![]() |
ميدان الثقافة....الغارة على العالم العربي والإسلامي
[SIZE="7"]
كتب الدكتور مأمون فندي، مقالا سماه: "هل ما زالت الثقافة مهمة؟"، وقد أجاب مقاله على السؤال جوابا شافيا لكل من ألقى السمع وهو شهيد، وقد بين خوف أرباب الثقافة الغربية، على ما يمتلكونه من أسباب التقدم العلمي والتقني، من تأثير الثقافات الأخرى فيهم، وقد استأذنت الدكتور مأمون أن أكتب في الإجابة على سؤاله الذي عنون به مقاله، وليس في ذلك أي نية في الاستدراك على ما جاد به فكر الدكتور، فليس مثلي الذي يستدرك على مثله، ولكن من باب تقوية الرأي، فتنوع أساليب الإحتجاج للرأي تقويه كما تقوي تعدد الطرق الخبر والحديث والأثر. وقد ختم الدكتور مقاله بالقول: "الثقافة التي أعنيها ليست ثقافة الجماهير، ورغم أهميتها فإنني أعني الثقافة العالية التي أصبحت مهملة تماماً وسط بريق «فالصو» ثقافة الجماهير."، وحتى مقالي هذا لن يتكلم عن الثقافة الجماهيرية والشعبية، وإنما أعني بالثقافة ذلك الركن المتين الذي يقوم عليه منهج بناء العلم والفكر الذي اتفق عليه أهل الفكر والعلم والنظر في كل أمة عبر قرون طويلة متطاولة من الزمن ورضعوه مع حليب أمهاتهم وسرى في دمائهم وفاض على قلوبهم وذاب في عظامهم، فبه يقبلون ويردون ومن خلاله يعرفون وينكرون، فيحدث عندهم تلك الملكة التي بها تكون الثقافة العالية، وأمر الثقافة، على صعوبة تحديده، في كل أمة هو أساس وجودها فإذا ذهبت ذهبت الأمة وزالت أو تشوهت، وهذا ما أبغضه في حكوماتنا، التي أهملت، عمدا أو جهلا، هذا الأمر وتركته، فنتجت لدينا أجيال مشوهة نتيجة الغلبة والقهر الذي مورس على ثقافتها من ثقافات أخرى. أعلم، أيها القارئ، أن أكثر شيء أكرهه هو ما أصبح عندنا من المسلمات العقلية والبديهيات الذهنية، من أن الثقافة هي شيء من الترف وأن التقدم والتطور هو الأخذ بالأسباب التكنولوجبة، فأصبح مقياس تقدم وتخلف أمة من الأمم يقاس بهذا الأمر بمدى إمتلاكها للتقنية العلمية والتكنولوجية، وإلا فهي أمم متخلفة رجعية، وأنا لا أملك أمام كل هذا إلا أن أعجب، فالعجب من النعم كما قال رجل قديم. ولعلك، أيها القارئ، تقول في قرارات نفسك، هذا الكاتب ألقى شبهة وعجب منها ولم يرد عليها، فأقول لك على مهلك ولا تعجل علي، فإني آتيك بالرد كما قدمت إليك الشبهة، وردها أن الأمور العلمية والتكنولوجية، تتميز بأمور، فهى زائلة ومتحولة، فهي زائلة لأنها لا تدوم عند أمة، ومتحولة لأنها تنتقل من أمة إلى أخرى، فقد ساهمت فيها كل الأمم ولم تكن خاصة بأمة دون غيرها، وما عند الغرب اليوم هو نتاج تراكم ساهمت فيه كل الأمم سواء الغابرة أم الحية، والأساس الذي تقوم عليه ليس قوة العقل ويقظة الذهن، وإنما الأساس الأول والمتين الذي تقوم عليه، هو الأموال المخصصة من طرف الدول والحكومات والمؤسسات، فقبل أن تلوم ثقافتك وتتهمها بالتخلف والرجعية إتهم دولتك وحكومتك ومؤسساتك التي لم تخصص الأموال الكافية للبحث، فهي سبب تأخرك ورجعيتك. وإذا كان أمر التكنولوجيا زائل ومتحول، فالذي يحفظ استمرار الأمم وبقائها ويشكل شريان حياتها ويصل أنسالها الآتية بأسلافها الغابرة و يبقى على هذا السيل المنحدر عبر الأجيال، هي الثقافة بمفهومها الذي بين آنفا. بعد الهزيمة في الحروب الصليبية، نشأت آلة ستتطور مع مرور الأيام وتعاقب الليل والنهار، لتصبح جهاز المخابرات الذي نعرفه في يوم الناس هذا، وهذه الآلة هي الاستشراق ، وكان الهدف هو إرسال أناس إلى العالم العربي، ليعيشوا فيه ويختلطوا بأناسه وأهاليه، وينهلوا من معارفهم ومناهجهم في صناعة العلم والفكر وطرقهم الأخذ والرد، وكانوا على هذا الحال طوال النهار، وفي الليل يخلون إلى أنفسهم يكتبون كل ما عرفوه وتعلموه في تقارير يرسلونها إلى أوروبا خفية، ثم ظهرت المؤسسات الإستخبراتية، ولكن بقيت الآلة الإستشراقية محافظة على عملها، لكنه لم يعد قاصرا على نقل أسباب العلم والمعرفة، بل أصبح له هدف آخر، وهو هدم تلك الأسباب، وذلك بالطعن في اللغة والثقافة والدين، وكل ما يقوم عليه المنهج في كل أمة، بالتشكيك حينا وخلق الشبهات طورا، وهذا كله كان مقصود به حماية العقل الأوروبي من هذا السيل الثقافي القادم من بلاد العروبة والإسلام، وبيان أن الثقافة العربية والإسلامية إما فيها أخطاء أو أنها نقل وسطو عن الأديان السابقة والثقافة الغربية وكأن العقل العربي غير مبين، فلما جاءت البعثات الطلابية في عهد محمد علي وبعده، لم تعد الغاية فقط حماية العقل الأوروبي، بل إفساد العقل العربي المسلم، وذلك بعد أن وقع كثيرون من طلاب هذه البعثات تحت تدليس وتأثير مدرسيهم ومن أشرفوا على رسائل تخرجهم، فأصبحوا هم لسان الاستشراق والمبين عنه في بلاد العروبة والإسلام، وحملوا على عاتقهم مهمة الترويج لتلك الشبهات، التي لا يمكن قبولها من شخص أعجمي الدم أو اللسان، ولكن إذا جاءت من (مثقف) عربي فذلك أدنى أن تقبل بين جماهير العوام وأنصاف المتعلمين. وكان لهذا أثر بالغ والسبب الأولى في تمكن الإستعمار من هذه البلاد العربية والإسلامية، وحتى بعد تصفية الإستعمار، فقد استمرت التبعية العربية للدول الغربية عن طريق هؤلاء الذين يتلقفون كلام المستشرقين ويتقممون أفكارهم ثم يعودون إلى بلادهم في ضرب من الأبهة والخيلاء فرحين بما تقمموه، يلوون ألسنتهم به ويتلمضونه بأفواههم حتى يحسبه ضعاف العقول والدهماء والعوام وأنصاف المتعلمين شيئا وهو عند التحقيق كلام عربي غير مفيد بالوضع، بل ويتم فرضه بالغلبة والقهر، لا بقوة الحجة وظهور البرهان ومقارعة العقول. وهذا لم يحدث فقط مع الدول العربية والإسلامية، فالثقافة كانت الميدان الذي حسم التفوق الغربي على السوفيات في الحرب الباردة، والتي جرت فصولها في ثلاثة، ميدان التسلح وميدان الجواسيس وميدان التوسع، ورغم التفوق السوفياتي في ميداني التسلح والتجسس، إلا أن الميدان الثالث حسم لصالح الغرب باستغلال الآلة الإعلامية للترويج للثقافة الغربية وأسلوب حياتها ونمط عيشها، فكان هذا الذي حمل الشعوب السوفياتية إلى طلب الانفصال للإلتحاق بركب الثقافة الغربية البراقة (فكما ترى فإن التكنولوجية المتمثلة في أساليب الإعلام لم تكن إلا وسيلة لخدمة الثقافة وأن الأصل في بقاء الأمم هو بقاء ثقافتها) وحتى ما يحدث الآن من صراع فهو صراع ثقافي تستغل فيه التكنولوجيا الحربية، ولهذا كان أول شيء حدث هو منع وصول الأدب والثقافة الروسية إلى الجماهير الأوروبية، ومحاربة اللغة الروسية. الصراع في أصله هو صراع مناهج، والثقافة هي الركن المتين في منهج كل أمة، وأي خلل يقع فيها فهو خلل في الأركان، والشيء إذا زال ركنه أو إختل زال، فإذا زالت أو تشوهت ثقافة أمة زال المنهج الذي يميزها ويستدل به عليها، وفقدت أدواتها التي تستخدمها في القبول والرد والمعرفة الإنكار، وأصبح عقلها مشتتا ضائعا تائها في الصحراء, أما التطور العلمي والتقني فلم يخل منه عصر من العصور البشرية، وذلك حسب ما تقتضيه حوائج البشر في كل زمن. . [/SIZE] |
ما ورد في هذا المقال يلتقي في جملته مع ما قرره الشرع والعقل السليم، فإن الله تعالى لم يجعل معيار العلو والتمكين مجرد امتلاك الوسائل، وإنما جعله قائمًا على المنهج والاعتقاد والثقافة الجامعة التي تضبط حركة الأمة وتوجه علومها وأعمالها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، والتغيير الذي في الأنفس إنما هو تغيير في العقيدة والتصور والمنهج، لا في الأدوات والآلات وحدها. وقد أحسن الكاتب حين قرر أن التكنولوجيا أمر زائل متحول، تنتقل من أمة إلى أمة، ولا تحفظ هوية ولا تصنع حضارة مستقلة، وإنما تكون خادمة لمنهج سابق عليها. وهذا يوافق ما عليه أهل السنة والجماعة من أن العلم النافع ما كان مبنيًا على أصول صحيحة، وأن الوسائل إنما تأخذ حكم المقاصد، فإن صلحت المقاصد صلحت الوسائل، وإن فسدت فسد ما بُني عليها ولو بلغ أعلى درجات الإتقان المادي. كما أن تنبيهه إلى خطر الاستشراق وأثره في هدم الأصول الثقافية والدينية هو تنبيه في محله، فقد حذّر أئمة السلف من تلقي الدين والفكر عن غير أهله، وقرروا أن من أعظم أبواب الضلال تقديم كلام البشر، كائنًا من كانوا، على الوحيين أو جعلهما تابعين له. وما وقع من الانهزام الفكري عند كثير من أبناء المسلمين إنما كان سببه ضعف التمسك بالمنهج الصحيح، لا ضعف الذكاء ولا قصور اللغة ولا عجز العقل العربي كما يزعمون. والحق أن الثقافة الإسلامية، القائمة على الوحي وفهم السلف الصالح، هي التي حفظت للأمة وحدتها وميزان قبولها وردها، وبها عرفت الحق من الباطل، والنفع من الضرر. فلما دخلها التشويه، واضطربت فيها المرجعيات، صار كثير من الناس يظنون التقدم في تقليد الغرب في نمط عيشه وأفكاره، لا في تحقيق العبودية لله وبناء العلم على أساسها. وما ذكره الكاتب من أن الصراع في جوهره صراع مناهج وثقافات، لا مجرد صراع أدوات، هو عين الصواب، فإن التاريخ يشهد أن الأمم لا تُهزم يوم تُغلب عسكريًا فقط، بل تُهزم حين تُسلب تصوراتها وتُفسد لغتها وتُشكك في دينها. فإذا ثبتت الثقافة والمنهج، أمكن استعادة القوة ولو بعد حين، أما إذا انهار الأساس، فلن تنفع كثرة المصانع ولا تطور الأجهزة. وخلاصة القول: إن هذا المقال يقرر حقيقة شرعية وسننًا كونية دل عليها القرآن والسنة، وهي أن بقاء الأمم مرهون بسلامة منهجها وثقافتها، وأن العلم والتقنية إنما تكون رفعة إذا كانت منضبطة بشرع الله، خادمة لهوية الأمة، لا أداة لذوبانها واغترابها. |
[QUOTE=أبو جهاد الأنصاري;444990]ما ورد في هذا المقال يلتقي في جملته مع ما قرره الشرع والعقل السليم، فإن الله تعالى لم يجعل معيار العلو والتمكين مجرد امتلاك الوسائل، وإنما جعله قائمًا على المنهج والاعتقاد والثقافة الجامعة التي تضبط حركة الأمة وتوجه علومها وأعمالها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، والتغيير الذي في الأنفس إنما هو تغيير في العقيدة والتصور والمنهج، لا في الأدوات والآلات وحدها. وقد أحسن الكاتب حين قرر أن التكنولوجيا أمر زائل متحول، تنتقل من أمة إلى أمة، ولا تحفظ هوية ولا تصنع حضارة مستقلة، وإنما تكون خادمة لمنهج سابق عليها. وهذا يوافق ما عليه أهل السنة والجماعة من أن العلم النافع ما كان مبنيًا على أصول صحيحة، وأن الوسائل إنما تأخذ حكم المقاصد، فإن صلحت المقاصد صلحت الوسائل، وإن فسدت فسد ما بُني عليها ولو بلغ أعلى درجات الإتقان المادي. كما أن تنبيهه إلى خطر الاستشراق وأثره في هدم الأصول الثقافية والدينية هو تنبيه في محله، فقد حذّر أئمة السلف من تلقي الدين والفكر عن غير أهله، وقرروا أن من أعظم أبواب الضلال تقديم كلام البشر، كائنًا من كانوا، على الوحيين أو جعلهما تابعين له. وما وقع من الانهزام الفكري عند كثير من أبناء المسلمين إنما كان سببه ضعف التمسك بالمنهج الصحيح، لا ضعف الذكاء ولا قصور اللغة ولا عجز العقل العربي كما يزعمون. والحق أن الثقافة الإسلامية، القائمة على الوحي وفهم السلف الصالح، هي التي حفظت للأمة وحدتها وميزان قبولها وردها، وبها عرفت الحق من الباطل، والنفع من الضرر. فلما دخلها التشويه، واضطربت فيها المرجعيات، صار كثير من الناس يظنون التقدم في تقليد الغرب في نمط عيشه وأفكاره، لا في تحقيق العبودية لله وبناء العلم على أساسها. وما ذكره الكاتب من أن الصراع في جوهره صراع مناهج وثقافات، لا مجرد صراع أدوات، هو عين الصواب، فإن التاريخ يشهد أن الأمم لا تُهزم يوم تُغلب عسكريًا فقط، بل تُهزم حين تُسلب تصوراتها وتُفسد لغتها وتُشكك في دينها. فإذا ثبتت الثقافة والمنهج، أمكن استعادة القوة ولو بعد حين، أما إذا انهار الأساس، فلن تنفع كثرة المصانع ولا تطور الأجهزة. وخلاصة القول: إن هذا المقال يقرر حقيقة شرعية وسننًا كونية دل عليها القرآن والسنة، وهي أن بقاء الأمم مرهون بسلامة منهجها وثقافتها، وأن العلم والتقنية إنما تكون رفعة إذا كانت منضبطة بشرع الله، خادمة لهوية الأمة، لا أداة لذوبانها واغترابها.[/QUOTE] حفظكم الله شيخنا الحبيب وجزاكم خيرا على هذه الإضافة القيمة والمرور المفيد وأنا سعيد جدا بتقييمكم وتعقيبكم |
| الساعة الآن »04:22 PM. |
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2026 Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة - فقط - لأهل السنة والجماعة