إن الذين يعتبرون أن اختلاف رسم بعض كلمات القرآن المتداولة في البلاد العربية والأفريقية دليل على عدم تعهد الله تعالى بحفظ كتابه، مما أتاح لأعداء كتاب الله أن يدخلوا فيه ما ليس منه من قراءات شاذة وغيرها من مرويات البشر، أقول لهم :
إن كتاب الله تعالى الذي بين أيدينا اليوم لا يحتاج لإثبات حجيته وبيان حفظ الله تعالى له إلى كل هذا التراث المذهبي. فإمكانيات التثبت من حفظ الله تعالى لهذا القرآن، وأنه حقا كلام الله يقينا متاحة لنا اليوم، دون الاعتماد على تراث السلف أو على مرجعيتهم الروائية، ودليل ذلك : وجود آية التحدي في كتاب الله تعالى ذاته وعدم تحريفها :
"
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله أن كنتم صادقين " . وآية التعهد الإلهي بحفظ كتابه :
" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ". وفاعلية هذا الإعجاز، وهذا التحدي في عالمي الإنس والجن إلي يومنا هذا : "
قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " .
إن حفظ الله تعالى لكتابه حق ثابت مجزوم به، ومن آليات هذا الحفظ :
لقد قامت إسرائيل في أواخر عام 1960م بطبع مائة ألف نسخة محرفة من القرآن الكريم ووزعتها على كثير من البلدان العربية، ووفق آليات حفظ الله تعالى لكتابه اكتشف هذا التحريف، وجمعت هذه المصاحف وأحرقت جميعها. وعلى أثر ذلك افتتحت إذاعة القرآن الكريم بمصر عام 1961م لتبث القرآن الكريم على مدار الأربع والعشرين ساعة.
إن حفظ الله تعالى لكتابه حق ثابت مجزوم به ، يقول الله تعالى :
الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)البقرة
ألا يحمل هذا النص تعهدا من الله تعالى بعدم تحريف كتابه ليكون كله (وليس فقط بعضه) هدى للمتقين؟! ألا يحمل هذا النص نفي الريب مطلقا بتعظيم ذلك النفي بأسلوب التحدي : " ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ "؟ وإذا كان الكتاب كله هدى لكل من اتقي الله، فكيف لا يحفظ الله تعالى كل آية فيه لكل تقي إلى قيام الساعة؟!
يقول الله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)البقرة
وإذا كان الله تعالى تحدي العرب فقال لهم : " فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا" فهل كان قوله تعالى : " وَلَنْ تَفْعَلُوا" يشمل الناس جميعا إلي يوم الدين أم كان يخص فقط العرب في عصر الرسالة؟ وإذا كان هذا التحدي ، الدال على صدق الرسول فيما بلغ عن الله، يشمل الناس جميعا إلي يوم الدين ، ألا يستوجب ذلك حفظ الله تعالى هذا البلاغ ، موضوع التحدي، ليكون حجة على الناس جميعا إلي يوم الدين؟
وإذا كان هذا التحدي يشمل آيات القرآن كلها : فأتوا بسورة من مثله ألا يعني هذا حفظ الله تعالى لجميع آيات القرآن الكريم وليس فقط لجزء منها
لذلك فإن مسألة الاختلاف في قراءات بعض حروف الآيات القرآنية ، بين مصاحف اللاد العربية اليوم، اختلاف لا يقدح في فاعلية هذا التحدي، وتعهد الله تعالى بحفظ كتابه كما بينت ذلك من قبل. ولقد اندثرت معظم هذه اللهجات، فاندثرت القراءات ولم يبق منها إلا ما هو متداول اليوم .
إن حفظ الله تعالى لكتابه حق ثابت مجزوم به. فإذا قال الله تعالى :
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)المائدة
فهل عصمة رسول الله من الناس، والتي هي من أجل تبليغ رسالة الله للعالمين كاملة غير منقوصة ولا محرفة، كانت فقط في حدود عصر الرسالة، ثم تخلى الله تعالى عن هذه العصمة، أي التعهد بحفظ كتابه، بعد وفاة الرسول وترك رسالته للرواة والقراء يبدلون ويحرفون، بدعوى أن القرآن أنزل على سبعة أحرف فليقرأ كل منهم بأي حرف يختاره؟!! فإذا بحثنا عن هذه الأحرف وجدنا أنفسنا وسط أمواج من الخلافات والأختلافات المذهبية!!
وإذا قال الله تعالى :
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)البقرة
فهل المقصود بقوله تعالى " الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ" شمول هداية القرآن لكل آياته أم لبعضها فقط؟!!. وإذا كانت تشمل كل آياته، ألا يعني ذلك في الوقت نفسه شمول حفظ الله تعالى لكل آياته لتكون دوما مصدر الهداية للناس إلي يوم الدين؟
وإذا قال الله تعالى :
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)آل عمران
ألا يعني عدم حفظ الله تعالى لكل آية من آيات كتابه الحكيم عدم حفظه سبحانه وتعالى لمصدر الربانية، التي أمر الناس أن يتصفوا بها، وذلك بتعليم هذه الآيات ودراستها؟ فهل يمكن أن يأمر الله تعالى الناس بشيء وهم لا يستطيعون الوصول إليه لتحريفه وضياعه بينهم؟!!!!!.. وإذا قال الله تعالى :
) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)المائدة
فهل يعقل أن يخبرنا الله تعالى بهيمنة القرآن على كل الكتب السابقة ثم يتركه بين المسلمين من غير حفظ منه عز وجل، ليحرفوه وفق عقائدهم ومذاهبهم المختلفة، كما حرف أهل الكتب السابقة كتبهم؟!!.. ثم هل يعقل أن يأمر الله تعالى الناس بالتحاكم إلي كتابه وما احتواه من شريعة خاتمة، ثم لا يحفظ لهم أحكام هذه الشريعة كلمة كلمة ليأتي صاحب هوى، فيحرف هذه الأحكام وفق هواه؟!!.. ألم يكن باستطاعة أعداء الإسلام أن يحرفوا العديد من الآيات الخاصة بالعقيدة والشريعة، فيحرفوا قول الله تعالى "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" ليكون "السارق والسارقة (فلا) تقطعوا أيديهما"؟!!.
وإذا قال الله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)المائدة
فإن فاعلية تعهد الله تعالى بحفظ كتابه يجب أن تكون قائمة إلي يوم الدين. لأنه لا يعقل يوم يأتي الله تعالى، في يوم من الأيام، بهؤلاء القوم المؤمنين، فإذا بهم يجدون هذا القرآن، الذي هو منهج هدايتهم قد حرف؟!!.
وإذا قال الله تعالى :
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)الأعراف
فهل يمكن أن يحتوي هذا القرآن على ما ليس بقرآن، أي كلام بشر فيتساوى عندئذ كلام البشر هذا مع كلام الله عز وجل في وجوب الاستماع له والإنصات بغية تلقي الرحمة الإلهية؟!!.. وإذا قال الله تعالى :
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)يونس
فهل المقصود بـ "هذا القرآن" هيكل جميع الكلمات القرآنية كلها، آي البناء القرآني من فاتحة الكتاب إلي سورة الناس، أم المقصود جزء منها فقط هو الذي تعهد الله تعالى بحفظه، وترك الباقي للقراء يدلي كل فيه بدلوه؟ فإذا كان المقصود هو هيكل الكلماات القرآنية كلها، إذا يجب أن يشملها الحفظ الإلهي أيضا كلها وذلك لتتحقق فاعلية التحدي، أن يأتوا بسورة من مثله ، إلي قيام الساعة. ثم ألا يعني قوله تعالى "لا ريب فيه" نفي أي نسبة شك في قرآنية هذا الكتاب، أي في قراءته التي تلاها رسول الله ودونها في حياته وأخذها عنه صحابته، فوصلت إلينا اليوم عبر منظومة التواصل المعرفي محفوظة بحفظ الله تعالى لها، دون أدني ريب فيها؟... وإذا قال الله تعالى :
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)هود
ألا يعني إحكام آيات الكتاب إحكام هيكل كلماته المكونة لها، وإتقانها وسلامتها من أي خلل فيها، وحفظها إلى يوم الدين؟ وهل يمكن أن نقول إن هذا الإحكام قام على غلبة الظن، وليس على اليقين، ويظل وصف الله تعالى لآيات كتابه بالإحكام قائما؟ ألا يعني قيام آيات هذا القرآن على غلبة الظن، وجود نسبة من الشك فيه وبالتالي نزع قدسيته من قلوب المؤمنين... وإذا قال الله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)هود
ألا تعني أداة الحصر " أَنَّمَا أُنْزِلَ" أن الله تعالى وحده هو الكفيل بأن ينزل هذا القرآن على النحو الذي نزل به، وفق علمه وحكمته، وعلى هذا فلا يعقل أن يتعرض هذا القرآن ، المنزل بعلم الله تعالى لهداية الناس إلي قيام الساعة إلي تحريف أو تبديل .
وإذا قال الله تعالى :
المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1)الرعد
وإذا قال الله تعالى :
الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1)الحجر
فهل هذا الحق المنزل والمقصود به " آَيَاتُ الْكِتَابِ" يمكن أن يتغير بعد وفاة رسول الله،صلي الله عليه وسلم، من حق مجزوم به إلي ظن راجح لا يصل إلى درجة اليقين؟!!. آي هل يمكن أن تتساوى آيات الكتاب الحكيم، في حجية ثبوتها عن الله تعالى مع الظنية التي لحقت بثبوت الأحاديث المنسوبة إلي رسول الله ؟!!!!!!
وهل موضوع هذا "الحق المنزل" على الرسول، يمكن أن تروي آياته بالمعني كمرويات الأحاديث، أم هو هيكل كلمات هذه الآيات التي لا توصف بأنها قرآنية إلا إذا كانت قد قرئت ودونت كما أنزلت على رسول الله دون أي تحريف؟
وتدبر قول الله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)الإسراء
فهل هذا التحدي الإلهي للإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، موضوعه هو هذا القرآن الموجود بين أيدينا اليوم، أم إنه تحداهم أن يأتوا بمثل قرآن آخر كان محفوظا فقط في عصر الرسالة ثم حرف بعد ذلك عن طريق القراء، أم تحداهم عز وجل أن يأتوا بقرآن مروى بالمعني؟!!. وإذا كان موضوع التحدي هو القرآن الذي أنزل على رسول الله محمد، صلي الله عليه وسلم، والمخاطب به الأنس والجن إلي قيام الساعة ألا يعني هذا ضرورة حفظ الله تعالى هذا القرآن، ليكون آيته وحجته على العالمين إلي يوم الدين
وقوله تعالى :
وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)الأنبياء
وقوله تعالى :
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)ص
لقد وصف الله تعالى كتابه بالذكر المبارك. فهل هذه البركة تشمله كله أم تشمل بعضه فقط ؟!!. وإذا كانت تشمل بعضه فقط،، وذلك لتحريف البعض الآخر فكيف إذا يستطيع المسلم أن يتعرف اليوم على هذا البعض المبارك الذي لا يحل له إنكاره ؟!!.
وقوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28)التكوير
وقوله تعالى :
بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)البروج
إن كلمة قرآن مصدر قرأ وهو من القراءة. والقراءة الموثقة يجب ألا تخالف الأصل المقروء . فالقراءات القرآنية لا تسمي بقرآنية إلا إذا وافقت الأصل المدون في حياة الرسول،صلي الله عليه وسلم، والذي لا يخالف ما نطق به وخرج على لسانه، وحفظه الله تعالى في الدنيا كحفظه له في اللوح المحفوظ . لأنه لا يعقل أن يحفظ الله تعالى القرآن مدونا في لوح علوي من أي تحريف او عبث بآياته ، ثم يتركه للناس في الدنيا من غير حفظ، وهي دار الابتلاء والاختبار والعمل ؟!!.
فإذا أضفنا إلي ما سبق بيانه، من بعض البراهين والأدلة على فاعلية تعهد الله تعالى بحفظ كتابه، قوله عز وجل :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)الحجر
يتبين لنا أن علم القراءات هذا ، الذي قام على مدرسة "قال الراوي" ما هو إلا اجتهادات بشرية حكمتها ثقافة "القراء" الروائية التي كانت منتشرة في عصورهم. ودليل ذلك عدم وجود مدونة في هذا العلم دونت قبل عصر التدوين مثلها مثل مدونات علم الحديث. وتذكر مراجع القراءات أن أول من اشتغل بجمع القراءات هو الإمام أبو عبيد، القاسم بن سلام 222هـ ، والغريب أنه لم يدرج في قائمة القراء العشرة وكان معاصرا لأئمة القراءة الكبار . بل عن تسمية القراءات السبع لم تظهر إلا على يد ابن الجزري (ت 833 هـ)
هذه أدلة الله تعالى على حفظ كتابه دون تدخل بشري في ذلك أو تدخل علماء جرح وتعديل لإعادة الآيات إلي أصلها
تحياتي وأعتزر عن طول الرد ، ولكنه كان من الضروري الدخول إلي أعماق الموضوع
أنتهي ردى وأنتظر رأيك ورأي المتابعين
إن شاء الله