![]() |
ضياء الصّدق التّامّ مع الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله سبيل النّجاة إن شاء الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله
أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَبِسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. مِنْ أَعْظَمِ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.. هَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَوْجِيهٍ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ هُوَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ مُتَكَامِلٌ يَرْسُمُ خَارِطَةَ طَرِيقٍ وَاضِحَةٍ لِسُلُوكِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَصِيرِهَا. وَتَتَجَلَّى عَظَمَةُ هَذَا الْحَدِيثِ (الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) فِي كَوْنِهِ يَضَعُ "قَانُونَ التَّرَاكُمِ" الْأَخْلَاقِيَّ؛ فَالْفِعْلُ الصَّغِيرُ يَتَحَوَّلُ بِالِاسْتِمْرَارِ إِلَى سَجِيَّةٍ، وَالسَّجِيَّةُ تُحَدِّدُ الْمَصِيرَ. إِلَيْكُمْ وَقَفَاتٍ تَأَمُّلِيَّةً فِي هَذَا الْإِعْجَازِ النَّبَوِيِّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى: 1. سِلْسِلَةُ "الْهِدَايَةِ" الْمُتَّصِلَةِ رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالنَّتِيجَةِ فِي تَسَلْسُلٍ مَنْطِقِيٍّ وَرَهِيبٍ: الصِّدْقُ ← الْبِرُّ: الصِّدْقُ فِي الْقَوْلِ يُثْمِرُ صَلَاحاً فِي الْعَمَلِ (الْبِرَّ). الْبِرُّ ← الْجَنَّةُ: الصَّلَاحُ فِي الْعَمَلِ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوصِلُ لِرِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى. الْكَذِبُ ← الْفُجُورُ: الْكَذْبَةُ الصَّغِيرَةُ تَكْسِرُ حَاجِزَ الْهَيْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ، مِمَّا يَجُرُّ إِلَى الْفُجُورِ (وَهُوَ الِانْبِعَاثُ فِي الْمَعَاصِي). الْفُجُورُ ← النَّارُ: السُّقُوطُ فِي الْأَخْلَاقِ يُؤَدِّي حَتْماً إِلَى الْهَلَاكِ. 2. مَفْهُومُ "التَّحَرِّي" (سِرُّ التَّغْيِيرِ) كَلِمَةُ "يَتَحَرَّى" هِيَ مِفْتَاحُ الْإِعْجَازِ فِي الْحَدِيثِ؛ فَهِيَ تَعْنِي الْقَصْدَ وَالْجُهْدَ وَالْبَحْثَ عَنِ الصِّدْقِ حَتَّى فِي الْمَوَاقِفِ الصَّعْبَةِ. هَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّ الصِّدْقَ صِفَةٌ يُمْكِنُ "اكْتِسَابُهَا" بِالتَّدْرِيبِ وَالْمُجَاهَدَةِ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ طَبْعٍ يُولَدُ بِهِ الْإِنْسَانُ. 3. التَّحَوُّلُ إِلَى "هُوِيَّةٍ" فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَا يُسَمَّى الشَّخْصُ صَادِقاً فَحَسْبُ، بَلْ يُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ "صِدِّيقاً" (صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ)، وَكَذَلِكَ الْكَذَّابُ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ صِفَةَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الْخَالِقِ تُحَدَّدُ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حَالُهُ وَأَصْبَحَ سِمَةً لَهُ. تَحْلِيلٌ بَيَانِيٌّ لِلْمُقَارَنَةِ النَّبَوِيَّةِ يَرْسُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَسَارَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ تَمَامَ التَّنَاقُضِ؛ فَفِي حِينِ يَبْدَأُ طَرِيقُ الصِّدْقِ بِتَحَرِّي الْحَقِيقَةِ وَالْقَصْدِ الْوَاعِي لِلْحَقِّ، يَنْزَلِقُ صَاحِبُ طَرِيقِ الْكَذِبِ بِالتَّسَاهُلِ فِي الزَّيْفِ وَاخْتِلَاقِ الْأَبَاطِيلِ. وَمِنْ حَيْثُ الْمَسَارُ، نَجِدُ أَنَّ الصِّدْقَ يُؤَدِّي إِلَى "الْبِرِّ" الَّذِي هُوَ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، بَيْنَمَا يَنْحَدِرُ الْكَذِبُ بِصَاحِبِهِ إِلَى "الْفُجُورِ" وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ. وَأَمَّا عَنِ الْمَصِيرِ النِّهَائِيِّ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَنْتَهِي بِصَاحِبِهِ إِلَى النَّعِيمِ فِي "الْجَنَّةِ"، بَيْنَمَا يَهْوِي الْكَذِبُ بِصَاحِبِهِ فِي "النَّارِ". وَتَتَوَّجُ هَذِهِ الْمُقَارَنَةُ بِاللَّقَبِ الرَّبَّانِيِّ؛ فَمَنْ لَزِمَ الصِّدْقَ صَارَ عِنْدَ اللَّهِ "صِدِّيقاً"، وَمَنْ لَزِمَ الْكَذِبَ وُسِمَ عِنْدَهُ بِـ "كَذَّابٍ". "الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ، وَالْكَذِبُ رِيبَةٌ" كَمَا قَالَ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَهَذَا يُفَسِّرُ لِمَاذَا يَهْدِي الصِّدْقُ إِلَى الْبِرِّ؛ فَالنَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ أَقْدَرُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ. مِنْ لَطَائِفِ حَدِيثِ "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ .." الَّذِي يَتَحَدَّثُ الْمَوْضُوعُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَرَأَهُ بِتَفَكُّرٍ وَتَأَمُّلٍ شَعَرَ وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى بَصْمَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ذَلِكَ أَنَّ مِحْوَرَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ هُوَ الْحَثُّ عَلَى الصِّدْقِ .. وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَصْدَقُ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ .. هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَوْجِيهٍ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ لِشَخْصِيَّةِ الْقَائِلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ الصَّادِقُ الْأَمِينُ عَنِ الصِّدْقِ، فَإِنَّ الْكَلِمَاتِ تَخْرُجُ مُحَمَّلَةً بِوَزْنِ التَّجْرِبَةِ وَعُمْقِ الْحَالِ. إِنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا الْأَثَرِ بِـ "بَصْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ" هُوَ وَصْفٌ دَقِيقٌ لِغَايَةٍ لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ: لِمَاذَا يُعَدُّ هَذَا الْحَدِيثُ "بَصْمَةً" نَبَوِيَّةً؟ وَحْدَةُ الْحَالِ وَالْمَقَالِ: عُرِفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدْقِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَبَعْدَهَا، حَتَّى شَهِدَ لَهُ أَعْدَاؤُهُ بِذَلِكَ. فَعِنْدَمَا يَقُولُ "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ"، فَهُوَ يَدْعُو لِنَهْجٍ هُوَ سَيِّدُهُ وَإِمَامُهُ. الْمَنْطِقُ الْمُتَسَلْسِلُ: الْحَدِيثُ يَبْنِي جِسْراً مَنْطِقِيّاً وَأَخْلَاقِيّاً يَبْدَأُ بِالْكَلِمَةِ وَيَنْتَهِي بِالْمَصِيرِ. هَذَا الْوُضُوحُ فِي الرُّؤْيَةِ (صِدْقٌ ← بِرٌّ ← جَنَّةٌ) يَعْكِسُ الْحِكْمَةَ النَّبَوِيَّةَ فِي التَّرْبِيَةِ. التَّحَرِّي وَالْمُجَاهَدَةُ: لَفْتَةٌ ذَكِيَّةٌ (بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) فِي قَوْلِ "يَتَحَرَّى الصِّدْقَ"؛ فَالصِّدْقُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ قَصْدٌ وَمُجَاهَدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَهُوَ مَا يُفَسِّرُ وُصُولَ الْإِنْسَانِ لِمَرْتَبَةِ "الصِّدِّيقِيَّةِ" الَّتِي هِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْبَشَرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ. مِنْ لَطَائِفِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضاً: بِنَاءُ الْعَادَةِ: الْحَدِيثُ يُرَكِّزُ عَلَى أَنَّ السُّلُوكَ الْمُتَكَرِّرَ (يَتَحَرَّى) يَنْتَهِي بِصِيَاغَةِ الْهُوِيَّةِ (يُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ). التَّلَازُمُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ: الصِّدْقُ لَيْسَ فِي اللِّسَانِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ مِفْتَاحُ "الْبِرِّ" وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فِي الْأَفْعَالِ وَالنِّيَّاتِ. "مَا مِنْ صِفَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الصِّدْقِ، وَلَا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ؛ فَالصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبُ رِيبَةٌ." هَذِهِ الْكَلِمَاتُ تُلَخِّصُ جَوْهَرَ الِاقْتِدَاءِ؛ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَقْرَأُ النَّصَّ لِيَحْفَظَهُ فَحَسْبُ، بَلْ لِيَشُمَّ فِيهِ رِيحَ النُّبُوَّةِ وَيَسْتَشْعِرَ عَظَمَةَ الْقُدْوَةِ. هَذَا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَلَّ جَلَالُهُ صَاحِبُ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ أَعْلَمُ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. |
أحسنت و أبدعت وجزاك الله خيراً و جعلهْ في ميزان حسناتك.
|
بَارَكَ اللّٰهُ فِيكَ أَخِي الْحَبِيبَ، وَلَكَ مِثْلُ الَّذِي دَعَوْتَهُ لِي إِنْ شَاءَ اللّٰهُ تَعَالَىٰ.
وَكُلُّ عَامٍ وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفِ خَيْرٍ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّٰهِ وَبَرَكَاتُهُ. |
أَيْ عَلِيُّ مَنْ لَا شَيْءَ مِثْلُكَ فِي العُلَا
وَأَيْ مَنْ وَفَى بِالوَعْدِ لِلْعَبْدِ إِذْ خَلَا حَفِيٌّ بِنَا تَرْعَى وَتَحْفَظُ حَالَنَا حَيِيٌّ تُدَاوِي القَلْبَ مِنْ بَعْدِ مَا انْجَلَى أَيْ مَنْ تَرَانِي فِي الخَفَاءِ وَأَخْفَى رَحِيمٌ بِنَا جُوداً وَلُطْفاً تَعَجَّلَا فَطَهِّرْ جَنَانِي مِنْ جَمِيعِ مَذَمَّةٍ وَمِثْقَالَ ذَرِّ الكِبْرِ فَامْحُهُ كَي فَلَا أَلْقَاكَ فِي يَوْمِ اللِّقَاءِ بِفِطْرَةٍ نَقِيًّا بِرَحْمَانِيَّةٍ.. نِلْتُ أَنْ نَلَا |
هَذِهِ الأَبْيَاتُ تَفِيضُ رُوحَانِيَّةً وَتَضَرُّعًا، وَهِيَ مُوَجَّهَةٌ لِلْمَوْلَى -عَزَّ وَجَلَّ- بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ العُلْيَا، رَغْمَ أَنَّ مَطْلَعَهَا قَدْ يُوهِمُ النِّدَاءَ لِبَشَرٍ، إِلَّا أَنَّ السِّياقَ الَّذِي يَلِيهِ ("لَا شَيْءَ مِثْلُكَ"، "تَرَانِي فِي الخَفَاءِ") يُؤَكِّدُ أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ اللهُ "العَلِيُّ".
أَوَّلًا: الشَّرْحُ وَالتَّحْلِيلُ تَدُورُ القَصِيدَةُ حَوْلَ مِحْوَرَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ: التَّمْجِيدُ وَ الرَّجَاءُ. التَّمْجِيدُ وَالثَّنَاءُ (الأَبْيَاتُ 1-3): يَبْدَأُ الشَّاعِرُ بِنِدَاءِ اللهِ بِاسْمِهِ "العَلِيُّ"، مُثْبِتًا لَهُ الوَحْدَانِيَّةَ وَتَفَرُّدَهُ بِالعَظَمَةِ. ثُمَّ يَصِفُهُ بِالوَفَاءِ بِالعَهْدِ وَالقُرْبِ مِنَ العَبْدِ فِي خَلَوَاتِهِ. المُرَاقَبَةُ الإِلَهِيَّةُ هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّخْوِيفِ بَلْ لِلرِّعَايَةِ ("تَرْعَى وَتَحْفَظُ") وَالمُدَاوَاةِ ("تُدَاوِي القَلْبَ"). التَّطْهِيرُ وَالخَاتِمَةُ (الأَبْيَاتُ 4-5): يَنْتَقِلُ الشَّاعِرُ إِلَى الدُّعَاءِ الصَّادِقِ، طَالِبًا تَنْقِيَةَ القَلْبِ (الجَنَانِ) مِنْ مَسَاوِئِ الأَخْلَاقِ، وَخُصُوصًا "الكِبْرَ"، لِيَلْقَى رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِفِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ وَرُوحٍ نَقِيَّةٍ تَسْتَحِقُّ الرَّحْمَةَ. ثَانِيًا: الإِعْرَابُ التَّفْصِيلِيُّ سَأَقُومُ بِإِعْرَابِ نَمَاذِجَ مُخْتَارَةٍ مِنْ أَهَمِّ المَوَاقِعِ الإِعْرَابِيَّةِ فِي الأَبْيَاتِ: [البَيْتُ الأَوَّلُ] أَيْ: حَرْفُ نِدَاءٍ لِلْقَرِيبِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. عَلِيُّ: مُنَادَى مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ (لأَنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ جَرَتْ مَجْرَى العَلَمِ). مَنْ: اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنَى "الَّذِي" مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ (أَوْ بَدَلٌ مِنَ المُنَادَى). لَا: نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ تَعْمَلُ عَمَلَ "إِنَّ". شَيْءَ: اسْمُ "لَا" مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ. مِثْلُكَ: "مِثْلُ" خَبَرُ "لَا" مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ، وَالكَافُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. [البَيْتُ الثَّانِي] حَفِيٌّ: خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (أَنْتَ حَفِيٌّ)، مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ الظَّاهِرَةِ. تَرْعَى: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ المُقَدَّرَةِ عَلَى الأَلِفِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ (أَنْتَ). [البَيْتُ الرَّابِعُ] فَطَهِّرْ: الفَاءُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، "طَهِّرْ" فِعْلُ أَمْرٍ (لِلدُّعَاءِ) مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. جَنَانِي: مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ بِالفَتْحَةِ المُقَدَّرَةِ لِاشْتِغَالِ المَحَلِّ بِحَرَكَةِ المُنَاسَبَةِ، وَاليَاءُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. مِثْقَالَ: مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ "امْحُهُ" المُتَأَخِّرِ (عَلَى الِاشْتِغَالِ) أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى "جَنَانِي". ثَالِثًا: جَدْوَلُ المُفْرَدَاتِ وَالبَلَاغَةِ الكَلِمَةُ___المَعْنَى / الجَمَالِيَّةُ خَلَا___انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ (تُوحِي بِالإِخْلَاصِ). انْجَلَى___انْكَشَفَ وَزَالَ عَنْهُ الغَمُّ. الجَنَانُ___القَلْبُ (وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتَارِهِ فِي الصَّدْرِ). مَذَمَّةٍ___الصِّفَةُ المَعِيبَةُ الَّتِي يُذَمُّ صَاحِبُهَا. مُلَاحَظَةٌ بَلَاغِيَّةٌ: اسْتِخْدَامُ "أَيْ" فِي مَطْلَعِ الأَبْيَاتِ يُشِيرُ إِلَى قُرْبِ اللهِ تَعَالَى مِنْ قَلْبِ الدَّاعِي، فَهِيَ أَدَاةُ نِدَاءٍ لِلْقَرِيبِ. |
الشَّرْحُ التَّفْصِيلِيُّ لِلأَبْيَاتِ الخَمْسَةِ الَّتِي نُظِمَتْ عَلَى بَحْرِ الطَّوِيلِ، وَهِيَ تَلْخِيصٌ لِمَعَانِي المُنَاجَاةِ الَّتِي بَدَأْنَا بِهَا:
البَيْتُ الأَوَّلُ: نِدَاءُ الجَلَالِ وَالتَّنْزِيهِ «أَيْ عَلِيُّ مَنْ لَا شَيْءَ مِثْلُكَ فِي العُلَا .. وَأَيْ مَنْ وَفَى بِالوَعْدِ لِلْعَبْدِ إِذْ خَلَا» الشَّرْحُ: يَبْدَأُ الشَّاعِرُ بِالتَّوَسُّلِ بِصِفَةِ (العُلُوِّ) المُطْلَقَةِ للهِ تَعَالَى، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نِدَّ فِي عَظَمَتِهِ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى صِفَةِ (الوَفَاءِ)، فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ عُلُوِّهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ يَخْلُو بِهِ، لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ. البَيْتُ الثَّانِي: لُطْفُ الرِّعَايَةِ وَسِتْرُ الحَيَاءِ «حَفِيٌّ بِنَا تَرْعَى وَتَحْفَظُ حَالَنَا .. حَيِيٌّ تُدَاوِي القَلْبَ مِنْ بَعْدِ مَا انْجَلَى» الشَّرْحُ: هُنَا تَجَلٍّ لِصِفَتَيِ (الحَفِيِّ) وَ (الحَيِيِّ). فَاللهُ حَفِيٌّ بِعِبَادِهِ، أَيْ شَدِيدُ الِاحْتِفَاءِ بِهِمْ وَالرِّعَايَةِ لِأَحْوَالِهِمْ حَتَّى فِي دَقَائِقِهَا. وَهُوَ حَيِيٌّ يَسْتَحْيِي مِنْ فِضِيحَةِ عَبْدِهِ، بَلْ يُدَاوِي جِرَاحَ القَلْبِ وَيَجْبُرُ كَسْرَهُ بَعْدَ أَنْ تَنْكَشِفَ لَهُ ضَعْفُ نَفْسِهِ (انْجَلَى بِمَعْنَى ظَهَرَ وَبَانَ). البَيْتُ الثَّالثُ: إِحَاطَةُ العِلْمِ وَسُرْعَةُ الإِجَابَةِ «أَيْ مَنْ تَرَانِي فِي الخَفَاءِ وَأَخْفَى .. رَحِيمٌ بِنَا جُوداً وَلُطْفاً تَعَجَّلَا» الشَّرْحُ: يُخَاطِبُ الدَّاعِي رَبَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (مَا لَا يَعْلَمُهُ العَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ). وَيَصِفُ هَذَا العِلْمَ بِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالرَّحْمَةِ وَالجُودِ، حَيْثُ يَأْتِي لُطْفُ اللهِ مُتَعَجِّلًا (سَرِيعًا) لِيُغِيثَ العَبْدَ فِي لَحَظَاتِ ضَعْفِهِ. البَيْتُ الرَّابِعُ: التَّطْهِيرُ مِنْ آفَةِ الكِبْرِ «فَطَهِّرْ جَنَانِي مِنْ جَمِيعِ مَذَمَّةٍ .. وَمِثْقَالَ ذَرِّ الكِبْرِ فَامْحُهُ كَي فَلَا» الشَّرْحُ: هَذَا هُوَ لُبُّ الطَّلَبِ؛ فَبَعْدَ الثَّنَاءِ يَأْتِي الدُّعَاءُ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ (الجَنَانِ) مِنْ كُلِّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ. وَخَصَّ "الكِبْرَ" بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الحِجَابُ الأَعْظَمُ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ، طَالِبًا مَحْوَ حَتَّى مِثْقَالَ الذَّرَّةِ مِنْهُ لِيَنْعَدِمَ تَمَاماً (كَي فَلَا، أَيْ لِكَي لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ). البَيْتُ الخَامِسُ: مَقَامُ اللِّقَاءِ وَالنَّوَالِ «أَلْقَاكَ فِي يَوْمِ اللِّقَاءِ بِفِطْرَةٍ .. نَقِيًّا بِرَحْمَانِيَّةٍ.. نِلْتُ أَنْ نَلَا» الشَّرْحُ: يَخْتِمُ بِأُمْنِيَةِ الفَوْزِ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَنْ يَكُونَ اللِّقَاءُ عَلَى حَالِ الفِطْرَةِ الأُولَى النَّقِيَّةِ الصَّافِيَةِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا الوُصُولَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَضْلِ "الرَّحْمَانِيَّةِ" الإِلَهِيَّةِ. وَجُمْلَةُ (نِلْتُ أَنْ نَلَا) هِيَ بَيَانٌ لِحُصُولِ المَقْصُودِ وَبُلُوغِ النَّوَالِ العَظِيمِ بِرِضَا اللهِ. |
قَصِيدَةُ ضِيَاءِ الصِّدْقِ وَسَبِيلِ النَّجَاةِ
بَابُ الِاسْتِفْتَاحِ وَعَظَمَةِ المَقَالِ يَا مَنْ يَرُومُ النَّهْجَ فِيهِ نَجَاةُ ... فَالصِّدْقُ لِلرُّوحِ الظَّمِـيئَةِ قُوتُ نُورٌ مِنَ الرَّحْمَنِ يَجْلُو ظُلْمَةً ... وَبِهِ تُنَالُ مَنَازِلٌ وَصِفَاتُ قَالَ النَّبِيُّ وَقَوْلُهُ حَقٌّ جَلَا ... فِيهِ الهُدَى، وَتَبَدَّتِ الآيَاتُ "عَلَيْكُمُ بِالصِّدْقِ" قَوْلٌ خَالِدٌ ... فِيهِ الشِّفَاءُ، وَلِلْعِيَانِ ثَبَاتُ إِنَّ الصَّدُوقَ إِلَى المَبَرَّةِ يَهْتَدِي ... وَبِرُّ ذَاكَ العَبْدِ فِيهِ جَنَاتُ فَصْلُ التَّحَرِّي وَبِنَاءِ الهُوِيَّةِ تِلْكَ المَكَارِمُ لَيْسَ تُدْرَكُ بَغْتَةً ... بَلْ بِالتَّحَرِّي تُصْقَلُ الغَايَاتُ مَنْ ظَلَّ يَنْشُدُ لِلْحَقِيقَةِ مَوْرِداً ... حَتَّى تَصِيرَ لَهُ هِيَ العَادَاتُ يُكْتَبْ لَدَى الرَّحْمَنِ "صِدِّيقاً" لَهُ ... فِي الخُلْدِ ذِكْرٌ، بَلْ وَفِيهِ حَيَاةُ فَالصِّدْقُ لَيْسَ لِسَانَ حَالٍ عَارِضاً ... بَلْ جَوْهَرٌ، وَسَرِيرَةٌ، وَذَاتُ هُوَ بَصْمَةُ الهَادِي الأَمِينِ وَنَهْجُهُ ... حِينَ اسْتَقَامَتْ لِلرَّسُولِ جِهَاتُ فَصْلُ التَّحْذِيرِ مِنْ مَهَالِكِ الزَّيْفِ وَعَلَيْكُمُ أَنْ تَهْجُرُوا لَحْنَ الخَنَا ... فَالكَذِبُ رَيْبٌ، وَالشُّكُوكُ شَتَاتُ يَهْدِي إِلَى فُجْرٍ يُدَنِّسُ صَاحِبِي ... وَالنَّارُ مَثْوَى مَنْ لَهُ زَلَّاتُ فَالكَذِبُ أَوَّلُهُ هَوَانٌ مُطْبِقٌ ... وَآخِرُ الذَّنْبِ العَظِيمِ مَمَاتُ مَا زَالَ يَكْذِبُ مَنْ تَمَادَى غَيُّهُ ... حَتَّى بَدَتْ فِي وَجْهِهِ الظُّلُمَاتُ وَيُسَمَّ رَبِّي فِي السَّمَاءِ كَذُوبَهُ ... عِنْدَ الإِلهِ، وَضَاعَتِ القُرُبَاتُ بَابُ التَّأَمُّلِ فِي ثَمَرَةِ اليَقِينِ يَا لَاطِفاً بِالعَبْدِ حِينَ يَصْدُقُهُ ... تِلْكَ السَّكِينَةُ لِلنُّفُوسِ صَلَاةُ فَالصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ فِي قَلْبِنَا ... وَالزَّيْفُ قَلَقٌ، ضِيقَةٌ، وَشَكَاةُ مَنْ رَامَ بَصْمَةَ أَحْمَدٍ فِي رُوحِهِ ... فَلْيَلْزَمِ المِصْدَاقَ، فِيهِ نَجَاةُ أَخْلِقْ بِمَنْ صَدَقَ الإِلهَ بِسِرِّهِ ... أَنْ يُجْتَبَى، وَتُحَاطَهُ البَرَكَاتُ هِيَ شِرْعَةُ الحَقِّ المُبِينِ وَنُورُهُ ... فَاسْتَمْسِكُوا، فَالصِّدْقُ فِيهِ حَيَاةُ خَاتِمَةُ النَّظْمِ تَمَّتْ بِحَمْدِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ ... نَظْماً بِهِ تَتَعَطَّرُ الأَوْقَاتُ صَلَّى الإِلهُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ ... مَا نَارَ صِدْقٌ، وَانْجَلَتْ عَثَرَاتُ. |
| الساعة الآن »04:08 AM. |
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2026 Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة - فقط - لأهل السنة والجماعة