التعايش مع بني قريضة
طبعا الجانب السياسي تكلمت عنها سابقا في الوثيقة ولا يحتاج التكرار
الجانب الديني :
لقد دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وربهم فيه وخوفهم من مغبة الكفر بما جاء فيه ولكنهم لجوا في عنادهم . ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم رؤساء من أحبار اليهود، منهم : عبدالله بن صوريا وهو من يهود بني ثعلبة بن الفطيون ، وكعب بن أسد رئيس بني قريظة ، فقال لهم :
(( يامعشر اليهود : اتقوا الله وأسلموا فو الله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق . قالوا : مانعرف ذلك يامحمد : فجحدوا ماعرفوا وأصروا على الكفر ، فأنزل الله تعالى فيهم : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا }النساء47 . [ ابن هشام : السيرة النبوية ، 2 / 209 . ]
وفي مناسبة ثانية تزعم كعب بن أسد فريقا من علماء يهود بينهم عبدالله بن صوريا وابن صلوبا من يهود بني ثعلبة بن الفطيون وشأس بن قيس من بني قينقاع وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء فتنته عن دينه ، لأنه في نظرهم بشر أي ليس نبيا ، فأتوه فقالوا له : يامحمد ، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود , وأشرافهم وسادتهم ، وأنا إن اتبعناك اتبعتك يهود ، ولم يخالفونا ، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة . أفنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك ؟ فأبى عليهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيهم : {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ }المائدة49 [ ابن هشام : السيرة النبوية ، 2 / 216 ، الواحداي : أسباب النزول ، ً147 . ] .
ويظهر أن يهود المدينة وعلى رأسهم يهود بني قريظة لم ييأسوا من تشكيك رسول الله صلى الله عليه في دينه وتخذيل الناس من حوله ومحاولة إضهار ضعفه . وإمعانا منهم في التحدي وإثارة زوابع من الشك في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي حقيقة مايدعو إليه .
ذهب إليه بعض سادة بني قريظة وعلمائهم برئاسة كعب بن أسد وشمويل بن زيد وجبل بن عمروبن سكينة مع من انضاف إليهم من يهود القبائل الأخرى وخاطوبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قائلين :
يامحمد ،أما يعلمك هذا إنس ولاجن ؟ قال : فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أما والله لتعلمون أنه من عند الله وإني لرسول الله ، تجدون ذلك مكتوبا عندكم في التوارة ، فقالوا : يامحمد ! فأنزل علينا كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه وإلا جئناك بمثل ماتأتي به .)) فأنزل الله تعالى : {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }الإسراء88 . [ ابن هشام : السيرة النبوية ، 2/ 220 .]
فلما عجز علماء يهود بني قريظة ومن شايعهم من كبار يهود المدينة عن ثني الناس عن الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما عجزوا عن زحزحة النبي عن موقفة الصلب وإيمانه الراسخ بنبوته ورسالته بدؤوا بتشكيك من أمن به من يهود ، رجاء تحوليهم عن الإسلام وإشاعة موجة من الشك بين أتباع الدين الجديد . فقد ذهب كعب بن أسد زعيم بني قريظة وشمويل بن زيد وبعض زعماء بني النضير إلى عبدالله بن سلام حبر اليهود عندما أسلم قائلين له : (( ماتكون النبوة في العرب،ولكن صاحبك ملك )) . [ ابن هشام : السيرة النبوية ، 2/ 220. ]
واتمنى منك ملاحضة ما اكتب حاليا لتعرفي حجم انصاف الرسول مع يهود بني قريضة رغم مافعلوا سابقا .
فقد ذكر ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس ، أن ماجاء في سورة المائدة من قوله تعالى : { فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }المائدة42 .
أنما نزلت في الدية بين بني النضير وبني قريظة ، وذلك أن قتلى بني النضير وكان لهم شرف ،يؤدون الدية كاملة ، وأن بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية ، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق فجل الدية سواء .
[ ابن هشام: السيرة النبوية ، 2 /215 ، وابو داود : السنن ، 2 / 327 ( حديث : 3591) وانظر : ابن كثير : التفسير ، 3 / 177-119 .]
ويظهر أن الصنيع الذي أقدم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من رفع شأن بني قريظة وجعلهم على قدم المساواة مع خصومهم يهود بني النضير في الدماء والديات لم يجد فتيلا في الاعتراف بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم والدين الذي جاء به ، فقد ظلت قريظة على مكابرتها وعنادها وتحريضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رسالته التي يدعو إليها .
ويظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبرم مع يهود بني قريظة أكثر من عهد ، ثم ينقضونه ، فقد جاء في تفسير قوله تعالى : {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ }الأنفال56 . عند بعض المفسرين : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد يهود بمي قريظة فنقضوا العهد ، وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح ، ثم قالوا : نسينا وأخطأنا ، ثم عاهدوه ثانية ، فنقضوا ومالؤوا الكفار يوم الخندق .[ ابن الجوزي : زاد المسير في علم التفسير ، 3/ 371 -372 . والقرطبي : الجامع لأحكام القرأن ، 2 / 40 ، 8 / 30 ، الطبري : جامع البيان ، 9 / 25-27 ] .
وجاء عند الطبري في ’’ تفسيره ‘‘ لقوله تعالى : {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ }الأنفال56 . أي الذين يامحمد أخذت عهودهم ومواثيقهم ألا يحاربوك ولا يظاهروا عليك محاربا لك ، كقريظة ونظرائهم ممن كان بينك وبينهم عهد وعقد ، ثم ينقضون عهودهم ومواثيقهم ، كلما عاهدوا دافعوك وحاربوك وظاهروا عليك وهم لا يتقون الله . وروى الطبري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى : {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ }الأنفال56 . أنهم قريظة ، مالؤوا على محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه . [ الطبري : جامع البيان ، 9 / 25-27 . ] .
وهكذا يتبين من نصوص القرأن ومن أقوال جهابذة المفسرين أن يهود بني قريظة قلما يحترمون عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة .
يظهر أن هذا العهد الذي أبرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بني قريظة في أعقاب أحد ةإجلاء بني النضير ، لم يعمر طويلا ، فكما ذكر السيوطي أنه بعد جلاء بني النضير بقيت قريظة بعدهم عاما أو عامين على عه بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فلما جاء المشركون يوم الأحزاب نقضوا العهد . [ السيوطي : الدرر المنثور ، 6 / 190 . ] .
دورهم في غزوة الأحزاب هذا موضوع مهم جدا:
قبل ذكر ومناقشة نقض بني قريظة يجب اعطاء لمحة موجزة عن وقعة الخندق أو الأحزاب التي وقعت في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره عليه الصلاة والسلام لأنها وثيقة الصلة بقريظة ونقضها العهد وما أل إليه أمرها أخيرا .
وفي الرواية: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر ، فخرج نفر من أشرافهم ووجوهم إلى مكة فألبوا قريشا ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعدا ، ثم خرجوا من عندهم ،فأتوا غطفان وسليما ففارقوهم على مثل ذلك ، وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم من العرب فكانوا أربعة ألاف ، وعقدوا اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة بني أبي طليحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير ، وخرجوا يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية ، وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خويلد الأسدي ، وخرجت فزارة فأوعبت ، وهم ألف بعير يقودهم عيينة بن حصن ، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة ، وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف وخرج معهم غيرهم ، وقد روى الذهري أن الحارث بن عوف رجع ببني مرة فلم يشهد الخندق منهم أحد ، وكذلك روت بنو مرة والأول الثبت أنهم قد شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف ، وهجاه حسان بن ثابت. فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن ذكر من القبائل عشرة الأف ، وهم الأحزاب ، وكانوا ثلاثة عساكر وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصولهم من مكة ندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في أمرهم ، فأشار سلمان الفارسي بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى سفح سلع وجعل سلعا خلف ظهره ، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة ألاف ، واستخلف على المدينة عبدالله بن أم مكتوم ثم خندق على المدينة ، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم عدوهم عليهم وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، معهم بيده لينشط المسلمين ، ووكل بكل جانب منه قوما فكان المهاجرون يحفرون من نايحة راتج إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل بني عبيد ، وكان سائر المدينة مشبكا بالبنيان فهي كالحصن ، وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جربا إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم ، وفرغوا من حفره في ستة أيام ورفع المسلمون النساء والصبيان في الأطام ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم الاثنين لثماني ليال مضين ، من ذي القعدة . [ ابن سعد: الطبقات , 2 / 65-67 ، ولمن أحب اكثر فأن كثير من المؤرخين أورد خبر وقعة الخندق أو الأحزاب واختيار الرواية الوارداة عند ابن سعد لأنها أقل الرويات ألخرى احتفالا بالتفاصيل الثانوية : انضر : عن غزوة الأحزاب ، الزهري : المغازي ص79-83 . وابن هشام : السيرة النبوية3/ 224- 244 ، والواقداي ، المغازي 2/ 440-493 ، ابن حزم : جوامع السيرة ، ص 147-157 ، وابن عبد البر : الدرر في اختصار المغازي والسير ، ص 190-201 .]
يتبين من العرض الجزئي للرواية التي قدمها ابن سعد عن وقعة الخندق أن زعماء يهود بني النضير الذين أجلوا إلى خيبر ، هم الذين تزعموا حركة تحزيب الأحزاب وجمعوا قريش وغيرها من القبائل العربية على محاربة المسلمين في المدينة.
ويتبين من العرض كذلك أن المدينة بعد حفر الخندق أصحبت محصنة من جهتها الشمالية ، أما بقية الجهات فهي محوطة بالمزارع والبنيان . [ الواقداي : المغازي ، 2 / 446-450 ] .
تقطن قبيلة بني قريظة الجهة الجنوبية الشرقية ، ويفترض أنها مسؤولة عن الدفاع عنها لما عاهدوا عليه المسلمين . [ الواقداي : المغازي ، 2 / 454 ] .
وللحق وكما هي عادة المسلمين بذكر الحقائق
قد استعار المسلمون من قريظة ألات كثيرة من مساح وكرازين ومكاتل ( زراعية ) يحفرون بها الخندق . [ الواقداي : المغازي ، 2 / 445 ] .
ولم يقلق المسلمون كثيرا على الجهة الجنوبية للمدينة ، فقد كان كعب ابن أسد القرظي ، وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك وعاقده . [ الطبري : جامع البيان 19 /130 ، والقرطبي ، الجامع لأحكام القرأن ، 14 / 131 .]
واستمرت مدة الحصار عشرين يوما ، ويقال : خمسة عشر يوما ، وهذا الذي رجحه الواقداي. [ الواقداي : المغازي ، 2 /491 ، وقارن : الزهري ، المغازي ص 79 ] .
وكانت حالة الجوةوأحوال المسلمين النفسية والمعاشية حينذاك في غاية السوء، فكان حذيفة بن اليمان يقول : لقد رأيتنا في الخندق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة شديدة البرد قد اجتمع علينا البرد والجوع والخوف . [ الواقداي : المغازي ، 2 / 488 ] .
واستطاع الأحزاب إغراء يهود بني قريظة بالانضام إليهم والغدر بالمسلمين ، فأصبح المسلمون بين فكي الأسد ، كما يقال ، فقد ذهب حيي بن أخطب إلى بني قريظة وحثهم على الوقوف بجانب الأحزاب ضد المسلمين .
(( فواثقهم وعاهدهم لئن انفضت جموع الأحزاب ( يعني هربت ) أن يجيء حتى يدخل معهم أطمهم فأطاعوه حينئذ بالغدر بالنبي والمسلمين . [ الزهري : المغازي النبوية ، ص 82 ، ومن أحب ان ينظر تفصيل المحادثة التي جرت بين حيي بن أخطب وكعب بن أسد عند الواقدي : المغازي ، 2/ 454 ، وانظر ابن هشام : السيرة النبوية ، 3 / 231-232 ] .
وعندما جاء حيي بن أخطب داعيا زعيم بني قريظة لنقض الحلف مع النبي صلى الله عليه وسلم والانضمام إلى الأحزاب رد عليه كعب بقوله : (
ياحيي إني قد عاقدت محمدا وعاهدته ، فلم نر منه إلا صدقا ، والله ما أخفر لنا ذمة ولا هتك لنا سترا ولقد أحسن جوارنا .[ الواقدي : المغازي 2/ 455 . ].
ولم يزل حيي بكعب بن أسد حتى لان له ، وأراد كعب قبل الإقدام على نقض العهد استشارة كبار رؤساء يهود بني قريظة ، فقال لحيي : ارجع عني يومك هذا حتى أشاور رؤساء اليهود ، فقال له حيي: قد جعلوا العهد والعقد إليك فأنت ترى لهم ، وجعل يلح عليه حتى فتله عن رأيه .[ الواقدي : المغازي ، 2 / 456 .] .
ومن ثم نقض كعب العهد الذي كان بينه وبين رسول الله ، ودعا حيي بالكتاب الذي كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فشقه حيي . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 456 .] .
وتكاد توحي الرواية نفسها أن تردد كعب في نقض العهد ليس حبا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فواء لعهه ، ولكن ، كما قال في قيما ترى كارها له ، وأنا أخشى ألا يقتل محمد ، وتنصرف قريش إلى بلادها ، وترجع أنت إلى أهلك ، وأبقى في عقر الدار ، وأقتل ومن معي . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 456 .] . لذلك فإن سبب تردد كعب هو الخوف من سوء العاقبة ،.
وفي هذه الأثناء علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريظة ربما نقضت عهدها ، فقد
اخبره عمر بن الخطاب ان بني قريظة نقضت العهد وحاربت . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 457 . ابن هشام : السيرة النبوية 3 / 232 ] .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام ، فقال : اذهب إلى بني قريظة ، فذهب ثن رجع فقال : يارسول الله ، رأيتهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم ، وقد جمعوا ماشيتهم .[الواقدي : المغازي ، 2 / 457 .] .
وإمعانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الروية وعدم أخذ القوم بالظن ،
أرسل إلى بني قريظة سعد بن معاذا وسعد بن عبادة وعبدالله بن رواحة ، وخوات بن جبير ليكلموهم ، وينشادوهم في حلفهم ، فدخلوا عليهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف ، فقالوا : الأن وقد كسروا جناحنا ، يريدون بجناحهم المكسورة بني النظير ، ثم أخرجوهم وشتموا النبي صلى الله عليه وسلم شتما .[ موسى بن عقبة : المغازي ، ص218 ، وابن هشام : السيرة النبوية ، 3 / 232 . ]
وجاء في رواية أخرى للواقداي
أنه لما انتهى وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب ، وجدوا القوم فد نقضوا العهد . فناشدوهم الله والعهد الذي كان بينهم . فقال كعب : لانرده أبدا ، قد قطعته كما قطعت هذا القبال ، قبال نعله . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 458 .] .
إن خيانة قريظة للرسول والمسلمين مسألة مؤكدة بشهادة القران الكريم لذلك ، فليس هناك مجال للشك فيما أقدموا عليه ، لهذا فإنه في النهاية يجب التعويل على ماجاء في القرأن الكريم في تصوير ماحدث ، فعندما عاد الوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بحقيقة نقض قريظة للعهد ، وشاع الخبر في معسكر المسلمين ، وعظم البلاء ، واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوهم ومن أسفل منهم ، حتى ظن الممنين كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين ، حتى قال بعض بني حارثة يارسول الله إن بيوتنا عورة من العدو فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا ، فإنها خارج من المدينة .[ الواقدي : المغازي ، 2 / 459 .ابن هشام : السيرة النبوية ، 3 / 233 ] .
وخيف على الذراري والنساء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وجاه العدو ، لا يستطيعون الزوال عن مكانهم يعتقبون خندقهم ويحرسونه وتكلم قوم بكلام قبيح، فقال معتب بن قشير : يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يأمن يذهب إلى حاجته ، وماوعدنا الله ورسوله إلا غرورا . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 459 -460 .] .
ولقد صور القرأن الكريم المؤامرة الدنيئة التي قادتها الأحزاب ضد المسلمين كما صور أبلغ تصوير الهلع النفسي الذي أحاط بالمسلمين حتى زاغت أبصارهم وبلغت القلوب الحناجر وتسرف لنفوس بعض ضعاف الإيمان منهم أي المنافقين سوء الظن بالله إذ قال تعالى : { إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا{10} هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً{11} وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً{12} . [ الأحزاب : 10 -12 ] .
ومع ذلك إنه من الضروري هنا تأكيد ان قريظة لم تكتف بنقض عدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها لم تبق على الحياد ، بل انغمست في المؤامرة الدنيئة ضد المسلمين .
قال هلال بن أمية :
أقبلت في نفر من قومي وبني عمر بن عوف ... حتى إذا كنا بعوسا ( موضع ) إذا نفر منهم [ بنو قريظة ] منهم نباش بن قيس القرظي ، فنضحونا بالنبل ساعة ورميناهم بالنبل وكانت بيننا وبينهم جراحة، ثم انكشفوا على حاميتهم ورجعنا إلى أهلنا فلن نر لهم جمعا بعد .[ الواقدي : المغازي ، 2 / 451 . ] .
وقال الحارث بن فضيل : ((
همت بنو قريظة أن يغيروا على بيضة المدينة ليلا ( موضع ) فأرسلوا حيي بن أخطب إلى قريش أن يأتيهم منهم ألف رجل ومن غطفان ألف ، فيغيروا بهم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فعظم البلاء ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي في مئتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة ويظهرون التكبير . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 460 . ] .
وأورد ابن إسحاق بسنده عن عباد بن عبدالله بن الزبير أن صفية بنت عبدالمطلب كانت في فارع ، حصن حسان بن ثابت مع النساء والصبيان قالت :
فمر بنا رجل من يهود فجعل يطوف بالحضن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت مابينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ،ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا أت ... ثم نزلت من الحصن إلى اليهودي فضربته بالعمود حتى قتلته .[ ابن هشام السيرة النبوية : 3 / 239 .وقارن : الواقداي، المغازي 2 / 462-463 . فقد
ذكر أن غزال بن سموأل وعشرة من بني قريظة طافوا بأطم فارع ( يعني حصن فارع ) وأن أحد من اليهود دنا من باب الحصن يريد أن يدخل فاحتجزت صفية بثوبها ثم أخذت خشبة فنزلت إليه فضربته فقتلته فهرب من بقي من يهود . ]
وكان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الخندق يتعاهدون أهليهم بأنصاف النهار بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ، فينهاهم ،
فإذا ألحوا أمرهم أن ياخذوا السلاح خوفا عليهم من بني قريظة . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 451 . ] .
وكان رجال من اهل العوالي يرغبون في أن يطلعوا على أهلهم ، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
إني أخاف عليكم من بني قريظة .. من ذهب منكم فليأخذ سلاحه ، فإني لا أمن بني قريظة ، هم على طريقكم [ الواقدي : المغازي ، 2 / 474 . ] .
وجاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال :
لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش وغطفان . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 460 . ]
لذلك فلم يكن أهل الأطام من ذراري المسلمين ينامون إلا عقب ، مناوبة ، خوفا
من بني قريظة أن يغيروا عليهم . [ ابن سعد : الطبقات ، 5 / 81 . ] .
وكذلك الأمر بالنسبة إلى أهل الخندق من المسلمين لم يكونوا ينامون الليل إلا قليلا ، أو كما قال خوات بن جبير : فكان ليلنا بالخندق نهارا . [ الواقدي : المغازي ، 2 / 461 . ]
أضافة إلى ماتقدم من تسلط يهود بني قريظة على المسلمين والتحرش بهم وتهديد أطامهم ( اي الحصون اللي تسكن فيها النساء ) التي فيها نساؤهم وأولادهم وتهديد طرقهم وسابلتهم ، فقد ذكرت بعض المصادر
أني بني قريضة كانوا يمدون قريشا في أثناء حصارها للمسلمين بالتمر والشعير وحتى علف الماشية . .[ السمهودي : وفاء الوفاء 1 / 304 ، والحلبي : السيرة الحلبية . ، 2 /647 . ]
وليس المقال الغزوة لكني اردت ان اعرج على جانب من جوانبها وهم يهود بني قريضة وهذا مربط الفرس في سؤالك والباقي معروف بنهاية هذه الحرب بتحقيق إرادة الله إذا اقتضت إرادته تشتيت الأحزاب وردهم عما أردوا وكذلك دور الصحابي البطل نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه في تفريق كلمة الأحزاب ولعل بعض الأخوان في هذا المنتدى المبارك يعرج على هذه القصة .