منظومة التواصل المعرفي (2)
ووسط هذه المنظومة المعرفية تخرج الرسالات الإلهية لتضبط توازن هذه المعارف، وتمدها بحيويتها، وبخلاصة التجارب الإنسانية على مر العصور .
لقد ارتبطت المعارف بسلم التطور الحضاري حاملة معها مضامين ذات غايات تعليمية عملية، كمبادئ الزراعة، والحرف المختلفة، وأخرى ذات غايات تعليمية فكرية، وتشمل علاقات الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بالإنسان .
لذلك جاءت الرسالات الإلهية تدعو الناس إلى النظر في حاضرهم ومستقبلهم، وأن يرتفعوا بأنفسهم إلي قمة الحضارة، بالتفاعل الجاد مع هذه المنظومة المعرفية، وفق مقتضيات العصر وتحدياته .
ولقد نزل القرآن الكريم باسمه، ونصه، وموضوعه، وأصبح هذا الاسم معروفا لكافة المسلمين، ولغير المسلمين، على أنه الكتاب الإلهي الواجب على المسلمين كافة اتباعه، فالقرآن يشكل باسمه ونصه وموضوعه منظومة معرفية عالمية وأممية .
فإذا جئنا إلى أمهات الكتب الدينية، التي يدعى أصحابها أنها قد حملت مصدرا ثانيا للتشريع واجب الاتباع، وجدنا أن الذي وضع أسماءها هم أصحابها الذين ألفوها ودونوها بأيدهم !!!
ولكن من إشكاليات هذه المنظومة المعرفية، التي ساهم في تدعيمها الناس أنفسهم اختلاط الحقائق الدينية بالمعارف التاريخية، والمقدس بغير المقدس والخيال بالحقيقة .
لقد شاء الله تعالى أن تكون النبوة صمام الأمان الذي يحفظ للناس دينهم، بعيدا عن دائرة تراثهم الديني، واختلافاتهم المذهبية. فإن ما يرثه الأبناء على إنه حق، قد يكون في أصله باطلا، فتأتى الرسالة الإلهية لتبين للناس الحق وتكشف لهم الباطل .
لقد حرف أهل الكتب السابقة كتبهم، وأدخلوا فيها العقائد الباطلة، والمرويات المزيفة والأساطير والخرافات التي نسبها الرواة إلى أنبيائهم، وتداولتها المجامع بعد ذلك، ودونتها في المدونات، ونشرتها كدين مقدس واجب الإتباع، حملته هذه المنظومة المعرفية, ومن ذلك قوله تعالى :
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)المائدة
تدبر قوله تعالى على لسان عيسى، عليه السلام، " وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ " ثم قوله بعدها :" فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ "
فإذا نظرنا إلى مسألة صلب المسيح، عليه السلام ، وجدناها كانت تشكل في عصر الرسالة منظومة معرفية عند النصارى، يصعب عليهم إنكار صحتها، ومع ذلك جاء القرآن يثبت بطلان هذه المعرفة المتواصلة، والتي يعتبرها أصحابها من حقائق الدين واجب الإتباع .
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)
تدبر قوله تعالى " مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ " ، لتعلم أن المعارف الباطلة غالبا ما تقوم على اتباع الظن الذي هو القاعدة التي قام عليها تراث الأمم الديني، ولو اجمع الناس جميعا عليه .
إن الإجماع على شئ لا يعطيه حجة في دين الله إلا إذا قام على شريعة إلهية قطعية الثبوت عن الله تعالى . ولما كانت هذه المنظومة المعرفية قد حملت الحق والباطل ، كان من الضروري أن ينظر الإنسان إلى تدينه الوراثي بعين البصيرة ليرى ما إذا كان يتبع " الدين الإلهي " الحق، أم "التدين الموروث" الباطل، فقد اعتاد الناس تحريف رسالات الرسل، واتخاذ هذا التحريف دينا جديدا، يتوارثونه عبر تراث مذاهبهم الدينية المختلفة ز
إن تكذيب المسلمين لخبر قتل المسيح، عليه السلام، وصلبه، قام على إخبار الله تعالى لهم بذلك، وخبر الله بالنسبة للمسلمين أكثر صدقا وحجية من معاينة الناس للحدث نفسه . فالذين استدلوا على قتل المسيح وصلبه، بتواتر هذا الخبر، أقاموا ذلك على واقع مشاهد، وهو استفاضة الخبر والإجماع عليه بينهم، على مر العصور .
وبصرف النظر عن الخلاف هو رواة هذا الخبر، وهل كانوا أربعة أم سبعة، لأن هذا العدد بالنسبة للتحقيق العلمي ما هو إلا مجرد خبر يحتمل الصدق أو الكذب !!
فإذا جئنا نحكم القرآن في مصداقية هذا الخبر، فإن الأمر سيختلف تماما، ويصبح هذا الخبر باطلا ولو أجمع عليه الناس جميعا !!
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)النساء
إن " منظومة التواصل المعرفي " محور أساس من المحاور التى قامت عليها هذه الدراسة، وقد يشكل فهم بعض مسائلها لحداثتها، لذلك كان لابد أن أبسط القول فيها بشيء من التفصيل في مبحثين رئيسين ك
الأول : عن حجية التواصل المعرفي
الثاني : عن الفرق بين التواصل المعرفي ، والتواصل العملي .
يتبع