أعوذ بالله السّميع العليم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشّيطان الرّجيم .. بسم الله الرّحمن الرّحيم ..
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
من أعظم معجزات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوله "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" متّفق عليه ..
هذا الحديث الشّريف ليس مجرّد توجيه أخلاقيّ، بل هو منهج حياة متكامل يرسم خارطة طريق واضحة لسلوك النّفس البشريّة ومصيرها. وتتجلّى عظمة هذا الحديث (الّذي رواه البخاريّ ومسلم) في كونه يضع "قانون التّراكم" الأخلاقيّ؛ فالفعل الصّغير يتحوّل بالاستمرار إلى سجيّة، والسّجيّة تحدّد المصير.
إليكم وقفات تأمّليّة في هذا الإعجاز النّبويّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الّذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى:
1. سلسلة "الهداية" المتّصلة
ربط النّبيّ ﷺ بين القول والعمل والنّتيجة في تسلسل منطقيّ ورهيب:
الصّدق ← البرّ: الصّدق في القول يثمر صلاحاً في العمل (البرّ).
البرّ ← الجنّة: الصّلاح في العمل هو الطّريق الموصل لرضوان الله تعالى.
الكذب ← الفجور: الكذبة الصّغيرة تكسر حاجز الهيبة من الذّنب، ممّا يجرّ إلى الفجور (وهو الانبعاث في المعاصي).
الفجور ← النّار: السّقوط في الأخلاق يؤدّي حتماً إلى الهلاك.
2. مفهوم "التّحرّي" (سرّ التّغيير)
كلمة "يتحرّى" هي مفتاح الإعجاز في الحديث؛ فهي تعني القصد والجهد والبحث عن الصّدق حتّى في المواقف الصّعبة. هذا يؤكّد أنّ الصّدق صفة يمكن "اكتسابها" بالتّدريب والمجاهدة، وليست مجرّد طبع يولد به الإنسان.
3. التّحوّل إلى "هويّة"
في نهاية المطاف، لا يُسمّى الشّخص صادقاً فحسب، بل يُكتب عند الله "صِدّيقاً" (صيغة مبالغة)، وكذلك الكذّاب. وهذا يعني أنّ صفة الإنسان عند الخالق تُحدّد بناءً على ما استقرّ عليه حاله وأصبح سمةً له.
تلخيص للمقارنة النّبويّة:
وجه المقارنة: طريق الصّدق في مقابل طريق الكذب
البداية: تحرّي الحقيقة والقصد في مقابل التّساهل في الزّيف
المسار: الـبِـرّ (جماع الخير) في مقابل الفجور (الخروج عن الطّاعة)
المصير: الجنّة في مقابل النّار
اللّقب عند الله تعالى: صِدّيق في مقابل كذّاب
"الصّدق طمأنينة، والكذب ريبة" كما قال ﷺ في حديث آخر، وهذا يفسّر لماذا يهدي الصّدق إلى البرّ؛ فالنّفس المطمئنّة أقدر على فعل الخير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ..