والجواب : نقول : صحيح أنه كان هناك وضاعون وكذابون لفَّقوا أقوالاً ، ونسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة التي تخيلها أصحاب هذه الشبهة ، وأثاروا بها الوساوس في النفوس ، وقد جهلوا أو تجاهلوا الحقائق التي سادت الحياة الإسلامية فيما يتعلق بالسنة النبوية ، فقد كان إلى جانب ذلك عدد وفير من الرواة الثقات المتقنين العدول ، وعدد وفير من العلماء الذين أحاطوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسياج قوي يعسر على الأفاكين اختراقه ، واستطاع هؤلاء المحدِّثون بسعة اطلاعهم ، ونفاذ بصيرتهم أن يعرفوا الوضاعين ، وأن يقفوا على نواياهم ودوافعهم ، وأن يضعوا أيديهم على كل ما نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الوضع والكذب فهؤلاء الوضاعون لم يترك لهم الحبل على الغارب يعبثون في الحديث النبوي كما يشاؤون ، ولم يترك لهم المجال لأن يندسوا بين رواة الأحاديث النبوية الثقات العدول دون أن يعرفوا .
وإلا فمَنْ إذن الذي كشف كذب الكفرة والزنادقة وغلاة المبتدعين ؟ ومَنِ الذي عرَّف بالموضوع ، وبأسبابه ، وبأصنافه ، وبعلاماته ، وصنف فيه المصنفات المتعددة ؟ إنهم حراس الدين خلفاء الله وجنوده في أرضه ، إنهم الجهابذة الذين قال فيهم هارون الرشيد لما أخذ زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق : لِمَ تضرب عنقي ؟ قال : لأريح العباد منك ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أين أنت من ألف حديث وفي رواية أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم ، أحرِّم فيها الحلال ، وأحلل فيها الحرام ، ما قال النبي منها حرفاً ؟ فقال له هارون الرشيد : أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري و عبد الله بن المبارك ؟ فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً [39] .
يقول الأستاذ محمد أسد : « فوجود الأحاديث الموضوعة إذن لا يمكن أن يكون دليلاً على ضعف نظام الحديث في مجموعه ؛ لأن تلك الأحاديث الموضوعة لم تَخْفَ قط على المحدثين كما يزعم بعض النقاد الأوروبيين عن سذاجة ، وتابعهم على ذلك بعض أدعياء من أبناء أمتنا الإسلامية » [40] .
ونختم هذه الشبهة بما ذكره الإمام ابن قيم الجوزية : قال الإمام أبو المظفر السمعاني : « فإن قالوا : قد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلطت عليهم ، قلنا : ما اختلطت إلا على الجاهلين بها ، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهمَ ، والدنانيرَ ، فيميزون زيوفها ويأخذون خيارها ، ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث ، ورواته العلماء حتى إنهم عدُّوا أغاليط من غلط في الإسناد والمتون ، بل تراهم يعدون على كل واحد منهم كم في حديث غلط ، وفي كل حرف حرَّف ، وماذا صحَّف ، فإن لم تَرُجْ عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة ، وتوليهم الأحاديث التي يرويها الناس حتى خفيت على أهلها ؟ وهو قول بعض الملاحدة ، وما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذاب يريد أن يهجِّن بهذه الدعوة الكاذبة صحاح أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وآثاره الصادقة ، فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى ، وما احتج مبتدع في رد آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة أوهن ولا أشد استحالة من هذه الحجة ؛ فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يُسَفَّ في فِيهِ ، ويُنفى من بلد الإسلام » [41] .
دراسات في الشريعة والعقيدة
شبهات حول حجية السنة النبوية
ومكانتها التشريعية والرد عليها
د . عماد الشربيني
(1)
انظر : الأم ، للإمام الشافعي ، 7/250 .
(2) مجلة المنار ، 9/907 .
(3) أضواء على السنة ، ص 404 .
(4) كتاب الصلاة في القرآن ، ص 22 .
(5) البيان بالقرآن ، 1/29 .
(6) كتاب الصلاة في القرآن ، ص 32 ، 60 ، 61 ، وكتاب لماذا القرآن ، ص 10 .
(7) إعادة تقييم الحديث ، ص 86 .
(8) السنة ودورها في الفقه الجديد ، ص 32 .
(9) قرآن أم حديث ، ص 6 ، والقرآن والحديث والإسلام ، ص 32 .
(10) تبصير الأمة بحقيقة السنة ، ص 11 .
(11) أخرجه مسلم ، 8/452 ، رقم 2653 .
(12) تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، 2/131 ، وفتح القدير ، 3/61 .
(13) إسماعيل منصور ، تبصير الأمة بحقيقة السنة ، ص 663 .
(14) مجلة المنار ، المجلد 9/911 3/9 .
(15) تبصير الأمة بحقيقة السنة ، ص 23 .
(16) السنة ودورها في الفقه الجديد ، ص 33 .
(17) مقام الحديث ، ص 6 ، 18 .
(18) مقالاته عن الشفاعة المنشورة بجريدة الأهرام ، 1/5/1999م ، 15/5/1999م .
(19) تبصير الأمة بحقيقة السنة ، ص 260 .
(20) تبصير الأمة بحقيقة السنة ، ص 258 ، 288 ، 289 .
(21) مفتاح الجنة ، ص 13 ، 14 .
(22) السنة ودورها في الفقه الجديد ، ص 254 .
(23) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم ، 2/190 ، 191 .
(24) إرشاد الفحول للشوكاني ، 2/369 ، والمحصول في أصول الفقه للرازي ، 2/434 .
(25) الاعتصام باب في مأخذ أهل البدع بالاستدلال ، 1/200 .
(26) أخرجه الشيخان : البخاري ، 6/447 ، رقم 3358 ، ومسلم ، 8/134 ، رقم 2271 .
(27) الأضواء القرآنية ، 1/35 .
(28) دليل المسلم الحزين ، ص 45 .
(29) فجر الإسلام ، ص 210 ، 211 .
(30) نحو تطوير التشريع الإسلامي ، ص 44 .
(31) حقيقة الحجاب ، ص 84 .
(32) الخدعة رحلتي من السنة إلى الشيعة ، ص 97 .
(33) السلطة في الإسلام ، ص 236 .
(34) الإمام الشافعي ، ص 97 .
(35) تأملات في الحديث ، ص 131 .
(36) دراسات محمدية ، ص 489 .
(37) دراسة الكتب المقدسة ، ص 13 .
(38) خمسون ومائة صحابي مختلق ، 1/50 .
(39) انظر : تذكرة الحفاظ للذهبي ، 1/273 ، وتاريخ الخلفاء ، للسيوطي ، ص 174 .
(40) الإسلام على مفترق الطرق ، ص 96 .
(41) مختصر الصواعق المرسلة ، 2/561 .
منقول
|