الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن
1. الدفع الأول : اثبتوا دعواكم من القرآن الكريم
إذا كان فهم المتشككين لآيات الله تعالى صحيحا، وأن القرآن لم يفرط في شيء، وفيه تبيان كل شيء، فعليهم إثبات دعواهم بالاكتفاء بالقرآن ونبذ السنة من القرآن الكريم، هذا هو المصحف، فأين الآيات التي تأمرنا بالاكتفاء بالقرآن؟ وتطالبنا في نفس الوقت بنبذ سنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه. ومطلبنا هذا تعلمناه من القرآن الكريم، في قوله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)4 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: البينة على من ادعى. [ (تخريج 2) ] .
2. الدفع الثاني: القرآن والسنة من مشكاة واحدة
* القرآن الكريم كلام الله القديم، نزل به جبريل جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل منجما على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله سبحانه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)5 ، فالنبي المعصوم لا ينطق إلا بوحي من رب السماء والأرض.
* نعم السنة كلام النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، ولكنه لا يتصرف من نفسه وهواه، وإنما هي وحي من الله تعالى، ينزل بها أمين الوحي جبريل عليه السلام، والمطلع على كتب السنة والسيرة يرى جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف كثيرة – يصعب استقصاؤها - لبيان أحكام أو إظهار حقائق خافية يستند إليها الحكم الإلهي، وفي الحديث الشريف الذي يرويه أبو هريرة أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقا" [ (تخريج 3) ] .
* إن الرسالة الخاتمة لابد أن تكون محفوظة حتى تصل إلى الناس مهما طال الزمن، ويخطئ كثير من الناس حين يظن أن الحق تبارك وتعالى تكفل بحفظ القرآن الكريم وحده، لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)،6 ولو كان المراد حفظ القرآن فقط لجاءت الآية قاطعة بذلك: فتقول مثلا: نزلنا القرآن وإنا له لحافظون، فاختيار لفظ الذكر بدلا من القرآن له حكمة عظيمة، فالذكر هو البلاغ والبيان عن الله، أي القرآن والسنة، وأبرز صور الحفظ هي: حفظ القرآن الكريم بالحفظ المباشر من الله تبارك وتعالى، وحفظ السنة بانتداب علماءها لوضع ضوابط وأسس تميز الصحيح من المكذوب المفترى على النبي صلى الله عليه وسلم
* لابد أن يشمل حفظ الله لهذا الدين حفظ السنة أيضا، لأن السنة تبين القرآن الكريم، كما أشارت إلى ذلك سورة النحل، وهذا الأمر محل إجماع أهل السنة، فكيف يُحفظ المبيَّن وهو القرآن الكريم، ويترك المبيِّن وهي السنة مع أننا لن نتمكن من فهم القرآن الكريم إلا في ضوء بيان السنة المطهرة.
* تعرض السنة لمحاولات الوضع وغيره، لا تعني أنها غير محفوظة، بل إن هذا الهجوم الشرس على السنة هو من أقوى الأدلة على حفظها، وذلك أن الحفظ الإلهي للسنة لم يكن يظهر لو لم تتعرض لهذا الهجوم الشديد، حتى تظهر عناية الله لها بأن هيأ لها وسائل الحفظ المعروفة عند العلماء، بل إن القرآن الكريم تعرض وما زال لمحاولات التبديل والتغيير، ولكن الله عاصمه، وعاصم نبيه، وكاشف كيد المبطلين، ونظير ذلك قوله تعالى لنبيه والله يعصمك من الناس، ومع ذلك فقد تعرض لمحاولات القتل والاعتداء كما في بني النضير، وفي قصة الشاة المسمومة، فتلك العصمة لم تظهر لنا بصورة واضحة جلية إلا مع تلك المحاولات.
|