والركن الثالث:
إيتاء الزكاة،
وهي فريضة اجتماعية سامية، تشعر المؤمن بسمو أهداف الإسلام من عطف ورحمة، وحب وتعاون بين المسلمين، وليس لواحد منة أو فضل فيما يقدمه من مال،
إنما هو حق واجب؛ ولأنه في الحقيقة مال الله الذي استخلفه فيه، قال تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ[26]،
وقال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ[27].
ولقد قرنت الزكاة بالصلاة في آيات كثيرة،
ولأهميتها قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعض قبائل العرب عندما منعوا زكاة أموالهم، وقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)، وتابعه الصحابة رضي الله عنهم على ذلك.
ولقد توعد الله سبحانه وتعالى من بخل عن الإنفاق، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[28]،
وتجب الزكاة على المسلم إذا بلغ ماله نصاباً من أي نوع من أنواع المال الزكوي إذا حال عليه الحول، ما عدا الحبوب والثمار فإن الزكاة تجب فيها عند نضجها وتمام استوائها، وإن لم يحل عليها الحول.
وتعطى لمستحقيها كما وردت أصنافهم في القرآن الكريم في سورة التوبة، قال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ[29].
الركن الرابع:
صوم رمضان؛
لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[30]،
وفي الصوم يتدرب المسلم على كبح جماح نفسه عن الملذات والشهوات المباحة لمدة من الزمن، وله فوائد صحية علاوة على الفوائد الروحية، وفيه يشعر المسلم بحاجة أخيه المسلم الجائع والذي قد تمر عليه الأيام دون طعام أو شراب، كما يحصل الآن لبعض إخواننا في أفريقيا.
وشهر رمضان أفضل الشهور،
وقد أنزل الله فيه القرآن الكريم،
قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[31]،
وفيه ليلة خير من ألف شهر، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ[32]،
والصائم يغفر له ما تقدم من ذنبه إذا كان صومه إيماناً واحتساباً، كما صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.
والواجب على الصائم أن يحفظ صيامه باجتناب الغيبة والنميمة والكذب والاستماع إلى الملاهي، والحذر من سائر المحرمات، ويسن له الإكثار من قراءة القرآن ومن ذكر الله والصدقة والاجتهاد في العبادة وخاصة في العشر الأواخر.
أما الركن الخامس:
فهو حج البيت الحرام،
قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[33]،
وفرض الحج مرة واحدة في العمر، وكذلك العمرة، ويجبان على المسلم العاقل البالغ الحر المستطيع،
ويصحان من الصبي ولكن لا يسقط عنه بذلك فرضهما إذا بلغ واستطاع، والمرأة التي ليس لديها محرم يرافقها في الحج والعمرة يسقطان عنها؛ لصحة الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن سفر المرأة دون محرم.
والحج مؤتمر إسلامي يلتقي فيه المسلمون حيث يأتون إليه من كل فج عميق ومن سائر أرجاء الدنيا من جنسيات وألوان ولغات، يلبسون لباساً واحداً، يقفون على صعيد واحد، والجميع يؤدون عبادة واحدة لا فرق بين كبير وصغير ولا غني وفقير ولا أسود وأبيض، سواسية، كما قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[34].
والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة،
كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))،
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)).
وللإسلام ركائز
أخرى وإن لم تكن من الأركان لكنها تعين على وجوده حياً مطبقاً في واقع المسلمين، منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ولقد وصف سبحانه وتعالى هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس، لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[35]،
قال بعض السلف:
(من أراد أن يكون من خير هذه الأمة فليؤد شرطها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وجانب آخر مهم في الإسلام يجب أن يهتم به المسلمون
وهو الجهاد في سبيل الله؛
لما يترتب عليه من عز المسلمين وإعلاء كلمة الله،
وحماية أوطان المسلمين من عدوان الكافرين،
ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله))،
وفي المسند وجامع الترمذي بإسناد صحيح عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله))
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة خطبها بعدما بايعه المسلمون: (لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل)،
ففي الجهاد إحقاق للحق وإزهاق للباطل، وإقامة لشرع الله، وحماية للمسلمين وأوطانهم من مكايد أعدائهم.
ودين الإسلام
هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو دعوة الأنبياء والرسل من قبل، فكل نبي يدعو قومه إليه ليكونوا مسلمين،
كما قال سبحانه في كتابه العظيم عن أبي الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام:
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[36].
ولقد بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم،
وأهل الكتاب من يهود ونصارى في جهل وضلال بعد أن حرفوا وبدلوا في التوراة والإنجيل،
ولعبت الأهواء بهم،
فأصبح اليهود والنصارى في صف كفار قريش في النيل من محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته،
وخاصة اليهود مع أنهم يعرفونه تمام المعرفة من خلال كتبهم وأنهم مطالبون باتباعه والإيمان بدعوته،
كما قال سبحانه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ[37]،
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)).
لذلك عندما استقر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة أرسل إلى ملوك الأرض في زمانه يدعوهم إلى دين الله ليخرجهم من الظلمات إلى النور،
ولقد بين ربعي بن عامر رضي الله عنه بكلمات قلائل عندما سأله رستم قائد الفرس (ما أنتم؟)
فأجابه بقوله:
(نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).
وهذا الدين الخاتم جاء ليضع الأمور في نصابها، ويوجه الناس الوجهة الصحيحة من توحيد الله، والتصديق بأنبيائه ورسله والإيمان بهم، والدعوة إلى ما دعوا إليه من توحيد الله وإسلام الوجه له.
جاء واليهود والنصارى على طرفي نقيض،
فاليهود عرف عنهم التفريط في حق أنبيائهم فقتلوا بعضهم،
ووصفوا آخرين بما لا يليق مع عامة الناس فكيف بخير خلق الله المعصومين.
والنصارى غلت في عيسى وزعموا أن الله تعالى ثالث ثلاثة،
وجاء الإسلام ليحق الحق ويبطل الباطل فكان وسطاً عدلاً،
لا إفراط ولا تفريط، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[38]،
وقال عز وجل ناهياً ومحذراً أهل الكتاب عن الغلو، ومحذراً لهذه الأمة من سلوك مسلكهم: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الحق[39]،
وروى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله))،
وصح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: ((إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)).
