عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2014-01-13, 09:09 PM
المدرسي المدرسي غير متواجد حالياً
عضو جديد بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2014-01-13
المشاركات: 30
افتراضي هل الاستعانة بغير الله شرك؟ دعونا نتناقش بما آمر ديننا

[CENTER]إن الاستعانة بغير الله يمكن أن يتحقق بصورتين:

١ - أن نستعين بعامل - سواء أكان طبيعياً أم غير طبيعي - مع الاعتقاد بأن عمله مستند إلى الله، بمعنى: أنه قادر على أن يعين العباد ويزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من الله وإذنه.

وهذا النوع من الاستعانة - في الحقيقة - لا ينفك عن الاستعانة بالله ذاته، لأنه ينطوي على الاعتراف بأنه هو الذي منح تلك العوامل ذلك الأثر وأذن به وإن شاء سلبها وجردها منه.

فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الأرض، فقد استعان بالله - في الحقيقة - لأنه تعالى هو الذي منح هذه العوامل: القدرة على إنماء ما أودع في بطن الأرض من بذر ومن ثم إنباته والوصول به إلى حد الكمال.

٢ - وإذا استعان بإنسان أو عامل طبيعي أو غير طبيعي مع الاعتقاد بأنه مستقل في وجوده، أو في فعله عن الله فلا شك أن ذاك الاعتقاد يصير شركاً والاستعانة في هذه الحالة عبادة للاعتقاد بالألوهية فيه.

فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة وهو يعتقد بأنها مستقلة في تأثيرها، أو أنها مستقلة في وجودها ومادتها كما في فعلها وقدرتها، فالاعتقاد شرك والطلب عبادة.

[ مع مؤلف المنار في تفسير حصر الاستعانة ]:

إن مؤلف المنار تصور أن حد التوحيد هو: أن نستعين بقدرتنا ونتعاون فيما بيننا - في الدرجة الأولى - ثم نفوض بقية الأمر إلى الله القادر على كل شئ، ونطلب منه - لا من سواه - ويقول في ذلك: " يجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل لإتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة وأن نتعاون، ويساعد بعضنا بعضا، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شئ ونلجأ إليه وحده، ونطلب المعونة للعمل والموصل لثمرته منه سبحانه دون سواه " (١).

إذ صحيح أننا يجب أن نستفيد من قدرتنا، أو من العوامل الطبيعية المادية ولكن يجب بالضرورة أن لا نعتقد لها بأية أصالة وغنى واستقلال وإلا خرجنا عن حدود التوحيد.

فإذا اعتقد أحد بأن هناك - مضافاً إلى العوامل والقوى الطبيعية - سلسلة من العلل غير الطبيعية التي تكون جميعها من عباد الله الأبرار الذين يمكنهم تقديم العون (٢) لمن استعان بهم تحت شروط خاصة وبإذن الله وإجازته دون أن يكون لهم أي استقلال لا في وجودهم ولا في أثرهم، فإن هذا الفرد لو استعان بهذه القوى غير الطبيعية مع الاعتقاد المذكور - لا تكون استعانته عملا صحيحا فحسب بل تكون - بنحو من الأنحاء - استعانة بالله ذاته كما لا يكون بين هذين النوعين من الاستعانة (الاستعانة بالعوامل الطبيعية والاستعانة بعباد الله الأبرار) أي فرق مطلقا.

فإذا كانت الاستعانة بالعباد الصالحين - على النحو المذكور - شركاً لزم أن تكون الاستعانة في صورتها الأولى هي أيضا معدودة في دائرة الشرك، والتفريق بين (الاستعانة بالعوامل الطبيعية) و (الاستعانة بغيرها) إذا كانتا على وزانٍ واحد وعلى نحو الاستمداد من قدرة الله وبإذنه ومشيئته، بكونها موافقة للتوحيد في أولى الصورتين، ومخالفة له في ثانية الصورتين، لا وجه له.

من هذا البيان اتضح هدف صنفين من الآيات ورداً في مسألة الاستعانة:

الصنف الأول: يحصر الاستعانة بالله فقط ويعتبره الناصر والمعين الوحيد دون سواه.

والصنف الثاني: يدعونا إلى سلسلة من الأمور المعينة غير الله ويعتبرها ناصرة ومعينة، إلى جانب الله.

أقول: من البيان السابق اتضح وجه الجمع بين هذين النوعين من الآيات وتبين أنه لا تعارض بين الصنفين مطلقاً، إلا أن فريقاً نجدهم يتمسكون بالصنف الأول من الآيات فيخطئون أي نوع من الاستعانة بغير الله، ثم يضطرون إلى إخراج (الاستعانة بالقدرة الإنسانية والأسباب المادية) من عموم تلك الآيات الحاصرة للاستعانة بالله بنحو التخصيص بمعنى أنهم يقولون:

إن الاستعانة لا تجوز إلا بالله إلا في الموارد التي أذن الله بها، وأجاز أن يستعان فيها بغيره، فتكون الاستعانة بالقدرة الإنسانية والعوامل الطبيعية - مع أنها استعانة بغيرالله - جائزة ومشروعة على وجه التخصيص، وهذا مما لا يرتضيه الموحد.

في حين أن هدف الآيات هو غير هذا تماماً، فإن مجموع الآيات يدعو إلى أمر واحد وهو: عدم الاستعانة بغير الله، وأن الاستعانة بالعوامل الأخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة بالله بل تكون بحيث تعد استعانة بالله لا استعانة بغيره.

وبتعبير آخر: إن الآيات تريد أن تقول: بأن المعين والناصر الوحيد والذي يستمد منه كل معين وناصر، قدرته وتأثيره، ليس إلا الله سبحانه، ولكنه - مع ذلك - قيم هذا الكون على سلسلة من الأسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، وعلى استمداد الفرع من الأصل، ولذلك تكون الاستعانة بها كالاستعانة بالله، ذلك لأن الاستعانة بالفرع استعانة بالأصل.

وإليك فيما يلي إشارة إلى بعض الآيات من الصنفين:

(وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) (آل عمران - ١٢٦)

(إياك نعبد وإياك نستعين) (الحمد - ٤)

(وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) (الأنفال - ١٠)

هذه الآيات نماذج من الصنف الأول وإليك فيما يأتي نماذج من الصنف الآخر الذي يدعونا إلى الاستعانة بغير الله من العوامل والأسباب:

(واستعينوا بالصبر والصلاة) (البقرة - ٤٥)

(وتعاونوا على البر والتقوى) (المائدة - ٢)

(ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة) (الكهف - ٩٥)

(وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) (الأنفال - ٧٢)

ومفتاح حل التعارض بين هذين الصنفين من الآيات هو ما ذكرناه وملخصه:

إن في الكون مؤثرا تاما، ومستقلا واحدا غير معتمد على غيره لا في وجوده ولا في فعله وهو الله سبحانه.

وأما العوامل الأخر فجميعها مفتقرة - في وجودها وفعلها - إليه وهي تؤدي ما تؤدي بإذنه ومشيئته وقدرته، ولو لم تعط تلك العوامل ما أعطيت من القدرة ولم تجر مشيئته على الاستمداد منها لما كانت لها أية قدرة على شئ.

فالمعين الحقيقي في كل المراحل - على هذا النحو تماما - هو الله فلا تصح الاستعانة بأحد باعتباره معينا مستقلا. لهذه الجهة حصرت مثل هذه الاستعانة بالله وحده، ولكن هذا لا يمنع بتاتا من الاستعانة بغير الله باعتباره غير مستقل (أي باعتباره معينا بالاعتماد على القدرة الإلهية)، ومعلوم أن استعانة - كهذه - لا تنافي حصر الاستعانة بالله سبحانه لسببين:

أولا:

لأن الاستعانة المخصوصة بالله هي غير الاستعانة بالعوامل الأخرى، فالاستعانة المخصوصة بالله هي: ما تكون باعتقاد أنه قادر على إعانتنا بالذات، وبدون الاعتماد على غيرها، في حين أن الاستعانة بغير الله سبحانه إنما هي على نحو آخر، أي مع الاعتقاد بأن المستعان قادر على الإعانة مستندا على القدرة الإلهية، لا بالذات، وبنحو الاستقلال، فإذا كانت الاستعانة - على النحو الأول - خاصة بالله تعالى فإن ذلك لا يدل على أن الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضا.

ثانيا:

إن استعانة - كهذه - غير منفكة عن الاستعانة بالله، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس في نظر الموحد (الذي يرى أن الكون كله من فعل الله ومستند إليه) مناص من هذا.

ومما سبق يتبين لك أيها القارئ الكريم ما في كلام ابن تيمية من الإشكال إذ يقول:

" أما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته صلى الله عليه وآله و سلم والتوسل به ونحو ذلك، ولكن قال: لا يدعى إلا الله وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله فلا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب في ذلك بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضا كما قال تعالى:

(ومن يغفر الذنوب إلا الله) (آل عمران - ١٣٥)

وقال: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص - ٥٦)

وكما قال تعالى: (يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض) فاطر - ٣)

وكما قال تعالى: (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله) (آل عمران - ١٢٦)

وقال: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في

الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (التوبة - ٤٠) (3).

فقد غفل ابن تيمية عن أن بعض هذه الأمور يمكن طلبها من غير الله مع الاعتقاد بعدم استقلال هذا الغير في تحقيقها، وهذا لا ينافي طلبها من الله مع الاعتقاد باستقلاله وغناه عمن سواه في تحقيقها.

نعم، لا تقع هذه الاستعانة مفيدة إلا إذا ثبتت قدرة غيره سبحانه على إنجاز الطلب ولكنه خارج عن محط بحثنا، فإن البحث مركز على كون هذا العمل شركا أو لا، وأما كون المستعان قادرا فالبحث عنه خارج عن هدفنا.

وربما يتوهم أنها لا تنفع أيضا إلا إذا ثبتت مأذونية الغير من قبله سبحانه في الإعانة، كما يتوقف على ذلك جواز أصل طلب العون، وإن كان غير شرك.

ولكنه مدفوع، بأن إعطاء القدرة دليل على المأذونية في أعمالها في الجملة، إذ لا معنى لأن يعطيه الله القدرة ويمنعه عن الأعمال مطلقا، أو يعطيه القدرة ويمنع الغير عن طلب أعمالها.

ويكفي في الجواز، كون الأصل في فعل العباد، الجواز والإباحة، دون الحظر والمنع إلا أن ينطبق على العمل أحد العناوين المحرمة في الشرع.

وأخيرا نذكر القارئ الكريم بأن مؤلف المنار حيث إنه لم يتصور للاستعانة بالأرواح إلا صورة واحدة، لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال:

" ومن هنا تعلمون: أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون " (4).

ولا يخفى عدم صحته إذ الاستعانة بغير الله (كالاستعانة بالعوامل الطبيعية) على نوعين:

أحدهما:

عين التوحيد، والآخر: موجب الشرك، أحدهما: مذكر بالله، والآخر: مبعد عن الله.

إن حد التوحيد والشرك ليس هو كون الأسباب ظاهرية أو غير ظاهرية، إنما هو الاستقلال وعدم الاستقلال، هو الغنى والفقر، هو الأصالة وعدم الأصالة.

إن الاستعانة بالعوامل غير المستقلة المستندة إلى الله، التي لا تعمل ولا تؤثر إلا بإذنه تعالى ليس فقط غير موجبة للغفلة عن الله، بل هو خير موجه، ومذكر بالله. إذ معناها: انقطاع كل الأسباب وانتهاء كل العلل إليه.

ومع هذا كيف يقول صاحب المنار: " أولئك عن ذكر الله معرضون " ولو كان هذا النوع من الاستعانة موجبا لنسيان الله والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالأسباب المادية الطبيعية هي أيضا موجبة للغفلة عنه.

على أن الأعجب من ذلك هو كلام شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقل - في هذا المجال - نص كلمات عبده دون زيادة ونقصان، وختم المسألة بذلك، وأخذ بظاهر الحصر في (إياك نستعين) غافلا عن حقيقة الآية وعن الآيات الأخرى المتعرضة لمسألة الاستعانة (5).

نقد النظرية الثالثة:
وهناك رأي آخر يتوسط بين الرأيين، وهو أنه تجوز الاستعانة بالأسباب الطبيعية في الحوائج الحيوية، ولا تجوز الاستعانة بالأسباب غير العادية إلا إذا كان بصورة التوسل والاستشفاع إلى الله سبحانه.

وهذا القول وإن كانت عليه مسحة من الحق ولمسة من الصدق إلا أنه ليس عينه.

فإن المنع عن الاستعانة بالأسباب غير العادية إذا لم يكن بكلا النحوين خاطئ فإنه إن كان لأجل كونه مستلزما للشرك، فالمفروض عدمه، إذ المستعين إنما يستعين، باعتقاد أن المستعان إنما يعين بالقدرة المعطاة له من الله سبحانه، ويعملها بإذنه ومشيئته. وطلب العون مع هذا الاعتقاد لا يستلزم الشرك. ومع فرضه فأي فرق بين الممنوع (طلب العون) والمجاز وهو التوسل والاستشفاع؟

وإن كان المنع لأجل عدم وجود القدرة فيهم على الإعانة، فهو مناقشة وهو في الصغرى خارج عن موضوع بحثنا فإن البحث إنما هو على فرض قدرتهم.

وإن كان المنع، لأجل كون الأصل في فعل المكلف، هو المنع حتى يثبت الجواز، فهو محجوج بأصالة الإباحة ما لم يمنع عنه دليل قاطع. وعدم ورود تلك الاستعانة في الأدعية وغيرها على فرض صحته لا يدل على المنع.

ولو كان المنع لأجل أن قوله سبحانه: (وإياك نستعين) شامل لهذه الاستعانة التي لا تنفك عن الاستعانة به سبحانه كما أوضحناه، فلا يمكن تخصيصه بالتوسل والاستشفاع لأن لسانه آب عن التخصيص وغير قابل له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:

(١) المنار: ١ / ٥٩. (٢) البحث مركز في أن طلب العون والحال هذه شرك أو لا؟ وأما أنه هل أعطيت لهم تلك المقدرة على العون أو لا
؟ فخارج عن موضوع بحثنا، وإنما إثباته على عاتق الأبحاث القرآنية الأخرى وقد نبهنا على ذلك غير مرة.
(3) مجموعة الرسائل الكبرى: لابن تيمية، الرسالة الثانية عشرة: ٤٨٢.
(4) المنار: ١ / ٥٩.
(5) راجع تفسير شلتوت: ٣٦ - ٣٩.
صورة: ‏هل الاستعانة بغير الله شرك؟ إن الاستعانة بغير الله يمكن أن يتحقق بصورتين: ١ - أن نستعين بعامل - سواء أكان طبيعياً أم غير طبيعي - مع الاعتقاد بأن عمله مستند إلى الله، بمعنى: أنه قادر على أن يعين العباد ويزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من الله وإذنه. وهذا النوع من الاستعانة - في الحقيقة - لا ينفك عن الاستعانة بالله ذاته، لأنه ينطوي على الاعتراف بأنه هو الذي منح تلك العوامل ذلك الأثر وأذن به وإن شاء سلبها وجردها منه. فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الأرض، فقد استعان بالله - في الحقيقة - لأنه تعالى هو الذي منح هذه العوامل: القدرة على إنماء ما أودع في بطن الأرض من بذر ومن ثم إنباته والوصول به إلى حد الكمال. ٢ - وإذا استعان بإنسان أو عامل طبيعي أو غير طبيعي مع الاعتقاد بأنه مستقل في وجوده، أو في فعله عن الله فلا شك أن ذاك الاعتقاد يصير شركاً والاستعانة في هذه الحالة عبادة للاعتقاد بالألوهية فيه. فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة وهو يعتقد بأنها مستقلة في تأثيرها، أو أنها مستقلة في وجودها ومادتها كما في فعلها وقدرتها، فالاعتقاد شرك والطلب عبادة. [ مع مؤلف المنار في تفسير حصر الاستعانة ]: إن مؤلف المنار تصور أن حد التوحيد هو: أن نستعين بقدرتنا ونتعاون فيما بيننا - في الدرجة الأولى - ثم نفوض بقية الأمر إلى الله القادر على كل شئ، ونطلب منه - لا من سواه - ويقول في ذلك: " يجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل لإتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة وأن نتعاون، ويساعد بعضنا بعضا، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شئ ونلجأ إليه وحده، ونطلب المعونة للعمل والموصل لثمرته منه سبحانه دون سواه " (١). إذ صحيح أننا يجب أن نستفيد من قدرتنا، أو من العوامل الطبيعية المادية ولكن يجب بالضرورة أن لا نعتقد لها بأية أصالة وغنى واستقلال وإلا خرجنا عن حدود التوحيد. فإذا اعتقد أحد بأن هناك - مضافاً إلى العوامل والقوى الطبيعية - سلسلة من العلل غير الطبيعية التي تكون جميعها من عباد الله الأبرار الذين يمكنهم تقديم العون (٢) لمن استعان بهم تحت شروط خاصة وبإذن الله وإجازته دون أن يكون لهم أي استقلال لا في وجودهم ولا في أثرهم، فإن هذا الفرد لو استعان بهذه القوى غير الطبيعية مع الاعتقاد المذكور - لا تكون استعانته عملا صحيحا فحسب بل تكون - بنحو من الأنحاء - استعانة بالله ذاته كما لا يكون بين هذين النوعين من الاستعانة (الاستعانة بالعوامل الطبيعية والاستعانة بعباد الله الأبرار) أي فرق مطلقا. فإذا كانت الاستعانة بالعباد الصالحين - على النحو المذكور - شركاً لزم أن تكون الاستعانة في صورتها الأولى هي أيضا معدودة في دائرة الشرك، والتفريق بين (الاستعانة بالعوامل الطبيعية) و (الاستعانة بغيرها) إذا كانتا على وزانٍ واحد وعلى نحو الاستمداد من قدرة الله وبإذنه ومشيئته، بكونها موافقة للتوحيد في أولى الصورتين، ومخالفة له في ثانية الصورتين، لا وجه له. من هذا البيان اتضح هدف صنفين من الآيات ورداً في مسألة الاستعانة: الصنف الأول: يحصر الاستعانة بالله فقط ويعتبره الناصر والمعين الوحيد دون سواه. والصنف الثاني: يدعونا إلى سلسلة من الأمور المعينة غير الله ويعتبرها ناصرة ومعينة، إلى جانب الله. أقول: من البيان السابق اتضح وجه الجمع بين هذين النوعين من الآيات وتبين أنه لا تعارض بين الصنفين مطلقاً، إلا أن فريقاً نجدهم يتمسكون بالصنف الأول من الآيات فيخطئون أي نوع من الاستعانة بغير الله، ثم يضطرون إلى إخراج (الاستعانة بالقدرة الإنسانية والأسباب المادية) من عموم تلك الآيات الحاصرة للاستعانة بالله بنحو التخصيص بمعنى أنهم يقولون: إن الاستعانة لا تجوز إلا بالله إلا في الموارد التي أذن الله بها، وأجاز أن يستعان فيها بغيره، فتكون الاستعانة بالقدرة الإنسانية والعوامل الطبيعية - مع أنها استعانة بغيرالله - جائزة ومشروعة على وجه التخصيص، وهذا مما لا يرتضيه الموحد. في حين أن هدف الآيات هو غير هذا تماماً، فإن مجموع الآيات يدعو إلى أمر واحد وهو: عدم الاستعانة بغير الله، وأن الاستعانة بالعوامل الأخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة بالله بل تكون بحيث تعد استعانة بالله لا استعانة بغيره. وبتعبير آخر: إن الآيات تريد أن تقول: بأن المعين والناصر الوحيد والذي يستمد منه كل معين وناصر، قدرته وتأثيره، ليس إلا الله سبحانه، ولكنه - مع ذلك - قيم هذا الكون على سلسلة من الأسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، وعلى استمداد الفرع من الأصل، ولذلك تكون الاستعانة بها كالاستعانة بالله، ذلك لأن الاستعانة بالفرع استعانة بالأصل. وإليك فيما يلي إشارة إلى بعض الآيات من الصنفين: (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) (آل عمران - ١٢٦) (إياك نعبد وإياك نستعين) (الحمد - ٤) (وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) (الأنفال - ١٠) هذه الآيات نماذج من الصنف الأول وإليك فيما يأتي نماذج من الصنف الآخر الذي يدعونا إلى الاستعانة بغير الله من العوامل والأسباب: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (البقرة - ٤٥) (وتعاونوا على البر والتقوى) (المائدة - ٢) (ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة) (الكهف - ٩٥) (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) (الأنفال - ٧٢) ومفتاح حل التعارض بين هذين الصنفين من الآيات هو ما ذكرناه وملخصه: إن في الكون مؤثرا تاما، ومستقلا واحدا غير معتمد على غيره لا في وجوده ولا في فعله وهو الله سبحانه. وأما العوامل الأخر فجميعها مفتقرة - في وجودها وفعلها - إليه وهي تؤدي ما تؤدي بإذنه ومشيئته وقدرته، ولو لم تعط تلك العوامل ما أعطيت من القدرة ولم تجر مشيئته على الاستمداد منها لما كانت لها أية قدرة على شئ. فالمعين الحقيقي في كل المراحل - على هذا النحو تماما - هو الله فلا تصح الاستعانة بأحد باعتباره معينا مستقلا. لهذه الجهة حصرت مثل هذه الاستعانة بالله وحده، ولكن هذا لا يمنع بتاتا من الاستعانة بغير الله باعتباره غير مستقل (أي باعتباره معينا بالاعتماد على القدرة الإلهية)، ومعلوم أن استعانة - كهذه - لا تنافي حصر الاستعانة بالله سبحانه لسببين: أولا: لأن الاستعانة المخصوصة بالله هي غير الاستعانة بالعوامل الأخرى، فالاستعانة المخصوصة بالله هي: ما تكون باعتقاد أنه قادر على إعانتنا بالذات، وبدون الاعتماد على غيرها، في حين أن الاستعانة بغير الله سبحانه إنما هي على نحو آخر، أي مع الاعتقاد بأن المستعان قادر على الإعانة مستندا على القدرة الإلهية، لا بالذات، وبنحو الاستقلال، فإذا كانت الاستعانة - على النحو الأول - خاصة بالله تعالى فإن ذلك لا يدل على أن الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضا. ثانيا: إن استعانة - كهذه - غير منفكة عن الاستعانة بالله، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس في نظر الموحد (الذي يرى أن الكون كله من فعل الله ومستند إليه) مناص من هذا. ومما سبق يتبين لك أيها القارئ الكريم ما في كلام ابن تيمية من الإشكال إذ يقول: " أما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته صلى الله عليه وآله و سلم والتوسل به ونحو ذلك، ولكن قال: لا يدعى إلا الله وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله فلا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب في ذلك بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضا كما قال تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله) (آل عمران - ١٣٥) وقال: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص - ٥٦) وكما قال تعالى: (يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض) فاطر - ٣) وكما قال تعالى: (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله) (آل عمران - ١٢٦) وقال: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (التوبة - ٤٠) (3). فقد غفل ابن تيمية عن أن بعض هذه الأمور يمكن طلبها من غير الله مع الاعتقاد بعدم استقلال هذا الغير في تحقيقها، وهذا لا ينافي طلبها من الله مع الاعتقاد باستقلاله وغناه عمن سواه في تحقيقها. نعم، لا تقع هذه الاستعانة مفيدة إلا إذا ثبتت قدرة غيره سبحانه على إنجاز الطلب ولكنه خارج عن محط بحثنا، فإن البحث مركز على كون هذا العمل شركا أو لا، وأما كون المستعان قادرا فالبحث عنه خارج عن هدفنا. وربما يتوهم أنها لا تنفع أيضا إلا إذا ثبتت مأذونية الغير من قبله سبحانه في الإعانة، كما يتوقف على ذلك جواز أصل طلب العون، وإن كان غير شرك. ولكنه مدفوع، بأن إعطاء القدرة دليل على المأذونية في أعمالها في الجملة، إذ لا معنى لأن يعطيه الله القدرة ويمنعه عن الأعمال مطلقا، أو يعطيه القدرة ويمنع الغير عن طلب أعمالها. ويكفي في الجواز، كون الأصل في فعل العباد، الجواز والإباحة، دون الحظر والمنع إلا أن ينطبق على العمل أحد العناوين المحرمة في الشرع. وأخيرا نذكر القارئ الكريم بأن مؤلف المنار حيث إنه لم يتصور للاستعانة بالأرواح إلا صورة واحدة، لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال: " ومن هنا تعلمون: أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون " (4). ولا يخفى عدم صحته إذ الاستعانة بغير الله (كالاستعانة بالعوامل الطبيعية) على نوعين: أحدهما: عين التوحيد، والآخر: موجب الشرك، أحدهما: مذكر بالله، والآخر: مبعد عن الله. إن حد التوحيد والشرك ليس هو كون الأسباب ظاهرية أو غير ظاهرية، إنما هو الاستقلال وعدم الاستقلال، هو الغنى والفقر، هو الأصالة وعدم الأصالة. إن الاستعانة بالعوامل غير المستقلة المستندة إلى الله، التي لا تعمل ولا تؤثر إلا بإذنه تعالى ليس فقط غير موجبة للغفلة عن الله، بل هو خير موجه، ومذكر بالله. إذ معناها: انقطاع كل الأسباب وانتهاء كل العلل إليه. ومع هذا كيف يقول صاحب المنار: " أولئك عن ذكر الله معرضون " ولو كان هذا النوع من الاستعانة موجبا لنسيان الله والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالأسباب المادية الطبيعية هي أيضا موجبة للغفلة عنه. على أن الأعجب من ذلك هو كلام شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقل - في هذا المجال - نص كلمات عبده دون زيادة ونقصان، وختم المسألة بذلك، وأخذ بظاهر الحصر في (إياك نستعين) غافلا عن حقيقة الآية وعن الآيات الأخرى المتعرضة لمسألة الاستعانة (5). نقد النظرية الثالثة: وهناك رأي آخر يتوسط بين الرأيين، وهو أنه تجوز الاستعانة بالأسباب الطبيعية في الحوائج الحيوية، ولا تجوز الاستعانة بالأسباب غير العادية إلا إذا كان بصورة التوسل والاستشفاع إلى الله سبحانه. وهذا القول وإن كانت عليه مسحة من الحق ولمسة من الصدق إلا أنه ليس عينه. فإن المنع عن الاستعانة بالأسباب غير العادية إذا لم يكن بكلا النحوين خاطئ فإنه إن كان لأجل كونه مستلزما للشرك، فالمفروض عدمه، إذ المستعين إنما يستعين، باعتقاد أن المستعان إنما يعين بالقدرة المعطاة له من الله سبحانه، ويعملها بإذنه ومشيئته. وطلب العون مع هذا الاعتقاد لا يستلزم الشرك. ومع فرضه فأي فرق بين الممنوع (طلب العون) والمجاز وهو التوسل والاستشفاع؟ وإن كان المنع لأجل عدم وجود القدرة فيهم على الإعانة، فهو مناقشة وهو في الصغرى خارج عن موضوع بحثنا فإن البحث إنما هو على فرض قدرتهم. وإن كان المنع، لأجل كون الأصل في فعل المكلف، هو المنع حتى يثبت الجواز، فهو محجوج بأصالة الإباحة ما لم يمنع عنه دليل قاطع. وعدم ورود تلك الاستعانة في الأدعية وغيرها على فرض صحته لا يدل على المنع. ولو كان المنع لأجل أن قوله سبحانه: (وإياك نستعين) شامل لهذه الاستعانة التي لا تنفك عن الاستعانة به سبحانه كما أوضحناه، فلا يمكن تخصيصه بالتوسل والاستشفاع لأن لسانه آب عن التخصيص وغير قابل له. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش: (١) المنار: ١ / ٥٩. (٢) البحث مركز في أن طلب العون والحال هذه شرك أو لا؟ وأما أنه هل أعطيت لهم تلك المقدرة على العون أو لا ؟ فخارج عن موضوع بحثنا، وإنما إثباته على عاتق الأبحاث القرآنية الأخرى وقد نبهنا على ذلك غير مرة. (3) مجموعة الرسائل الكبرى: لابن تيمية، الرسالة الثانية عشرة: ٤٨٢. (4) المنار: ١ / ٥٩. (5) راجع تفسير شلتوت: ٣٦ - ٣٩.‏
رد مع اقتباس