واما ما يخص شبهة عبارة من لم يكفر الكافر فهو كافر..فاجاب عنها الشيخ في نفس الكتاب..وهذه مقدمتها
(( 11 )) إطلاق قاعدة ( من لم يكفر الكافر فهو كافر ) دون تفصيل
ومن الأخطاء الشائعة في التكفير إطلاق قاعدة ( من لم يكفر الكافر فهو كافر ) دون تفصيل .
وسوء استعمال هذه القاعدة عمّ بلاؤه وطمّ بين كثير من الشباب ، حتى جعلها بعض غلاة المكفرة أصل الدين وشرط صحة الإسلام ، يدور معها الإسلام عندهم وجودا وعدما ، وعقدوا عليها الولاء والبراء ؛ فمن أطلقها وأعملها فهو المسلم الموحد الذي يتولّونه ،ومن خالفهم في بعض جزئياتها عادوه وبرئوا منه وكفّروه ؛ حتى بلغ بهم الأمر أن كفر بعضهم بعضا .. لأنه لا يخلو أن يخالف بعضهم في تكفير بعض الناس ، فيكفر بعضهم بعضا بسبب هذا الخلاف .
ونحن نسأل هؤلاء هنا سؤالا مفاده : إذا كان إطلاق هذه القاعدة على طريقتكم دون تفصيل شرطا لصحة الإسلام ؛ أفيولد الإنسان يعرفه أم يجب عليه تعلمه ؟
فإن قالوا : يولد يعرفه .
فقد عارضوا قوله تعالى : (( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا )) .
وإن قالوا : يجب تعلمه .
قلنا : متى يجب عليه ذلك ؛ أقبل البلوغ أم بعده ؟ ولا بد من أحد الجوابين .
فإن قالوا : قبله .
خالفوا صريح حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( رفع القلم عن ثلاث .. منهم ؛ الصغير حتى يحتلم ) .
وإن قالوا : بعد البلوغ .
قلنا لهم : ضعوا لنا حدا ؛ أيجب عليه مباشرة بعد البلوغ ، أم على التراخي ؟
فإن قالوا : على التراخي .
تناقضوا وأجازوا بقاء الغلام بعد احتلامه على الكفر مدة لا يعرفون حدها ، فلو مات مات على الكفر عندهم .
فإن قالوا : مباشرة .
قلنا : فإنها من المسائل التي تحتاج إلى نظر وبحث وتعلم ودراسة خصوصا في ظل شبهات وتلبيسات مشايخ السوء ، وهذا بحد ذاته يحتاج برهة من الوقت ولو سويعات ؛هذا على أقل تقدير إذ أنتم لم تنتحلوه إلا بعد مدة من الدهر وطويل من البحث ، ولا يجادل في هذا إلا جاهل معاند ، فيلزمهم التسليم به .
وإذا جوّزتم الكفر ولو للحظات لأجل تعلم ذلك ، ولا بد لكم من هذا بعد أن جعلتموه شرطا للإسلام ؛ فقد جوّزتم الكفر بالله تعالى ؛ وقرّرتم أنه لا يصح إسلام أحد بعد بلوغه حتى يكفر بالله ، وصرتم كفارا بذلك ، وإلا فخلوا عنكم المغالاة بهذه القاعدة ، وتعالوا إلى تفصيل أهل العلم فيها .
أما نحن فنقول : أننا ولله الحمد لا نحتكم في ديننا إلا إلى الشرع ، والتكفير كما تقدم حكم شرعي لا يصح إلا بالأدلة الشرعية القطعية الدلالة .
وكما يقول أبو محمد ابن حزم ؛ أن من ظن أنه قد وقع من الدين على ما لم يقع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كاذب بل كافر بلا خلاف .
ومن المحال الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون قد غفل عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس شيئا من أصل دينهم أو مما لا يصح لأحد الإسلام إلا به ، ثم يتفق على إغفال ذلك أو يتعمد عدم ذكره جميع أصحابه من بعده ؛ حتى يتنبه إليه ويدلنا عليه هؤلاء الأشقياء !!!
ولذلك فإننا نقول أن كل شرط ليس في كتاب الله أو سنة نبيه عليه الصلاة والسلام فهو باطل ، وكل قاعدة أو أصل أو قول لم يستند إلى دليل من الشرع فهو رد على صاحبه ..
ولذلك لزم النظر في أصل هذه القاعدة ، وعلى أي دليل من الشرع تستند حتى نضبطها ونعرف حدودها ..
وقد كنت جمعت قديما في هذه القاعدة ، لما عم بلاؤها بين بعض الشباب المتهورين الضعفاء في العلم الشرعي ، وتتبعتها في عبارات العلماء ، لأعرف مَن أقدم من استعملها ؟ وكيف تعامل أهل العلم معها وعلى أي شيء ينزلونها .. ؟
فخرجت بهذه النتائج ..
أولا : وجدت استعمالها كان قديما ، وليس كما زعم البعض أنها من كيس شيخ الإسلام ابن تيمية ، تابعه عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب !!
نعم اشتهر عن شيخ الإسلام استعمالها وإليه وإلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعزوها أكثر من يستعملها ، لكن قد سبقهما فيها أئمة مشهورون غيرهم ؛بعضهم من القرون الأولى المفضلة .. ومنهم :
- سفيان بن عيينة ،أمير المؤمنين في الحديث (198هـ) قال رحمه الله تعالى: ( القرآن كلام الله عز وجل من قال مخلوق فهو كافر ، ومن شك في كفره فهو كافر )أهـ.رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في السنة رقم(25) بسند صحيح .
- وكذا نقل مثل هذا القول عن أبي خيثمة مصعب بن سعيد المصيفي كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ( 2/256) رقم (430) للإمام الحافظ أبي القاسم هبة الله اللالكائي (418هـ).
- وأيضا عن أبي بكر بن عياش المقريء ( 194هـ ) الثقة العابد ، فقد سئل كما في السنة للالكائي أيضا ( 2/250) رقم (412) عمن يقول القرآن مخلوق ؟ فقال : ( كافر ومن لم يقل إنه كافر فهو كافر ) وإسناده صحيح .
- وكذا سلمة بن شبيب النيسابوري ( 247هـ) محدث أهل مكة،قال ابن حجر في التهذيب (2/303): قال داود بن الحسين البيهقي ؛بلغني أن الحلواني (1) قال : لا أكفر من وقف في القرآن ، قال داود : فسألت سلمة بن شبيب عن الحلواني ،فقال :( يرمى في الحُش ،من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر ). وذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( 7/365) .
- وكذا أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي ( 264هـ) قال : ( من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة ، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر )
- وقال مثله تماما أيضا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (277هـ) وروى ذلك كله اللالكائي في السنة ( 2/176) .
* وتأمل قولهما : ( ممن يفهم ) ؛ فإنه مهم سأذكرك به فيما يأتي ..
فهذه الأقاويل هي أقدم ما وجدته في عبارات الأئمة والعلماء حول هذه القاعدة ، فهي من القرون الثلاثة المفضلة ، وليس الأمر كما وصفه بعض المتأخرين من أنها من عنديّات شيخ الإسلام ابن تيمية ،نعم شيخ الإسلام والشيخ محمد بن الوهاب وأولاده وأئمة الدعوة النجدية قد استخدموها وبعضهم أكثر من استخدامها وإليهم ينسبها من يسيء استخدامها من الغلاة ، لكنها ليست من تأصيلهم أو اختراعهم ، فليعلم هذا .
ثانيا : قد ظهر لي بعد التتبع والاستقراء لأقاويل أهل العلم أنهم إنما يذكرونها ويستعملونها لتأكيد مناقضة أنواع من الكفر للدين تطاير شرر فتنتها في أزمنتهم ، للعمل على استئصالها بترهيب الناس منها وتنفيرهم عنها وعن أهلها، فيكون ذلك من جنس نصوص الوعيد التي يجوز إطلاقها ؛ مع وجوب مراعاة النظر في الشروط والموانع عند تنزيلها على الأعيان ؛ كما في فتنة خلق القرآن والأمثلة السابفة من جنس هذا.
أو للتغليظ والتحذير من بعض أنواع الكفر الظاهرة التي يكون الامتناع من تكفير أصحابها فيه نوع تكذيب أو عناد صريح للشرع ، مثله مثل التوقف والامتناع من تكفير اليهود والنصارى الذين كفرهم الله تعالى بالنصوص المتواترة والمعروفة في دين المسلمين ضرورة ، ومن هذا ما سيأتي التمثيل به من كلام شيخ الإسلام في الإتحادية ..
ثالثا : ومن ثم فإن أصل هذه القاعدة ودليلها الذي ترتكز وتقوم عليه ، هو قوله تعالى : (( وما يجحد بأياتنا إلا الكافرون )) وقوله سبحانه : ((فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين )) ..
ونحوها من الأدلة الشرعية الدالة على كفر من كذّب بشيء ثابت من أخبار الشرع وأحكامه ..
ولذلك فإن القاضي عياض بعد أن نقل في الشفا (2/280-281) عن الجاحظ وثمامة زعمهم ؛ أن كثيرا من العامة والنساء والبله ومقلّدة اليهود والنصارى وغيرهم ؛ لا حجة لله عليهم ، إذ لم يكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال ، قال : ( وقد نحا الغزّالي قريبا من هذا المنحى في كتاب التفرقة ،وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى و اليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك ، قال القاضي أبو بكر : لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم فمن توقف في ذلك فقد كذّب النص والتوقيف أو شك فيه ، والتكذيب أو الشك فيه ، لا يقع إلا من كافر ) أهـ.
ومثل ذلك قوله (2/286) : ( ولهذا نُكفّر من لا يُكفّر من دان بغير ملّة المسلمين من الملل أو وقف فيهم أو شك أو صحّح مذهبهم(2)، وإن أظهر بعد ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه ، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك ) أهـ .
وإشارته بقوله : ( ولهذا ) كانت إلى قوله قبل ذلك : ( وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب ) أهـ.
- ولما كان ( التكذيب والجحد لا يكون إلا بعد المعرفة أو الاعتراف) دل على ذلك أدلة تكفير المكذبين نفسها كقوله تعالى : (( وما يجحد بأياتنا إلا الكافرون )) فإن الجحد إنما يذكر بعد مجيء الآيات وبلوغها ،وكذا قوله سبحانه : ((فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين )) .. وانظر في مثل هذا بدائع الفوائد لابن القيم (4/118) .
فعلم بذلك أن حقيقة هذه القاعدة وتفسيرها على النحو التالي : ( من لم يكفر كافرا بلغه نص الله تعالى القطعي الدلالة على تكفيره في الكتاب ، أو ثبت لديه نص الرسول صلى الله عليه وسلم على تكفيره بخبر قطعي الدلالة ؛ رغم توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه عنده ؛ فقد كذّب بنص الكتاب أو السنة الثابتة ومن كذب بذلك فقد كفر بالإجماع ) .
هذه هي حقيقة هذه القاعدة وهذا هو تفسيرها ، بعد النظر في أدلتها واستقراء استعمال العلماء لها ..(3)
وما لم يصرح ويعترف المرء بمعرفته للنص المكفر ورده له ، فلا يصح إلزامه بذلك ، ومن ثم تكفيره وفقا لهذه القاعدة ؛ فإن المسألة ساعتئذ تتحول إلى التكفير بالإلزام أو بالمآل وسيأتي في خطأ التكفير بالمآل أن لازم المذهب ليس بمذهب، إلا أن يكون صاحب المذهب عارفاً عالماً بلزومه لمذهبه فيصرّح بالتزامه… ومادام جاهلا بذلك اللازم أو غافلاً عنه لا يشعر به ولا يقصده ، فلا يلزمه، ولا يجوز إلزامه به بلا برهان.
- اللهم إلا أن يكون ذلك في الكفر الواضح الصريح الذي ثبت بالنص القاطع الصحيح ، وعلم ضرورة من دين المسلمين ككفر اليهود والنصارى ونحوهم أو ممن هم على ملة غير ملة الإسلام أو من هم شر من ذلك وهو يعرف حالهم.. بحيث يكون الممتنع عن تكفيرهم غالبا إما مكذب أو شاك بالنص الذي كفرهم الشرع به غير منقاد ولا مستسلم له ، لأن مثل ذلك النص لا يخفى حتى على اليهود والنصارى أنفسهم ؛ فضلا عن أن يخفى على أهل الإسلام ..
ومن كان كذلك فقد كفر بالإجماع ..
- أما من كان كفرهم كفر تأويل ، فامتنع من تكفيرهم لإشكال بعض أدلة الشرع عنده ، أو كان ذلك من الأبواب التي يعذر الجاهل فيها ، لأنها لا تعرف إلا من طريق الحجة الرسالية ، أو أنه رد نصا من نصوص الشرع لعدم علمه به ، أو عدم ثبوته عنده ، ونحوهم ممن لا يكفرون إلا بعد إقامة الحجة عليهم والتعريف والبيان ؛ فلا يجوز إطلاق هذه القاعدة فيمن أشكل عليه تكفيرهم ، أو توقّف فيه أو امتنع عنه ما داموا ممن عندهم أصل التوحيد ..
* ولذلك كان من فقه الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام (224هـ) في هذا الباب أنه قال في الجهمية : ( ما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم ، وإني لأستجهل من لا يكفرهم ، إلا من لا يعرف كفرهم ) أهـ . من فتاوى شيخ الإسلام ( 12/272).
* ويعزى قريب منه للإمام البخاري ( 256هـ) قال في (خلق أفعال العباد ) ص 19 رقم 35 : ( نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس ، فما رأيت أضل من كفرهم منهم { يعني الجهمية } وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم ) .
تأمّل : ولم يقل : وإني ( لأكفّر من لا يكفرهم ) ، ومع هذا استثنى من التجهيل ؛ من لم يكفرهم لعدم معرفته لكفرهم .
* أما الإمام أحمد فقد ورد عنه أيضا إطلاق الوعيد بهذه القاعدة في رسالته التي كتبها جوابا على رسالة مسدد بن مسرهد البصري التي سأله فيها عن الاختلاف في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء ؛ فجاء في جوابه عن القرآن قوله : ( فهو كلام الله غير مخلوق ، فمن قال : مخلوق ، فهو كافر بالله العظيم ، ومن لم يكفره فهو كافر . ) أهـ من طبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/315) .
وذكر عنه شيخ الإسلام في الفتاوى حول ذلك روايتان في سياق ذكر مذهبه في تكفير أهل الأهواء من القدرية والجهمية ونحوهم ، صحّح فيه أنه لم يكن يكفر بمثل هذه القاعدة ، فقال : ( وعنه في تكفير من لا يكفر ،روايتان أصحهما لا يكفر . ) أهـ . (12/260) ( ط.دار ابن حزم) .
ولعله يريد بذلك عدم تكفير أعيان من لم يكفروا الجهمية وأمثالهم ، لا مطلق الوعيد بالقاعدة فقد عرفت إطلاق أحمد واستعماله لها كما هو أعلاه .
ثم قال شيخ الإسلام : ( وربما جعل بعضهم الخلاف في تكفير من لم يكفر مطلقا وهو خطأ محض ) أهـ.
فكأنه يشير إلى أهمية التفصيل في هذا الباب – وهو مستقرٌ لدينا بعد تتبع هذه القاعدة على ما سترى ..
ولأجل أن أكثر من سمعته يطلق هذه القاعدة ويحتج بها من المبتدئين في طلب العلم أو الغلاة ؛ يعزونها عادة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أو الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومعلوم أن أكثر كتابات محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده واتباعه من أئمة الدعوة النجدية مردّ أكثرها – خصوصا في هذه الأبواب – إلى شيخ الإسلام ابن تيمية .
لأجل ذلك سأتناول من استعمالاته لهذه القاعدة ؛ مثالا تطبيقيا في توضيحها ، كما سأستعين ببيان بعض توضيحات أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكلام جدهم رحمه الله في هذا الباب .. لعل ذلك يجلّي الأمر ويزيده وضوحا .
• قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الفتاوى ( 2/83) وهو يتكلم على الاتحادية أهل وحدة الوجود : ( من قال ؛ أن عبّاد الأصنام لو تركوهم(4) لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء (5)، فهو أكفر من اليهود والنصارى . ومن لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى ، فإنّ اليهود والنصارى يُكفّرون عباد الأصنام ، فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام جاهلا من الحق بقدر ما ترك منها ؟ ) أهـ.
وذلك أن أهل الوحدة ، يقولون قبّحهم الله ، أن كل شيء هو الله ؛ فالأصنام عندهم من الله ، فمن ترك عبادتها فقد ترك شيئا من الحق ومن عبادة الله .. !!! .
ولذلك قال العلامة شرف الدين أبو محمد إسماعيل ابن أبي بكر المقري اليمني الشافعي رحمه الله تعالى في ردّه على أهل الحلول والاتحاد وبيان كفر ابن العربي المبثوث في فصوصه ، وذلك في منظومته الرائية التي سماها " الحجة الدامغة لرجال الفصوص الزائغة " : -
تجاسر فيها ابن العَرَابيّ واجترى لى الله فيما قال كل التجاسر
فقال : بأنّ الرب والعبد واحد فربي مربوب بغير تغاير
وأنكر تكليفا إذ العبد عنده إله وعبد فهو إنكار جائر
وقال يحل الحق في كل صورة تجلّى عليها فهي إحدى المظاهر
وما خُصّ بالإيمان فرعون وحده دى موته بل عمّ كل الكوافر
فكذِّبْه يا هذا تكن خير مؤمن وإلا فصدّقه تكن شرّ كافر
وأثنى على من لم يُجب نوحَ إذ دعا إلى ترك ودٍّ أو سواعٍ وناسر
وسمى جهولا من يطاوع أمره لى تركها قول الكفور المجاهر
ويثني على الأصنام خيرا ولا يرى لها عابدا ممن عصى أمر آمر
وهو ما ذكره شيخ الإسلام من قول الاتحادية ، أن عباد الأصنام لو تركوا عبادتها لكانوا جهالا بذلك .. إلى قوله :
فإن قلت دين ابن العرابي ديننا وتكفيره تكفيرنا فالتحاذر
أقل إنك الآن المُكَفَّر نفسه وأنت الذي ألقيتها في التهاتر
فذلك دين غير دين محمد وكفر لجوج في الضلالة ماهر
وهي أبيات متفرقة من قصيدته ؛ نقلا عن شرح نونية ابن القيم لأحمد بن عيسى (1/174) فصاعدا ، وقوله ( ابن العرابي ) هو ابن عربي الطائي ؛ صاحب ( فصوص الحكم ) ( 638هـ) وعُرِّف ومُدَّ هنا ، لضرورة الشعر وفي أبياته الثلاث الأخيرة إشارة إلى القاعدة التي نتكلم فيها أو قريب منها ..
فقد ذكر فيها كفر من استنكر تكفير ابن العربي ودان بدينه ..
وقد صرح بذلك وذكر القاعدة فيه في بعض تصانيفه ؛ كما قال الحافظ السخاوي في ( القول المُنبي عن ترجمة ابن العربي ) : (.. وقد قال ابن المقري في الردة من كتاب "الروض" مختصر" الروضة " ؛ من تردد في تكفير اليهود والنصارى وابن عربي وطائفته فهو كافر ) أهـ . نقلا عن شرح نونية ابن القيم (1/166) ، وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ( مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد ).
وهذا بناءا على ما بثّه ابن عربي في كتبه من المقالات الشنيعة والكفريات الصريحة ، نسأل الله السلامة والعافية ..
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا تكفير ابن عربي عن غير واحد من أهل العلم .. وقال : ( هذا وهو أقرب إلى الإسلام من ابن سبعين ومن القونوي والتلمساني وأمثاله من أتباعه ، فإذا كان الأقرب بهذا الكفر الذي هو أعظم من كفر اليهود والنصارى ؛ فكيف بالذين هم أبعد عن الإسلام ؟ ولم أصف عشر ما يذكرونه من الكفر ) أهـ مجموع الفتاوى (2/85) .
أما على ماذا مات الرجل فقد توقف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من فتاواه ، فقال (2/284) بعد أن ذكر أقاويل الاتحادية الكفرية .. : ( وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص . والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه ؟؟ ) أهـ . وانظر نحوها أيضا (2/91) ( ط دار ابن حزم ).
فتأمل قول شيخ الإسلام هذا ، مع كلامه السابق في ابن عربي ، فإنه يعرّفك بورع هؤلاء الأئمة الأعلام في حكم التكفير خصوصا عند الاحتمال أو عدم وضوح الخاتمة والمآل ..
ونرجع إلى نقولاتنا عنه في قاعدة ( من لم يكفر الكافر ) ..
• حيث قال بعد أن بيّن أن أهل الوحدة شرٌ في مقالتهم أن كل شيء هو الله ؛ وأخبث من النصارى الذين قالوا أن المسيح وحده هو الله..!! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
قال : ( ولهذا يقرّون اليهود والنصارى على ما هم عليه ، ويجعلونهم على حق ، كما يجعلون عبّاد الأصنام على حق ، وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر ، ومن كان محسنا للظن بهم ، وادعى أنه لا يعرف حالهم ، عُرّف حالهم ، فإن لم يباينهم ويُظهر لهم الإنكار ، وإلا ألحق بهم ، وجعل منهم . وأما من قال ؛ لكلامهم تأويل يوافق الشريعة ، فإنه من رؤوسهم وأئمتهم ، فإنه إن كان ذكيا فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله ، وإن كان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا فهو أكفر من النصارى ، فمن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلا ، كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد والله اعلم ) أهـ. (2/86) ( ط دار ابن حزم ).
وهذا رابط الكتاب
http://www.tawhed.ws/r?i=fmgd7w80