدة طويلة كما أن غياب اليوم و الليلة ومفهومهما لمدة ستة أشهر أو أكثر في القطبين يجعل هذا الامر مستحيلا.
السبي و ارضاع الكبير كلها أمور تبعث على الضحك, ورد الفعل هذا بحد ذاته من انسان يعرف بالامر لأول مرة سواء كان مسلما أو غيره , يفقد الاسلام صفة العالمية ... لأنه جاء باحكام عادية بالنسبة للطبيعة العربية الصحراوية وحدها. وليس بالنسبة لجميع البشر.
الحديث عن الابل في الكثير من اياته, وعن البعير ... مما يجعل انسان آلاسكا مثلا (الذي لم يشاهد التلفاز من قبل), يفكر في ماهية هذه الكلمة. خصوصا و أن الاله لم يشرح ماهي الابل.
اللغة العربية وجماليتها في الايات المكية ... لن يتمكن الصيني أو الياباني مثلا من استشعار هذه الجمالية من الترجمة المقدمة له. بل ينظر اليه كما تنظر انت الى ترجمة كتاب الطاو الى العربية.
مجرد مجموعة من القصص التي لامعنى لها.ولافائدة ترجى منها... ومجموعة من الشرائع التي لاتهمني ...ولا تعكس الواقع الذي انظر اليه.
في الاخير لايوجد عالمية في اخلاق الاسلام, ولايصلح هذا الدين الا لمجموعة محمد و اصحابه و اهل المدينة و اهل المناطق العربية..فقط لاغير.
وعلى عكس القرآن : الميثاق العالمي لحقوق الانسان , هو ميثاق واضح , مكتوب بكل لغات العالم حتى الامازيغية و لهجات الهند و لهجات الصين , وجزر اليابان...كل لهجة على حدة.
هذا الميثاق يفهمه الصغير و الكبير , مكتوب بلغة مفهومة لاتحتاج الى تأويلات أو ترقيعات.
هذا الميثاق أنتجته عقول بشرية , بالنظر الى كل الازمات التي تعرض لها الجنس البشري عبر التاريخ, ويمكنك ان تسميه : الدرس الذي تعلمه الانسان من التاريخ...
اسلافنا كانوا يعيشون بشكل غابوي , قتل , سبي , ذبح , بل حتى اكل لحم الانسان في بعض المناطق ... ولكن هذه الاحداث الماضية كلها هي التي يستفيد منها الانسان عندما يرى انعكاس هذه الوقائع القديمة في حياته اليوم.
ماذا استفاد الجنس البشري من سلوكيات اسلافنا, وأخلاقهم؟
العالم اليوم يعكس طبيعة اسلافنا القديمة ,وعلينا نحن (وليس القرآن ولا الانجيل ولاغيره).. أن نغير هذا الواقع بالاستفادة من اخطاء الجنس البشري , وتعديل ميثاق يطبق على كل العالم.
صحيح أن هذا الميثاق لايطبق كما وضع ...وكما يجب لدرجة أنه أصبح حبرا على ورق ... ولكن القرآن أيضا كذلك .
لكن يكفينا أن يكون هذا الميثاق هو المرجعية الاخلاقية للعالم ... بحكم أنه يستقبح كل مايضر بالانسان , في أي عصر كان (عكس القرآن الذي قلتم أنه لا يستقبح السبي الا في العصر الحالي ..وكأنه لم يقل بين صفحاته "اليوم اكملت لكم دينكم").
لكن الفرق بينهما أن الاول نتاج للخطأ والصواب , والثاني نتاج لمرجعية أخرى تقول انها الهية لاتعترف بالخطأ.
هل فهمت الان مكمن الخلاف ياصديقي المنطق؟
تقبل مني كل الاحترام و التقدير.
|