( الرد على منكري أحاديث البخاري )
للشيخ : ( محمد حسن عبد الغفار )
ابتلي الإسلام بأهل الأهواء الذين يطعنون في الأحاديث التي تخالف أهواءهم، ويشككون الناس في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، فلا نزال نسمع بين الفينة والأخرى من يطعن في أحاديث في البخاري أو في مسلم بلا حجة ولا برهان، بل بالتحكم والادعاء، وقد تصدى أهل الحديث لهؤلاء المنتحلين الجاهلين المبطلين، وردوا عليهم، ونسفوا شبههم، وبينوا تلبيساتهم، وحذروا الناس منها.
أهمية العلم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإننا نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن يرفع راية هذا الدين، وممن ينصر هذا الدين، وإن كنا في الدنيا غرباء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء)، الذين لا يستقيم أمر دنياهم أو دينهم في هذه الدنيا الدانية الدنية القصيرة، أو في الآخرة التي يمتد أمدها إلى مالا يعلمه إلا الله جل في علاه من الخلود الأبدي إلا بالعض بالنواجذ على هذا الدين، والتمسك بالوحيين: الكتاب والسنة، وتعلمها والعمل بما فيها. إن الله جل في علاه شحذ همة نبيه صلى الله عليه وسلم وحثه أن يدعوه بالاستزادة من العلم، لا من أمر الدنيا، حيث قال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]. وهذه المسألة إجابتها وخيمة، إنها تجعلنا نعتقد أنه لا استقامة لأمر ديننا ولا لدنيانا إلا بالعلم، فما نراه من اعوجاج في تطبيق شريعة الله جل في علاه، أو أي خسارة في أمر من أمور الدنيا أو الدين فسببها الجهل، فسفك الدماء الذي نراه في جميع المواسم قد يسمى جهاداً بسبب الجهل، والتجرؤ على من لا يتجرأ عليه ليس له سبب إلا الجهل، فهم يريدون أن يحسنوا ولا نشكك في النوايا، لكن كما قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه عندما قالوا له: يا أبا عبد الرحمن ! والله ما أردنا إلا الخير، فقال: وكم من مريد للخير لم يبلغه.
فلا بد للإنسان من نور الوحي يستضيء به، ولو أراد أن يبيع نفسه لله جل في علاه فليرفع صوته ويبين للناس أنه مثلاً يريد أن يجاهد في سبيل الله، أو يريد أن ينفق في سبيل الله، أو يتقدم لأي عبادة في سبيل الله جل في علاه، ولكن لا بد من بينة من الكتاب أو من السنة، فلا بد أن يذكر بعضنا بعضاً بأهمية العلم، ثم بعد ذلك نجيب على سؤال: ماذا لو ترأس الجهلاء؟ إن الدنيا الآن أصبحت أبواباً لأناس لم يتعلموا العلم، ولم يبلغوا أن يكونوا أنصافاً من أهل العلم، فلما ترأسوا الناس رأينا التشويش على السنن، والضرب في كبد الحقيقة يزينوها في طرق الناس ويحسبون بذلك أنهم يحسنون صنعاً، وييسرون على الناس ما هو شاق في نظرهم، وإذا محصت النظر وجدتهم أقل ما يقال فيهم: إنهم جهلاء سئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
إن الله جل في علاه أشهد أشرف الخلق على الإطلاق -وهم باقة الله- على أشرف مشهود، ألا وهو: توحيد الله جل في علاه، إذ التوحيد هو أشرف ما في الوجود، قال الله تعالى: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ ))[آل عمران:18]، فشهد الله والملائكة على توحيده، ومعلوم أن الله جل وعلا إذا استشهد لا يستشهد إلا الأفاضل..
الأماجد..
الأكارم، فاستشهد أشرف الخلق، والذين خلقوا من النور، وهم الملائكة، فقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران:18]، فثنى بأولي العلم تنبيهاًَ على درجتهم، وتشريفاً لمكانتهم وعظم فضلهم، وأيضاً تنبيهاً على أنهم في مكانة أو شرف الملائكة، وبين الله جل في علاه أن أهل العلم هم رءوس الناس، وأرفعهم منزلة عنده، فقال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، وقال: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]. قال السعدي : هنا يبين الله جل في علاه أن أهل العلم ليسوا بكثرة، بل هم طائفة قليلة فعلى المرء أن يتق الله ربه ويحفظ للعلم مكانته، ويعلم أن لأهل العلم فضلهم وأنهم نور تضاء به الطريق، وأنه بإتباعهم يعبد الله جل في علاه حق عبادته. فالله جل في علاه بين أن هذه الطائفة لا بد أن تجتهد فتحمل عن الأمة فرض الكفاية، وهو علم الوحيين: الكتاب والسنة. وأيضاً: إن الله جل في علاه بين أن أكرم الخلق عليه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عندما قال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72]، يبين بهذا فضله وعظم مكانته. وبين صلى الله عليه وسلم أن كل عالم لا فرق بينه وبين النبي إلا درجة النبوة، فقال: (العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن يريد الله به خيراً فيفقه في الدين، فعن معاوية رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). فالفقه في الدين أفضل العبادات التي يتقرب بها المرء لله جل في علاه، وقد قال ابن عباس -مبيناً فضل الفقه في الدين- ضمني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل). وأيضاً: يقول ابن عباس : أنا من الراسخين في العلم، أنا أعلم تأويله.
وإذا كان الأصل في العطف المغايرة فالفرق بين قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقهه في الدين) وبين قوله: (وعلمه التأويل) أن الفقه في الدين هو معرفة المسائل بدليلها، وعلم التأويل هو إسقاط هذا الدليل على الواقعة، وهذا هو دقة الفقه، أو فوق الفقه، ولذلك لما سئل بعض العلماء عند موته: من تخلف لنا من العلماء؟ قال: العلماء كثيرون، ولكن أين العالم الفقيه؟ بمعنى: أين العالم الذي تفقه ثم علم التأويل فأسقط الأدلة على الوقائع، وهذا معنى قول ابن رشد في بداية المجتهد: بائع الخفاف ليس كصانع الخفاف؛ لأن صانع الخفاف أعطاه الله الفقه والتأويل، وبائع الخفاف إما أن يكون مقلداً وإما أن يكون قد تعلم الفقه فقط وفي كلٍ خير. وقد قيل: إن نصف العلم لا أدري، وهذه التي لا يقوى عليها أحد.
كان عبد الله بن المبارك و أحمد بن حنبل و مالك وغيرهم من العلماء يقولون: من أدب المعلم أن يعلم التلاميذ أن يقولوا: لا أدري، هذا أصل في التعليم، وأول باب التعليم أن يقول: لا أدري، وهذا ابن عمر عندما يسأله سائل يأخذ على يده ويقبض عليها ثم يقول: لا أدري، فإذا سأله الثانية أخذ على يده ففركها وقال: لا أدري، وفي الثالثة يقول: الحمد لله الذي وفق ابن عمر أن يقول: لا أدري فيما لا يعرف، وهذا هو الحق فطالب العلم إن كان لا يدري فليقل: لا أدري، وإن كان يدري لا بد أن يقول: أدري ويبين.
وقد قسم علي وابن مسعود وغيرهم من العلماء الناس إلى أصناف.
فضل العلم
إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جلس بين أصحابه بين لهم الفرق بين العالم الذي تفرغ لطلب العلم وانشغل بالوحيين، والعابد الزاهد الذي طال قيامه، وكثر صومه، وكثرت صدقاته، فقال صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم). وشتان بين القمر وسائر الكواكب، وهذا مما يشحذ الهمم لطلب العلم، فلو غاب أهل العلم فلا بد أن يخرج لنا أناس جهال، فيفتون الناس بغير علم، فيضلون ويضلون، وكما نرى أن الجهاد في سبيل الله والذي هو أشرف ما يكون، ضوابطه الشرعية مغيبة فتسفك دماء بريئة وتكون المفسدة فيه أعظم من المصلحة، وكثير من الجهلة يكفرون الناس البريئة لأنه غاب عنهم أمر العلم.
والذي يحج أو يصلي أو يزكي وقد غاب عن العلم فإنه يفسد أكثر مما يصلح. إذا غاب العلماء وانتشر الجهل فإن ذلك دليل على أن القيامة قد قربت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويظهر الجهل، وإن الله جل وعلا لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، أو قال: لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسألوهم فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). وبعد أن تذهب الدنيا يستحق النار كل من تجبر، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة) وذكر منهم قاضياً قضى بغير علم فهو في النار، وإن قضى بالحق وأصاب الحق؛ لأنه أفتى بغير علم وتجرأ على الله جل في علاه، ووقع تحت قول الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116]. ونتائج ذلك كثيرة، منها: أولاً: تضليل الناس لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). ومنها: انتشار الجهل ووضع الشيء في غير موضعه، ففي السفر مثلاً: من السنة أن يؤمر المسافرون أحدهم ليرجع إليه في بعض الأمور، ولكن بعض الذين يترأسون لا يستبصرون بنود الشرع، فيفسدون أكثر مما يصلحون، ويغلبون العاطفة على الحكمة، ويضعون الشيء في غير موضعه؛ بسبب جهلهم، وقد يصاب الناس جميعاً بما لا يحمد عقباه بعد ذلك؛ لأنهم وضع عليهم من لا أهل له في أن يسير الناس على ما يرضي الله جل في علاه. وهكذا فكثيراً من الناس يتأمرون وليسوا أهلاً للإمارة، وقد ورد حديث في مسند أحمد وإن كان فيه ضعف -أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من ارتقى إلى منصب أو مكانة وغيره أولى منه فقد أسخط الله. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتخذ الناس رءوساً جهالاً) يتحقق في الذين يتصدرون ولا يعرفون عن دين الله شيئاً، أو يعرفون عن دين الله أشياء لكنهم تركوا الأصول وهي: الكتاب والسنة.
|