عرض مشاركة واحدة
  #34  
قديم 2014-04-01, 11:18 PM
ابن الصديقة عائشة ابن الصديقة عائشة غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2010-09-26
المكان: بلاد الله
المشاركات: 5,182
افتراضي

اراك قد بدأت تتسفه معي فانصحك بالرجوع الى الشروط التي وضعتها انت ومع علمي وخبرتي في الحوار مع الشيعة الرافضة فهم يبدأو بالمراوغة والتشتيت والتكرار ومن ثم التجاوز ومن بعدها الهروب وهذه التجربة التي كسبتها انا ربما تكون قبل ان تولد انت فلا اريد ان انزول لمستوى كلماتك التي تطلقها .
(ياولد) ممكن ان تقولها لزملائك في المقهى او في الحسنية لانها اشبه بالمقهى لوجود (الشيشة وطفايات السكاير هناك) فلن تجد هناك مجلس للذكر بل مجلس للغيبة والنميمة والطعن باعراض الناس .....فغير بعيدة عن من في آخر صلاته يكون دعائه (طعن ولعن وسب في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

فكن مؤدبا مع محاوريك واحترم نفسك لاني لحد الآن محترمك فخبرتنا تقول :
01عندما يضحك الشيعي ضحكة صفراء وتافهة فهو قد افلس !!!!!!!!!
02وعندما يبدأ بالتجاوز فهذا دليل على انه يترنح ولا يملك الحجة !!!!!!!

فأنت اما غبي او متغابي فتسألني عن حديث الدار وقد رددت عليه ولكن هذا هو سبب عمى البصر والبصيرة فهذا يعود لعينك التي لا ترى سوى الكذب والافتراء والتدليس .
ونأتي على ملخصك هذا :


ملخص مفيد
1ــــــ الرسول ص قال خليفتي في كل مؤمن بعدي ....فسر لي هذا ولماذ عمم الرسول ص الجميع وهو لم يكن الا فقط الصبيه والنساء ....


سبق وأن فسرت وشرحت لك مالمقصود بهذا واظن بانه لن ينفع معك التكرار في الشرح والاهم في ذلك فان المتتبع للحوار قد عرف وفهم وهذا هو الذي يهمنا لا اكثر ...........

2ـــ تمنى عمر وسعد ان يقال لهم مثل هذا القول ...هل جبنو انت تقول لا اذن لماذا تمنو ...بتحليلك وفكرك الضيق تقول ان عمر تمنى ان يكلف بأي شئ ...طيب اسئلك من الاهم الجهاد مع الرسول ص في المعركه اوالتخلف مع الصبيه والنساء..؟

لانهم عاهدوا الله ورسوله على السمع والطاعة وهذا شرف لهم حتى وان امرهم الرسول على البقاء في حماية خربة افهمت ؟؟؟؟؟؟ فهم لن يعترضوا او يستنكفوا بما يأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم .

(وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة)

أما عن اعتراض علي فقد شرحت لك واكرر (فان المرجفون واحفادهم مازالوا بيننا تقولوا على علي اقاويل فاخذ سلاحه معترضا على البقاء مع الصبية والنساء او بمعنى آخر مستنكفا بان يبقى مع الصبية والنساء )

3ـــ تقول اتيت لك بمصارد واسانيد اين هي ..انا لاارى اي مصدر ولااي اسناد وانما تحليلات من فكرك وقلت ((خليفتي في الصبيه والنساء ))والرسول لم يقل هذا القول وانما انت قلته وتريد ان تفرضه علي

بمصادر وليست (مصارد) وما شأني وانت لاتفهم شيئا مما اذكره لك من مصادر واسانيد ؟؟؟؟؟؟؟

أنا لم ولن اكذب على الرسول فما تعودت ذلك لاني اتبع كتاب الله وسنة رسول لكي آتيك من عندي ؟؟؟؟؟؟

4ــ تقول الرسول ص خلف صحابه كثيرون في المعركه فمعنى هذا ان كل من خلفه هو خليفه ....فأقول لك وهل سمعت يوما ان الرسول ص قال لاحد من الذي خلفهم في المعارك للنساء اوللصيبه انت خليفتي حتى نقول للجميع ...؟؟


وهل الذين خلفهم الرسول صلى الله عليه وسلم اعترضوا واستنكفوا مما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

لان سبب هذا القول هو (اعتراض علي على البقاء في رعاية الصبية والنساء )

او بالاحرى كما تقول انت هو خلف الكثيروون من الصحابه في المعارك الاخرى على النساء والصيبه فالزمت نفسك بنفسك اذن لماذا انه خلف الكثيرون ولم يقل لأي أحد منهم انت خليفتي في كل مؤمن بعدي والوحيد الذي قال له

(ماقاله الرسول هو تطيب خاطر لعلي بعد ان اعترض واستكف من ان يبقى في رعاية الصبية والنساء )

ذلك هو الامام علي (عليه السلام )..؟؟ نعم هذا هو امامك انتم ايها الرافضة الذين صنعتوه لانفسكم ليكون وسيلة لنفث السموم والكذب والافتراء والتدليس على الرسول وصحابته !!!!!!!!!!

أما علي الذي نعرفه وهو علينا فلم يكن يريد الخلافة ولم يسعى اليها اعرفت ؟؟؟؟؟؟؟

ففي نهج البلاغة خطبة لعلي حينما دعوه إلى البيعة بعد مقتل عثمان (رضي الله عنه) قال فيها: دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول... إلى أن قال: وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلِّي أسمَعُكم وأطوعُكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً
(فكيف يخالف علي أمر الله ورسوله ويرفض الخلافة ؟؟)

قول علي : « بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه. فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا الغائب أن يختار » (نهج البلاغة 7:3).

وقال : إنما الشورى للمهاجرين والأنصار» (نهج البلاغة 7:3).


واكرر لك الرواية (لا بل للقارئ الكريم فهو ابدا بأ يعرف وهو مايهمنا) واليك مايثبت بان حتى هارون لم يكن خليفة لموسى :

لم يخف على النبي أن يوشع كان الخليفة بعد موسى وليس هارون. فلو كان مراده الإمامة لقال (كمنزلة يوشع من موسى) ولم يقل (بمنزلة هارون من موسى. مما يدل على أن المنزلة منزلة الأخوة لا الإمامة كما بين موسى وهارون. وليس الإمامة.

· الحديث له مناسبة حين زعم المنافقون أن النبي قد مله وكره صحبته فكان هذا القول من النبي مبطل لما زعموه.

· أن هارون ولي أمر بني إسرائيل في حياة موسى فقط. وقياس علي على هارون هنا يبطله مبايعة علي لأبي بكر وعمر وعثمان. فالله وعد أهل البيت بالاستخلاف كما يزعم الشيعة في تفسير قوله تعالى ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ[ (النور:55). والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعد عليا بالاستخلاف كما في هذا الحديث: فيلزم الطعن في كلام الله ورسوله لأن كلا من الآية والحديث لم يتحققا.

· أن استخلاف النبي عليا ليس خاصا به وحده. بل خلف على المدينة كثيرين غير علي كابن أم مكتوم وعثمان بن عفان وغيرهما. وهذا يبطل فهم الشيعة للحديث. إذ لو كان الأمر كذلك لم يجز استخلاف أحد غيره حتى يفهم الناس أن عليا هو الإمام دون غيره وجوبا.

· أن استخلاف هارون يختلف عن استخلاف علي. فإن العسكر كان مع هارون وإنما ذهب موسى لوحده. أما استخلاف علي فكان على النساء والصبيان في المدينة وكان العسكر كله مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

كيف فهم علي هذا الحديث؟ وكيف طبقه؟

ألم يقل عندما أجبروه على تولي الخلافة: « دعوني والتمسوا غيري… ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ولأن أكون لكم وزيراً خيراً من أن أكون عليكم أميرأ » (نهج البلاغة 181-182).

وقال لمعاويةً « بايعني القوم الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه. فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا الغائب أن يختار،، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه الى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين » (نهج البلاغة 7:3، وانظر كتاب الإرشاد للمفيد 31 ط: الأعلمي. أو 143 طبعة حيدرية).

· هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى وإنما يوشع بن نون صاحبه في طلب الخضر مثلما ولي أمور المسلمين بعد نبينا صاحبه في الغار وهو أبو بكر الصديق.

· إن هذا يبين أن عليا لن يكون الإمام من بعده لوجود الاستثناء (إلا أنه لا نبي بعدي). ومعلوم أن عليا لن يكون نبيا من بعده فبقي أن يكون إماما من بعده والواقع يشهد بخلاف ذلك وإلا لزم الطعن في كلام النبيصلى الله عليه وآله وسلم يطعن به يهودي أو نصراني. إذ أن عليا لم يكن إماما من بعده.

· فإما أن يكون هذا وعدا من النبي وهذا الوعد لم يتحقق ويكون علي نفسه قد أسهم في إبطال قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمليا بمبايعته أبا بكر وعمر وعثمان. وإما أن يكون من تحميلات الشيعة للنصوص من المعاني الباطلة التي لا يحتملها النص. كما زعموا أن المشكاة فاطمة والمصباح الحسن والزجاجة الحسين والشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية.

· أن عليا لم يستعمل شيئا من هذه النصوص المزعومة كدليل على وجوب خلافته هو. فإن كان لعجز فيكون لا يستحق الإمارة. وإن كان يقدر ولم يفعل فهو خائن والخائن معزول عن الإمارة. وإن كان لم يعلم بالنص فهو لا يعلم ما كان وما يكون كما يدعي الشيعة. وحاشاه مما ينسبه الشيعة إليه من التناقضات.




وهذا ايضا :


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : ( أنت مني بمنزلةِ هارونَ من موسى . إلا أنه لا نبيَّ بعدي)
الراوي: سعد بن أبي وقاص المحدث:مسلم - المصدر:صحيح مسلم- الصفحة أو الرقم:2404
خلاصة حكم المحدث:صحيح


فهذا لا يعني ان علي -رضي الله عنه- هو الخليفة الشرعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعدة اوجه :
- ان هارون مات قبل موسى بسنة كما ورد في تاريخ الطبري وغيره.
- هارون هو شقيق لموسى من امه وابيه وهما نبيان , وعلي لم يكن شقيقا للنبي

- هارون نبي , وموسى نبي , الا ان علي ليس بنبي
- هارون بقي في المدينة لما خرج موسى للقاء ربه , يعني خرج موسى بسبعين شخص وهو عدد قليل , اما هارون فقد بقي مع العسكر والجيش وموسى خرج ببعض الرجال , اما علي فلم يبقَ احد من العسكر معه الا عدد من الذين تخلفوا و مع النساء والصبيه , ولو كان علي خليفة للنبي لقال النبي للجيش : ان علي خليفتي او لقال علي بعد رجوع النبي للناس انا خليفة النبي
لأن علي لو قال للجيش ذلك , لقال الجيش : نحن كنا مع الرسول ولم نسمع , متى قال ؟
لو كان الامر كما هم يصوره الرافضة !


ثم بعد ذلك النبي طيّب خاطر علي لأن علي هو الذي جاءه واشتكى , اي ان علي هو الذي خرج ولو لم يأتِ علي ما قال له ذلك الكلام ( انت مني بمنزلة هارون من موسى ) , اي انه ليس خليفة بعد النبي , فكأن النبي يقول له : لم اخلفك بغضاً لك. يعني النبي يريد ان يبين لعلي ان موسى لما خرج وترك هارون لم يكن ذلك منقصة منه , لذلك لو كان غير علي وجاء الصحابي الاخر وقال للنبي كيف تتركني مع النساء والصبيه ؟
لقال له النبي نفس القول الذي قاله لعلي


النبي لم يبق علي خليفة على اهل المدينة كاملة , بل استخلفة على اهل بيته خاصة , اما سائر المدينة من النساء والاطفال واصحاب الاعذار والمنافقون , فقد ترك عليهم محمد بن مسلمة وهذا الذي ذكرة اهل السير كأبن كثير وابن جرير وغيرهم .


كيف يمكن ان نفهم ان هذا الترك منقبة لعلي من النبي ؟ اذا كان هذا منقبة لعلي كيف نفسر خروج علي باكيا خلف النبي ؟
لو كان كلام النبي يعني الخلافة كما يدعي الرافضة ؟ لماذا يبكي وقد جعله خليفة ؟
يعني هل من المعقول ان الرافضة فهموا الامر ولم يفهمه عليّ ؟:لا:

ان النبي استخلف غير علي بعده
هل كل من استخلفة في المدينة وذهب الى احد الغزوات الاخرى انه خليفة للمسلمين ؟!
النبي استخلف علي في غزوة تبوك , لكنه خرج في حجة الوداع وكان علي في اليمن فلم يستخلفه

اما تشبيه النبي لعلي بهارون

فان النبي شبه ابا بكر وعمر بانبياء اكبر من هارون
فان كان الرافضة يقولون ان تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بهارون منقبه ؟
ففي غزوة بدر استشار النبي ابا بكر في الاسرى فكان راي ابا بكر ان يعفو عن الاسرى و يفاديهم قومهم
ورأى عمر العكس , نقتلهم
فقال النبي لأبي بكر :

إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال ( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم )

ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى صلى الله عليه وسلم قال ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم )

وإن مثلك يا عمر كمثل نوح صلى الله عليه وسلم قال ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )

وإن مثلك يا عمر كمثل موسى صلى الله عليه وسلم قال ( واشدد على قلوبهم حتى يروا العذاب الأليم )

فعيسى وابراهيم اعلى مقاما من هارون , اذا كنتم تريدون المقارنة
و نوح اعلى من هارون من حيث المنزله وهو من اولي العزم ,

فليس بتشبيه النبي لعلي بهارون افضل ولا اعظم من تشبيه النبي لابي بكر بابراهيم وعيسى


وهذه الامور فيها دليل على ان علي ليس خليفة لرسول الله من بعده مباشرة للوجوه التي ذكرناه

واليك الحديث وشرحه وتأويله واسبابه وفيه دحظ لكل رواياتكم وماتدعوه :



استدلال الرافضة بحديث: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)




حديث: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي

الحديث صحيح، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما(1) وهو من فضائل علي ولهذا ذكره العلماء في مناقبه

(1) صحيح البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب...) فتح الباري 7/71، ح3706، وصحيح مسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب...) 4/1870، ح2404، والمسند للإمام أحمد 6/438، 6/369


وأما ما ادعاه الرافضة من الدلالة على اختصاص علي بالوزارة
والوصاية والخلافة فغير صحيح، فليس في الحديث أي دلالة على ما ذكر، وذلك أن هذا الحديث قاله النبي لعلي عندما أراد الخروج إلى غزوة تبوك، وكان قد استخلفه على المدينة بعد أن استنفر الناس للخروج معه، فلم يبق بالمدينة إلا النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، فشق ذلك على علي، فجاء للنبي وقال له: أتخلفني في النساء والصبيان. فقال له النبي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى.(1)
وقيل: إن بعض المنافقين قال: إنما خلفه لأنه يبغضه فقال له النبي ذلك(2)، ومعلوم من السيرة أن هذا الاستخلاف لم يكن خاصاً بعلي، فقد استخلف النبي على المدينة غيره عندما كان يخرج غازياً أو حاجاً أو معتمراً، فقد استخلف في غزوة بدر: عبد لله ابن
أم مكتوم، واستخلف في غزوة بني سليم: سباع بن عُرفطة الغفاري، أو ابن أم مكتوم على اختلاف في ذلك، واستخلف في غزوة السويق: بشير بن عبد المنذر، واستعمل على المدينة في غزوة بني المصطلق:
أبا ذر الغفاري، وفي غزوة الحديبية: نُمَيْلَةَ بن عبد الله الليثي كما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) جاء توضيح ذلك في بعض روايات الحديث، انظر: صحيح البخاري: (كتاب المغازي، باب غزوة تبوك)، فتح الباري 8/ 122، ح4416، وصحيح مسلم بحسب ما جاء في الإحالة السابقة.
(2) انظر: تاريخ الطبري 3/103-104، والبداية والنهاية لابن كثير 5/7.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
استعمله أيضاً في غزوة خيبر، وفي عمرة القضاء استعمل: عويف بن الأضبط الديلي، وفي فتح مكة: كلثوم بن حصين بن عتبة الغفاري، وفي حجة الوداع: أبا دجانة الساعدي ذكر هذا ابن هشام في مواطن متفرقة من السيرة(1) وهذا مما يدل على عدم اختصاص علي بالاستخلاف، وأنه قد شاركه في ذلك جمع من الصحابة، وبالتالي تبطل مزاعم الرافضة التي يعلقونها على هذا الحديث، كدعوى الوصية لعلي وأنه أفضل الصحابة.
وقد نبه العلماء قديماً على هذا، وردوا على الرافضة في احتجاجهم بهذا الحديث، وأن غاية ما تضمنه هو تشبيه النبي استخلافه لعلي، باستخلاف موسى لهارون في حال غيبته، تطييباً لنفس علي، وإظهاراً لكرامته عنده، دون ما بنته الرافضة على الحديث من أوهام باطلة، لا يحتملها لفظ الحديث ولا مناسبته.
فإن قال الرافضة قد ثبت عن رسول الله أنه قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) قيل لهم: كذلك نقول في استخلافه على المدينة في حياته بمنزلة هارون من موسى، وإنما خرج هذا القول له من النبي عام تبوك إذ خلفه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) انظر السيرة النبوية لابن هشام 2/650،804،806، 3/1113،1133،1154،1197، 4/1241،1457.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
بالمدينة، فذكر المنافقون أنه ملّه وكره صحبته، فلحق بالرسول
فذكر له قولهم فقال: (بل خلفتك كما خلف موسى هارون)، فإن قال الطاعن: لم يرد استخلافه على المدينة قيل له: هل شاركه في النبوة كما شارك هارون موسى، فإن قال: نعم كفر، وإن قال: لا، قيل له فهل كان أخاه في النسب فإن قال: نعم كذب، فإذا بطلت أخوة النسب ومشاركة النبوة فقد صح وجه الاستخلاف، وإن جعل استخلافه في حياته على المدينة أصلاً، فقد كان يستخلف في كل غزاة غزاها غيره من أصحابه، كابن أم مكتوم، وخفاف بن إيماء بن رخصة وغيرهما من خلفائه».‎(1)
وقال النووي: «وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعلي ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده، لأن النبي إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، بل توفي في حياة موسى، وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص، قالوا وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة».‎(2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) الإمامة والرد على الرافضة ص221-222.
(2) شرح صحيح مسلم 13/174.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
وقال ابن حزم بعد أن ذكر احتجاج الرافضة بالحديث: «وهذا
لا يوجب له فضلاً على من سواه، ولا استحقاق الإمامة بعده
- لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى عليهما السلام، وإنما ولي الأمر بعد موسى -- يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة، وإذا لم يكن على نبياً كما كان هارون نبياً، ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل فصح أن كونه -- من رسول الله بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط، وأيضا فإنما قال له رسول الله هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك... ثم قد استخلف -- قبل تبوك، وبعد تبوك في أسفاره رجالاً سوى علي ، فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلاً على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين».‎(1)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في سياق رده على الرافضة في استدلالهم بهذا الحديث: «وقول القائل هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) الفصل 4/159-160.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء... وكذلك هنا هو بمنزلة هارون، فيما دل عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف
موسى هارون، وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي، بل ولا هو مثل استخلافاته، فضلاً أن يكون أفضل منها، وقد استخلف مَنْ علي أفضل منه في كثير من الغزوات، ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المُسْتخلَف على عليّ إذا قعد معه، فكيف يكون موجباً لتفضيله على عليّ ؟
بل قد استخلف على المدينة غير واحد، وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف عليّ، بل كان ذلك الاستخلاف يكون على أكثر وأفضل ممن استخلف عليه عام تبوك وكانت الحاجة إلى الاستخلاف أكثر، فإنه كان يخاف من الأعداء على المدينة، فأما عام تبوك فإنه كان قد أسلمت العرب بالحجاز، وفتحت مكة وظهر الإسلام وعزّ، ولهذا أمر الله نبيه أن يغزو أهل الكتاب بالشام، ولم تكن المدينة تحتاج إلى من يقاتل بها العدو، ولهذا لم يدع النبي عند عليّ أحداً من المقاتلة، كما كان يدع بها في سائر الغزوات بل أخذ المقاتلة كلهم معه».‎(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1) منهاج السنة 7/330-332، وانظر: أيضاً 5/34 من الكتاب نفسه، ومجموع الفتاوى 4/416.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

فهذه أقوال العلماء المحققين كلها دائرة على معنى واحد
وهو عدم اختصاص علي -- بهذا الاستخلاف ولا بشيء مما تدعيه الرافضة فيه من الوصية أو الأفضلية على غيره، وأن تشبيه
النبي له بهارون ليس من كل وجه، فقد دل النص على نفي
النبوة، ودل الواقع على نفي الاستخلاف بعد الممات؛ كما هو معلوم من حال المشبه به وهو هارون لموته في حياة موسى، فلم يبق

إلا الاستخلاف في الحياة في حال الغيبة، وهذا أمر لا نزاع فيه لكنه ليس من خصائص علي، فالرافضة لا تنتفع منه بشيء في تقرير عقيدتها إلا وهو ثابت في حق غير علي من المستخلفين الذين تقدم ذكرهـــم.

وهنا أيضا تعليق بسيط ، فالمعلوم أن أولي العزم من الأنبياء هم أفضل الأنبياء وهذا بإجماع الأمة إذا فإبراهيم وموسى ونوح وعيسى ، أفضل من هارون عليهم السلام جميعا
فما قول الإثني عشرية بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال : ( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) * وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال : * ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) * وإن مثلك يا عمر مثل موسى قال : * ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم ) * وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال : * ( رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا )

كتاب المغازي – مصنف ابن أبي شيبة 38 ، والبيهقي في كتاب قسم الفيء والغنيمة 12623 ، مسند الإمام أحمد عن عبدالله بن مسعود ،


والله الموفق.
حديث المنزلة



زعموا أنه من النص التفصيلى على على قوله صلى الله عليه وسلم له لما خرج إلى تبوك واستخلفه على المدينة: أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى. قالوا: ففيه دليل على أن جميع المنازل الثابته لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلى من النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لما صح الاستثناء، ومما ثبت لهارون من موسى استحقاقه الخلافه عنه لوعاش بعده إذ كان خليفة في حياته، فلولم يخلفه بعد مماته لوعاش بعده لكان لنقص فيه، وهوغير جائز على الأنبياء، وأيضا فمن جملة منازله منه أنه كان شريكاً له في الرسالة ومن لازم ذلك وجوب الطاعة لوبقى بعده، فوجب ثبوت ذلك لعلى إلا أن الشركة في الرسالة ممتنعة في حق على، فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عملا بالدليل بأقصى ما يمكن.
وجوابها: أن الحديث إن كان غير صحيح كما يقوله الآمدى فظاهر وإن كان صحيحاً كما يقوله أئمة الحديث والمعول في ذلك ليس إلا عليهم، كيف وهوفي الصحيحين فهومن قبيل الآحاد وهم لا يروونه حجة في الإمامة، وعلى التنزيل فلا عموم له في المنازل بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أن عليا خليفة عن النبي صلى الله عليه وسلم مدة غيبته بتبوك كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة. وقوله: اخلفنى في قومى ـ لا عموم له حتى يقتضى الخلافة عنه في كل زمن حياته وزمن موته، بل المتبادر منه ما مر أنه خليفة مدة غيبته، وحينئذ فعدم شموله لما بعد وفاة موسى رضي الله عنه، إنما هولقصور اللفظ عنه لا لعزله كما لوصرح باستخلافه في زمن معين، ولوسلمنا تناوله لما بعد الموت، وأن عدم بقاء خلافته بعده عزل له، لم يستلزم نقصا يلحقه؛ بل إنما يستلزم كمالاً له أي كمال لأنه يصير بعده مستقلا بالرسالة والتصرف من الله تعالى، وذلك أعلى من كونه خليفة وشريكاً في الرسالة. سلمنا أن الحديث يعم المنازل كلها لكنه عام مخصوص إذ من منازل هارون كونه أخاً نبياً، والعام المخصوص غير حجة في الباقى أوحجه ضعيفه على الخلاف فيه، ثم نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لوفرض إنما هوللنبوة لا للخلافة عنه، وقد نفيت النبوة هنا لاستحالة كون على نبيا، فيلزم نفى مسببه الذي هوافتراض الطاعة ونفاذ الأمر، فعلم مما تقرر أنه ليس المراد من الحديث ـ مع كونه آحادا لا يقاوم الإجماع ـ إلا إثبات بعض المنازل الكائنه لهارون من موسى، والحديث وسببه سياق يبينان ذلك البعض لما مر أنه إنما قاله لعلى حين استخلفه، فقال على كما في الصحيح: أتخلفنى في النساء والصبيان؟ كأنه استنقص تركه وراءه فقال له: ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ يعنى حيث استخلفه عند توجهه إلى الطور، إذ قال له: اخلفنى في قومى وأصلح، وأيضاً فاستخلافه على
المدينة لا يستلزم أولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضاً ولا ندباً بل كونه أهلاً لها في الجملة، وبه نقول، وقد استخلف صلى الله عليه وسلم في مرار أخرى غير على كابن أم مكتوم، ولم يلزم فيه بسبب ذلك أنه أولى بالخلافة بعده.
الشبهة الثالثة عشرة
زعموا أيضا أن من النصوص التفصيلية الدالة على خلافة على قوله صلى الله عليه وسلم لعلى: أنت أخي ووصيى وخليفتى وقاضى دينى ـ أي بكسر الدال، وقوله: أنت سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، وقوله: سلموا على على بإمرة الناس.
وجوابها: مر مبسوطا قبيل الفصل الخامس ومنه أن هذه الأحاديث كذب باطلة موضوعة مفتراة عليه صلى الله عليه وسلم ألا لعنة الله على الكاذبين، ولم يقل أحد من أئمة الحديث أن شيئا من هذه الأكاذيب بلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها بل كلهم مجمعون على أنها محض كذب وافتراء، فإن زعم هؤلاء الجهلة الكذبه على الله ورسوله وعلى أئمة الإسلام ومصابيح الظلام أن هذه الأحاديث صحت عندهم، قلنا لهم هذا محال في العادة إذ كيف تتفردون بعلم صحة تلك مع أنكم لم تتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث، ويجهل ذلك مهرة الحديث وسباقه الذين أفنوا أعمارهم في الأسفار البعيدة لتحصيله وبذلوا جهدهم في طلبه وفى السعى إلى كل من ظنوا عنده شيئاً منه حتى جمعوا الأحاديث ونقبوا عنها وعلموا صحيحها من سقيمها، ودونوها في كتبهم على غاية من الاستيعاب ونهاية من التحرير، وكيف والأحاديث الموضوعة جاوزت مئات الألوف وهم مع ذلك يعرفون واضع كل حديث منها وسبب وضعه الحامل لواضعه على الكذب والافتراء على نبيه صلى الله عليه وسلم، فجزاهم الله خير الجزاء وأكمله إذ لولا حسن صنيعهم هذا لاستولى المبطلون والمتمردون المفسدون على الدين وغيروا معالمه وخلطوا الحق بكذبهم حتى لم يتميز عنه، فضلوا وأضلوا ضلالاً مبيناً، لكن لما حفظ الله على نبيه صلى الله عليه وسلم شريعته من الزيغ والتبديل بل والتحريف، وجعل من أكابر أمته في كل عصر طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم لم يبال الدين بهؤلاء الكذبة البطلة الجهلة، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: تركتكم على الواضحة البيضاء ليلها كنهارها ونهارها كليلها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك، ومن عجيب أمر هؤلاء الجهلة أنا إذا استدللنا عليهم بالأحاديث الصحيحه الدالة صريحاً على خلافة أبى بكر كخبر: اقتدوا باللذين من بعدى وغيره من الأخبار الناصة على خلافته التي قدمتها مستوفاة في الفصل الثالث قالوا: هذا خبر واحد فلا يغنى فيما


يطلب فيه التعيين، وإذا أرادوا أن يستدلوا على ما زعموه من النص على خلافة على أتوا بأخبار تدل لزعمهم كخبر من كنت مولاه، وخبر: أنت منى بمنزلة هارون من موسى مع أنها آحاد وإما بأخبار باطلة كاذبة متيقنه البطلان واضحة الوضع والبهتان لا تصل إلى درجة الأحاديث الضعيفة التي هي أدنى مراتب الآحاد، فتأمل هذا التناقض الصريح والجهل القبيح، لكنهم لفرط جهلهم وعنادهم وميلهم عن الحق يزعمون التواتر فيما يوافق مذهبهم الفاسد، وإن أجمع أهل الحديث والأثر على أنه كذب موضوع مختلق، ويزعمون فيما يخالف مذهبهم أنه آحاد، وإن اتفق أولئك على صحته وتواتر رواته تحكماً وعناداً وزيغاً عن الحق، فقاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم!.
أنت مني بمنزلة هارون من موسى



قال الرافضي: الثالث: قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. أثبت له ((عليه السلام)) جميع منازل هارون من موسى عليه السلام للاستثناء. ومن جملة منازل هارون أنه كان خليفة لموسى، ولوعاش بعده لكان خليفة أيضا، وإلا لزم تطرّق النقض إليه، ولأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغَيْبَة، أَوْلى بأن يكون خليفته)).
والجواب: أن هذا الحديث ثبت في الصحيحين بلا ريب وغيرهما، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ذلك في غزوة تبوك. وكان - صلى الله عليه وسلم - كلما سافر في غزوة أوعُمرة أوحج يستخلف على المدينة بعض الصحابة، كما استخلف على المدينة في غزوة ذى أمَّر عثمان، وفي غزوة بني قَيْنُقاع بشير بن عبد المنذر، ولما غزا قريشا ووصل إلى الفُرْع استعمل ابن أم مكتوم، وذكر ذلك محمد بن سعد وغيره.
وبالجملة فمن المعلوم انه كان لا يخرج من المدينة حتى يستخلف. وقد ذكر المسلمون من كان يستخلفه، فقد سافر من المدينة في عُمرتين: عُمرة الحديبية وعُمرة القضاء. وفي حجة الوداع، وفي مغازيه - أكثر من عشرين غزاة - وفيها كلها استخلف، وكان يكون بالمدينة رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه، فلما كان في غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلف عنها، وهي آخر مغازيه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان، أومن هومعذور لعجزه عن الخروج، أوهومنافق، وتخلّف الثلاثة الذين تِيب عليهم، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم، كما كان يستخلف عليهم في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه.
وفي كل مرة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك، فكان كل استخلاف قبل هذه يكون على أفضل ممن استخلف عليه عليًّا. فلهذا خرج إليه عليٌّ رضي الله عنه يبكي، وقال: أتخلّفني مع النساء والصبيان؟
ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون، لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده.
وأما استخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجميع العسكر كان معه، ولم يُخَلَّف بالمدينة - غير النساء والصبيان إلا معذورٌ أوعاصٍ.
وقول القائل: ((هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا)) هوكتشبيه الشيء بالشيء. وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دلَّ عليه السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء. ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الأسارى لمّا استشار أبا بكر، وأشار بالفداء، واستشار عمر، فأشار بالقتل. قال: ((سأخبركم عن صاحبيكم. مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1)،ومثل عيسى إذ قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (2). ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى اْلأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (3)، ومثل موسى إذ قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ اْلأَلِيمَ} (4) (5).
فقوله هذا: مثلك مثل إبراهيم وعيسى، ولهذا: مثل نوح وموسى - أعظم من قوله - أنت مني بمنزلة هارون من موسى؛ فإن نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى أعظم من هارون، وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء، لكن فيما دلّ عليه السياق من الشدة في الله واللين في الله.
وكذلك هنا إنما هوبمنزلة هارون فيما دلّ عليه السياق، وهواستخلافه في مغيبه، كما استخلف موسى هارون. وهذا الاستخلاف ليس من خصائص عليّ، بل ولا هومثل استخلافاته، فضلا عن أن يكون أفضل منها.
__________
(1) الآية 36 من سورة إبراهيم.
(2) الآية 118 من سورة المائدة.
(3) الآية 26 من سورة نوح.
(4) الآية 88 من سورة يونس.
(5) انظر صحيح مسلم ج3 ص 1383 - 1385.
وأما إذا كان التخصيص لسبب يقتضيه، فلا يُحتج به باتفاق الناس. فهذا من ذلك؛ فإنه إنما خصَّ عليًّا بالذكر لأنه خرج إليه يبكي ويشتكي تخليفه مع النساء والصبيان.
ومن استخلفه سوى عليّ، لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصا، لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام. والتخصيص بالذكر إذا كان لسبب يقتضي ذاك لم يقتض الاختصاص بالحكم، فليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى.
وقول القائل: إنه جعله بمنزلة هارون في كل الأشياء إلا في النبوة باطل؛ فإن قوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)) دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيّب قلبه لِمَا توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته، فقال هذا على سبيل الجبر له.
وقوله: ((بمنزلة هارون من موسى)) أي مثل منزلة هارون، فإن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره، وإنما يكون له ما يشابهها، فصار هذا كقوله: هذا مثل هذا، وقوله عن أبي بكر: مثله مثل نوح وموسى.
ومما يبين ذلك أن هذا كان عام تبوك، ثم بعد رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر أميراً على الموسم، وأردفه بعليّ، فقال لعليّ: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، فكان أبوبكر أميراً عليه، وعليّ معه كالمأمور مع أميره: يصلّي خلفه، ويطيع أمره وينادي خلفه مع الناس بالموسم: ألا َ لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان.
وأما قوله: ((لأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغيبة أَوْلى بأن يكون خليفته)).
فالجواب: أنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير عليّ استخلافاً أعظم من استخلاف عليّ، واستخلف أولئك عَلَى أفضل من الذين استخلف عليهم عليًّا، وقد استخلف بعد تبوك على المدينة غير عليّ في حجة الوداع، فليس جعل عليّ هوالخليفة بعده لكونه استخلفه على المدينة بأَوْلى من هؤلاء الذين استخلفهم على المدينة كما استخلفه، وأعظم مما استخلفه، وآخر الاستخلاف كان عَلَى المدينة كان عام حجة الوداع، وكان عليّ باليمن، وشهد معه الموسم، لكن استخلف عليها في حجة الوداع غير عليّ.
فإن الأصل بقاء الاستخلاف، فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أولى من بقاء استخلاف من استخلفه قبل ذلك.


وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائص عليّ، ولا تدل على الأفضلية ولا على الإمامة، فقد استخلف عدداً غيره. ولكن هؤلاء جهَال يجعلون الفضائل العامة المشتركة بين عليّ وغيره خاصة بعليّ وإن كان غيره أكمل منه فيها، كما فعلوا في النصوص والوقائع.
حديث المنزلة



حديث (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنَّه لا نبي بعدي).
الجواب من وجوه:
أولاً: استخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًّا على المدينة في غزوة تبوك وهذا أمر معتاد له - صلى الله عليه وسلم - أن يستخلف على المدينة أحدًا من أصحابه، لكن لمَّا استخلفه طعن المنافقون فيه، فلحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يشكوإليه طعن المنافقين فسلاَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فرجع.
ثانيًا: تمثيله له بهارون أخي موسى في الاستخلاف المؤقت فإنَّ هارون كان خليفة لموسى عندما ذهب موسى لميقات ربه ثمَّ انتهى الاستخلاف بعد رجوع موسى ولم يَخلُف هارونُ موسى بعد موته لأنَّه مات قبل موسى.
ثالثًا: هذا الاستخلاف قد انقطع، بعد عودته - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إلى اليمن مع معاذ وأبي موسى الأشعري (1)، وقد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلف على المدينة شخصًا آخر فدلَّ على أنَّ ذلك الاستخلاف قد انقطع.


رابعًا: فأين الدليل في هذا الحديث على أنَّه إمام بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟!
أنت مني بمنزلة هارون من موسى



... قال المؤلف ص174 في معرض ذكره الأحاديث التي ذكر أنها توجب اتباع علي:
«ب-حديث: (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).
... وهذا الحديث كما لا يخفى على أهل العقول فيه ما فيه من اختصاص أمير المؤمنين علي بالوزارة، والوصاية، والخلافة... وفيه أيضاً أن الإمام علياً هوأفضل الصحابة، والحديث كما هومعلوم مجمع عليه بين المسلمين».
... قلت: أما الحديث فصحيح، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما (1) وهومن فضائل علي -- رضي الله عنه -- ولهذا ذكره العلماء في مناقبه.
... وأما ما ادعاه الرافضي من الدلالة على اختصاص علي بالوزارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1)... صحيح البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي... طالب... )، فتح الباري 7/ 71، ح376، وصحيح مسلم: (كتاب فضائل... الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب... ) 4/ 187، ح244،... والمسند للإمام أحمد 6/ 438، 6/ 369.
والوصاية والخلافة فغير صحيح، فليس في الحديث أي دلالة على ما ذكر، وذلك أن هذا الحديث قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي عندما أراد الخروج إلى غزوة تبوك، وكان قد استخلفه على المدينة بعد أن استنفر الناس للخروج معه، فلم يبق بالمدينة إلا النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، فشق ذلك على علي، فجاء للنبي وقال له: أتخلفني في النساء والصبيان. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. (1)
... وقيل: إن بعض المنافقين قال: إنما خلفه لأنه يبغضه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك (2)، ومعلوم من السيرة أن هذا الاستخلاف لم يكن خاصاً بعلي، فقد استخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة غيره عندما كان يخرج غازياً أوحاجاً أومعتمراً، فقد استخلف في غزوة بدر: عبد الله ابن
أم مكتوم، واستخلف في غزوة بني سليم: سباع بن عُرفطة الغفاري، أوابن أم مكتوم على اختلاف في ذلك، واستخلف في غزوة السويق: بشير بن عبد المنذر، واستعمل على المدينة في غزوة بني المصطلق:
أبا ذر الغفاري، وفي غزوة الحديبية: نُمَيْلَةَ بن عبد الله الليثي كما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1)... جاء توضيح ذلك في بعض روايات الحديث، انظر: صحيح البخاري:... (كتاب المغازي، باب غزوة تبوك)، فتح الباري 8/ 122، ح4416،... وصحيح مسلم بحسب ما جاء في الإحالة السابقة.
(2)... انظر: تاريخ الطبري 3/ 13 - 14، والبداية والنهاية لابن كثير 5/ 7.
استعمله أيضاً في غزوة خيبر، وفي عمرة القضاء استعمل: عويف بن الأضبط الديلي، وفي فتح مكة: كلثوم بن حصين بن عتبة الغفاري، وفي حجة الوداع: أبا دجانة الساعدي ذكر هذا ابن هشام في مواطن متفرقه من السيرة (1) وهذا مما يدل على عدم اختصاص علي بالاستخلاف، وأنه قد شاركه في ذلك جمع من الصحابة، وبالتالي تبطل مزاعم الرافضة التي يعلقونها على هذا الحديث، كدعوى الوصية لعلي وأنه أفضل الصحابة.
... وقد نبه العلماء قديماً على هذا، وردوا على الرافضة في احتجاجهم بهذا الحديث، وأن غاية ماتضمنه هوتشبيه النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلافه لعلي، باستخلاف موسى لهارون في حال غيبته، تطييباً لنفس علي، وإظهاراً لكرامته عنده، دون ما بنته الرافضة على الحديث من أوهام باطلة، لا يحتملها لفظ الحديث ولا مناسبته.
... يقول الإمام أبونعيم: «فإن قال: [أي: الرافضي] قد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) قيل له: كذلك نقول في استخلافه على المدينة في حياته بمنزلة هارون من موسى، وإنما خرج هذا القول له من النبي - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك إذ خلفه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1)... انظر السيرة النبوية لابن هشام 2/ 65،84،86،... 3/ 1113،1133،1154،1197، 4/ 1241،1457.
بالمدينة، فذكر المنافقون أنه ملّه وكره صحبته، فلحق بالرسول - صلى الله عليه وسلم -
فذكر له قولهم فقال: (بل خلفتك كما خلف موسى هارون)، فإن قال الطاعن: لم يرد استخلافه على المدينة قيل له: هل شاركه في النبوة كما شارك هارون موسى، فإن قال: نعم كفر، وإن قال: لا، قيل له فهل كان أخاه في النسب فإن قال: نعم كذب، فإذا بطلت أخوة النسب ومشاركة النبوة فقد صح وجه الاستخلاف، وإن جعل استخلافه في حياته على المدينة أصلاً، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يستخلف في كل غزاة غزاها غيره من أصحابه، كابن أم مكتوم، وخفاف بن إيماء بن رخصة وغيرهما من خلفائه». (1)
... وقال النووي: «وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعلي ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أومثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، بل توفي في حياة موسى، وقبل وفاة موسى بنحوأربعين سنة على ما هومشهور عند أهل الأخبار والقصص، قالوا وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة». (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1)... الإمامة والرد على الرافضة ص221 - 222.
(2)... شرح صحيح مسلم 13/ 174.
... وقال ابن حزم بعد أن ذكر احتجاج الرافضة بالحديث: «وهذا
لا يوجب له فضلاً على من سواه، ولا استحقاق الإمامة بعده
-- عليه السلام -- لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى عليهما السلام، وإنما ولي الأمر بعد موسى -- عليه السلام -- يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة، وإذا لم يكن على نبياً كما كان هارون نبياً، ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل فصح أن كونه -- رضي الله عنه -- من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة هارون من موسى إنما هوفي القرابة فقط، وأيضا فإنما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك... ثم قد استخلف -- عليه السلام -- قبل تبوك، وبعد تبوك في أسفاره رجالاً سوى علي -- رضي الله عنه --، فصح أن هذا الاستخلاف لايوجب لعلي فضلاً على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين». (1)
... وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في سياق رده على الرافضة في استدلالهم بهذا الحديث: «وقول القائل هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هوكتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1)... الفصل 4/ 159 - 16.
السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء... وكذلك هنا هوبمنزلة هارون، فيما دل عليه السياق، وهواستخلافه في مغيبه كما استخلف
موسى هارون، وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي، بل ولا هومثل استخلافاته، فضلاً أن يكون أفضل منها، وقد استخلف مَنْ علي أفضل منه في كثير من الغزوات، ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المُسْتخلَف على عليّ إذا قعد معه، فكيف يكون موجباً لتفضيله على عليّ؟
... بل قد استخلف على المدينة غير واحد، وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف عليّ، بل كان ذلك الاستخلاف يكون على أكثر وأفضل ممن استخلف عليه عام تبوك وكانت الحاجة إلى الاستخلاف أكثر، فإنه كان يخاف من الأعداء على المدينة، فأما عام تبوك فإنه كان قد أسلمت العرب بالحجاز، وفتحت مكة وظهر الإسلام وعزّ، ولهذا أمر الله نبيه أن يغزوأهل الكتاب بالشام، ولم تكن المدينة تحتاج إلى من يقاتل بها العدو، ولهذا لم يدع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند عليّ أحداً من المقاتلة، كما كان يدع بها في سائر الغزوات بل أخذ المقاتلة كلهم معه». (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1)... منهاج السنة 7/ 33 - 332، وانظر: أيضاً 5/ 34 من الكتاب نفسه،... ومجموع الفتاوى 4/ 416.
... وقال ابن حجر في شرح الحديث: «واستدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة، فإن هارون
كان خليفة موسى وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته لأنه مات قبل موسى باتفاق أشار إلى ذلك الخطابي.
... وقال الطيبي: معنى الحديث أنه متصل بي نازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه مبهم بينه بقوله: (إلا أنه لا نبي بعدي) فعرف أن الاتصال المذكور بينهما، ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها، وهوالخلافة، لما كان هارون المشبه به، إنما كان خليفة في حياة موسى، دل ذلك على تخصيص خلافة علي للنبي - صلى الله عليه وسلم - بحياته والله أعلم». (1)
... فهذه أقوال العلماء المحققين كلها دائرة على معنى واحد
وهوعدم اختصاص علي -- رضي الله عنه -- بهذا الاستخلاف ولا بشيء مما تدعيه الرافضة فيه من الوصية أوالأفضلية على غيره، وأن تشبيه
النبي - صلى الله عليه وسلم - له بهارون ليس من كل وجه، فقد دل النص على نفي
النبوة، ودل الواقع على نفي الاستخلاف بعد الممات؛ كما هومعلوم من حال المشبه به وهوهارون لموته في حياة موسى، فلم يبق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1)... فتح الباري 7/ 74.


إلا الاستخلاف في الحياة في حال الغيبة، وهذا أمر لانزاع فيه لكنه ليس من خصائص علي، فالرافضة لا تنتفع منه بشيء في تقرير عقيدتها إلا وهوثابت في حق غير علي من المستخلفين الذين تقدم ذكرهم.
حديث المنزلة



وقوله في الفقرة الثانية: (ولا يخفى ما فيه من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على أنّ علياً وليّ عهده وخليفته من بعده) باطلٌ مردود، إذ قد بينا عدم ثبوت الحديث. مع أن معظم ما جاء فيه لا يختصّ به عليّ بل يشاركه فيه غيره من الصحابة أوجميع المؤمنين بالله ورسوله، كقوله: (يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، فإنّ من المعلوم أنّ كل مؤمن ومؤمنة حتى تقوم الساعة يحب الله ورسوله، وكذا فإنّ الله يحب المؤمنين كلهم وهووليّهم كلهم كما قال: {الله وليّ الذين آمنوا} فبان بهذا أن لا اختصاص لعليّ رضي الله عنه بأي شيء مما ذكر وإنما عُدّت من فضائله لإقرار النبي صَلّى الله عليه وسلّم بها وبيان صدق عليّ رضي الله عنه فيها، وأيضاً فإن الولاية في الدنيا والآخرة ثابتة لجميع المؤمنين كما قال تعالى: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. ثم استدلّ هذا الموسوي على مطلوبه بحديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) وما اتبع ذلك من الآيات، ومن حماقاته أنه قال: (ولم يستثن من جميع المنازل إلا النبوة واستثناؤها دليل على العموم) وسنبين ما في هذا من الباطل إن شاء الله فنقول وبالله التوفيق:
قد كأنت لهارون من موسى عليهما السّلام منازل: الأول أنه أخوه، والثاني كان شريكه في النبوة: والثالث انه خلفه في قومه لما توجّه لميقات ربه، وكما هوواضح فليس منها أبداً- ولله الحمد- أنه خلفه بعد موته لأن هارون مات قبل موسى بسنين وإنّما خلف موسى بعد موته يوشع بن نون، قال الإمام ابن حزم في (الفصل) (4/ 94) عن ما لعليّ في هذا الحديث: (وهذا لا يوجب له فضلاً عن من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده عليه السّلام لأن هارون لم يلِ أمر بني إسرائيل بعد موسى عليهما السّلام وإنما ولي الأمر بعد موسى عليه السّلام يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السّلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة) إ. ه.
وهذا الأحمق الموسوي لم يستثن من تلك المنازل سوى النبوة وقال إنها تعني العموم، وتكون نتيجة قوله أن علياً أخورسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، لأنه لم يستثن الأخوة وعملاً بالعموم الذي قاله هذا الأحمق. ونحن نقول أنه لا يجوز أن يكون النبي صَلّى الله عليه وسلّم عنى بقوله هذا انك أخي لأبي وأمي، ولا انك تخلفني بعد موتي لأن هذه المنزلة لم تكن لهارون من موسى أبداً، فثبت إذن أنه أراد: إنك خليفتي على المدينة فقط عند توجّهي إلى هذه الغزوة، غزوة تبوك.
فثبت أن الفضيلة لعليّ رضي الله عنه في هذا الحديث إنما هي في هذا الإستخلاف المؤقت فقط ولله الحمد، وكل ما يمكن أن تدّعيه الشيعة من فضائل عليّ من هذا الحديث هواستخلافه المذكور هذا، وتشبيهه بهارون عليه السّلام، ونحن نجيب عن ذلك بأن هذا الإستخلاف لم يكن خاصاً بعليّ رضي الله عنه، فقد استخلف رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم أبا لبابة بن عبد المنذر لما سار النبي صَلّى الله عليه وسلّم لغزوة بدر، واستخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه لما خرج لغزوة ذات الرقاع، واستخلف ابن أم مكتوم لما خرج لحرب بني النضير، واستخلف أيضاً أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري لما خرج رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم لفتح مكة، وهذا كله ثابت في (السيرة)، وهوكله ليس استخلافاً مطلقاً ولهذا لم يقل في أحد من هؤلاء أنه خليفة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم إلا مع التقييد، مع العلم إن استخلاف هؤلاء كان أكبر من استخلاف عليّ لما خرج لغزوة تبوك فإن أولئك كانوا يستخلفون على المدينة وفيها جماهير المؤمنين، ولما استخلف عليها عليّ في غزوة تبوك لم يكن فيها إلاّ النساء والصبيان والعجزة حتى حزن عليّ لذلك وعدّه منقصةً له خصوصاً وقد طعن به المنافقون لذلك فطيّب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم نفسه بذلك. فكما أن استخلاف الآخرين لم يوجب لهم فضلاّ على غيرهم ولا ولاية الأمر بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم فكذلك استخلاف عليّ لا يوجب له أيّاً من ذلك.
وأما عن فضيلة تشبيهه بهارون عليه السّلام فليس هوبأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى عليهما السّلام. وتشبيه عمر بنوح وموسى عليهما السّلام وذلك فيما رواه الإمام أحمد (1/ 383)، والترمذي (3/ 37) (4/ 113)، والحاكم في (المستدرك) (3/ 21 - 22) وصححه من حديث ابن مسعود في قصة أسرى بدر وهؤلاء الأربعة إبراهيم وعيسى نوح وموسى أفضل من هارون عليهم السّلام أجمعين، وكل من أبي بكر وعمر شبّه باثنين لا بواحد فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه عليّ.
وأحب أن أشير إلى أن حديث تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى وتشبيه عمر بنوح وموسى قد رواه الأعمش وهوممن عنده تشيّع وقد ذكره هذا الموسوي من الرواة المئة السابقين برقم (39) وأقرّ بثقته، وقد رواه عن الأعمش أبومعاوية الضرير محمّد بن خازم وجرير بن عبد الحميد وكلاهما عنده تشيّع وقد ذُكرا أيضاً ضمن أولئك الرواة المئة، فلا حجة لهذا الموسوي ولا لأصحابه بردّ هذا الحديث فهومن طريق رواة أقروا بثقتهم وبما عندهم من تشيع، والحمد لله رب العالمين.
ثم ما قرره هذا الموسوي من كون عليّ شريك رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في أمره ما خلا النبوة، وما استنتجه من ذلك كله هراء وسخف، وكما قال الإمام أبومحمّد بن حزم لولم يكن من الحجة على أن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء ويزين لكل أمة عملها إلا وجود من يعتقد هذه الأقوال السخيفة لكان أقوى حجة وأوضح برهان وإلا فما خلق الله عقلاً يسع فيه مثل هذه الحماقات، والحمد لله على عظيم منّته علينا وهوالمسؤول منه دوامها وهوحسبنا ونعم الوكيل.
وسياق الآيات لا يساعده أبداً كما لا يخفى على العقلاء دون المجانين، لكني أظن أنه يشير إلى حديث كذب لا يعجز عن وضع أمثاله المبطلون ممن هم أكذب الطوائف على الإطلاق الذين يبنون دينهم على الكذب والنفاق، ذلك الحديث الذي ذكر طرفاً منه في (ص17) (المراجعة-34 - ) وما استحى من أن ينسبه في الهامش (25) هناك إلى تفسير الثعلبي الذي لم يره هذا الموسوي ولا أحد من أقرانه إذ هوغير مطبوع، لكنّه نقله من سلفه ابن المطهر الحلي وفيه ان النبي صَلّى الله عليه وسلّم دعا لعليّ بن أبي طالب مثل دعاء موسى لهارون عليها السّلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- (المنتقى) (ص482) -: علماء الحديث يعلمون وضع هذا بالضرورة إ. ه. قلت: وهؤلاء الرافضة لا يقدرون على الإتيان بإسناد واحدٍ صحيح لهذا الذي يزعمونه ونحن نتحداهم به، وإلا لما تعمّد هذا المفتري الموسوي عزوه إلى تفسير لم يُطبع رغبةً في إخفاء حقيقته. وقد أشار إلى هذا الحديث أيضاً السيوطي في (الدر المنثور) (5/ 566) وقال- رغم تساهله الشديد وقلة عنايته- (بسندٍ واهٍ) وهذا شأن من بنى مذهبه على الظنون التخرصات.
وخرافة أن علياً كان شريك رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في الأمر ما خلا النبوة تعني أنه صَلّى الله عليه وسلّم ما كان مستقلاً بأمر الأمة في حياته منذ بداية بعثته صَلّى الله عليه وسلّم، فإذا كان كذلك كيف لم يعلمه عليّ رضي الله عنه حتى أخبر بذلك في آخر غزوة غزاها رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم؟ وإذا كأنت مشاركته في الأمر حصلت عند غزوة تبوك لا قبلها فما الفائدة منها وقد انقضت سيرة محمّد صَلّى الله عليه وسلّم إلا قليلاً؟ ثم ما الذي يمنع أن يكون عليّ وزيراً لمن يخلف النبي صَلّى الله عليه وسلّم أيضاً كأبي بكر رضي؟ أليس هذا ما تقتضيه الوزارة؟ وما علمنا بوزير انقلب فصار ملكا أونحوه إلا الغادرين.
ثم قوله: (وهذا نص صريح في كونه خليفته، بل نص جليّ في أنه لوذهب ولم يستخلفه كان قد فعل ما لا ينبغي أن يفعل) ما تقول يا أحمق في خروج عليّ رضي الله عنه مع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في باقي غزواته مثل بدر وأحد والخندق وغيرها من المشاهد وما تقول في خروجهما في حجة الوداع؟ فقد خرج معه، فهل تقول عن فعل النبي صَلّى الله عليه وسلّم هذا انه مما لا ينبغي له أن يفعل؟ والله هوالكفر بعينه، فلعنة الله على الظالمين.
وإنما وقع هذا الموسوي في مثل هذا لحماقته وضلال مذهبه، فنحمد الله على الهداية ونسأله تمامها. وقد بينا كذب هذا الحديث الذي استدل به (إنّه لا ينبغي أن اذهب إلا وأنت ... ) مع ما فيه من الخطأ اللغوي، والله أعلم. ومثله الحديث الآخر في نفس القصة: (إن المدينة لا تصلح إلا بي وبك) وهوكذب أيضاً ذكره في الموضوعات غير واحد كابن الجوزي (1/ 357) والكناني في (تنزيه الشريعة) (1/ 382)، ورواه ابن حبان في (المجروحين) (1/ 285) من طريق حفص بن عمر الأبلي، وقد كذّبه أبوحاتم وغيره، وقال ابن حبان عن الحديث باطل، في سنده حفص وهوكذاب. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن بكير الغنوي عن حكيم بن جبير وصححه فأفحش، إذ تعقّبه الذهبي- جزاه الله خيراً- بأن عبد الله هذا وحكيم ضعيفان عندهما مناكير.
مع مخالفة كلا الحديثين لما ثبت من خلوالمدينة مرات عديدة من النبي صَلّى الله عليه وسلّم وعليّ رضي الله عنه، الأمر الذي يبين كذب هذا الحديث.
وسائر ما ذكره هذا الموسوي في هذه المراجعة مثل قوله تعالى {يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك} وكل ما شاغب به أيضاً تقدم منا الرد عليه بحمد الله عند ذكره لهذه الآية في (المراجعة-12 - ) فراجع ما قلناه في (ص155 - 157) ففيه الرد- إن شاء الله- الذي يُخرس أمثال هذا الموسوي.
المراجعة (27): س:
تشكيك شيخ الأزهر بسند الحديث اعتماداً على ما نُسب إلى الآمدي.
المراجعة (28): ش:
ذكر حديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ومخرجيه.
زعمه الرد على الآمدي في تضعيفه هذا الحديث.
الرد على المراجعة (28):
بيان التدليس الشنيع في سوقه هذا الحديث بعد حديث ابن عباس السابق، مع التشكيك في ثبوت رد الآمدي للحديث.
الإشارة إلى الزيادات الموضوعة من قبل الرافضة في حديث المنزلة هذا.
تكلّم في هذه المراجعة على صحة قول النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى) وبيان ثبوته، وقد سمّاه حديث المنزلة، ولم يتأكد لي تشكيك الآمدي به ولا تطمئن النفس لنقل هذا الموسوي لما قدمنا من انعدام الأمانة عنده، وعلى أي حال فإن كان هذا الموسوي يعني بحديث المنزلة ذاك الذي ساق لفظه في (المراجعة-26 - ) الذي فيه بضع عشرة من الفضائل لعليّ ومنها هذه الفضيلة فهوباطل مردود ومنكر كما قلنا ولا يمكن هذا الموسوي إثباته حتى يلج الجمل في سم الخياط. لكن الظاهر أنه يعني هذا اللفظ الذي ذكرناه فقط ليس غيره. وإن كان قد دلّس تدليساً شنيعاً إذ ساقه بعد ذكره تلك الألفاظ فهوصحيح ثابت عند أهل السّنّة، وذكر هذا الموسوي له هنا بين هذه الأحاديث الموضوعة كمثل من يلقي درة بين بعر.
واعلم أن هذا الحديث قد وردت له زيادات عديدة من صنع هؤلاء الرافضة وأذنابهم كشأنهم في ما صحّ من فضائل عليّ رضي الله عنه كلها لا يكتفون بالحق وإن جاءهم حتى يخلطوه بالباطل ويشوّهوه، وأما هذا الحديث فلم يصح منه سوى هذا اللفظ الذي ذكرناه أولاً وزيادة (إلاّ أنه لا نبيّ بعدي) وما سوى ذلك فباطل موضوع أومنكر مردود لم يثبته أحد من أهل العلم، ولا يغفلنّ أحد عن إن هذا الموسوي حأول التسوية بين كل ألفاظ الحديث مستعملاً صحة ما ثبت منه لإثبات ما يريده من الزيادات الباطلة، ونحن إذ نوافقه على ثبوت هذا الحديث والذي قال به أهل العلم نقصد به اللفظ الذي ذكرناه فقط دون أية زيادات أخرى وعليه سنتكلّم فيما بعد إن شاء الله.
لكن أحب أن أنبّه إلى أن هذا الحديث جاء من طريق معاوية رضي الله عنه نعم لكن ليس هوفي مسند الإمام أحمد كما ادعى هذا الموسوي لذا تراه لم يذكر موضعه من (المسند) في الهامش لعدم وجود فيه وإنما نقله من (الصواعق المحرقة) لابن حجر، وأظن أن حديث معاوية قد رواه ابن عساكر فيما ذكره ابن كثير في (البداية والنهاية) (7/ 34 - 341).
ثم إن هذا الرافضي البغيض قد نبز معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بالسوء ووصفه بالوقاحة في عدوانه واتّهم بأنه لعن عليّاً وأمر بلعنه، وهوباطل لا شك فيه، وما هذه بأول أكاذيب الشيعة على معاوية رضي الله عنه، فإنّ لعن علي رضي الله عنه إنما كان بعد معاوية في خلافة مروان ابن الحكم حتى أزاله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وحديث صحيح مسلّم الذي ساقه وفيه قول معاوية لسعد: (ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟) ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبّه كما بينه النووي في (شرح مسلّم) (15/ 175) وقال: (وإنما سأله عن السّبب المانع له من السّب كأنه يقول هل امتنعت تورّعا أوخوفاً أوغير ذلك فإن كان تورّعاً وأجلالاً له عن السّبّ فأنت مصيب محسن وإن كان غير ذلك فله جواب آخر ولعلّ سعداً قد كان في طائفة يسبّون فلم يسبّ معهم وعجز عن الإنكار وأنكر عليهم فسأله السؤال) إ. ه. ثم كون معاوية رضي الله عنه وأصحابه هم الفئة الباغية لا يوجب ذلك فسقهم أوكفرهم، فإن الله تعالى قال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوالتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم} فقد جعلهم مع وجود الإقتتال والبغي مؤمنين اخوة، بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين. ثم إن كل باغٍ إما أن يكون متأولا أوغير متأول، فإن كان متأولاً فغايته أن يكون مجتهداً مخطئاً وخطؤه مغفور له بنص القرآن والحديث، وإذا لم يتبين له أنه باغٍ بل اعتقد أنه على الحق- وإن كان مخطئاً في إعتقاده- لم تكن تسميته باغياً موجبة لإثمه فضلاً عن أن توجب فسقه أوكفره، وكان الأمر بقتاله لدفع ضرر بغيه لا عقوبة له مع بقاء عدالته، وإنما الواجب منع عدوانه بقتاله كما يمنع الصبي والمجنون من العدوان أن لا يصدر عنهم مع عدم تحمله للإثم في ذلك.
وإن كان باغياً غير متأول فغايته أن يكون بغيُه ذنباً، والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة كالحسنات الماحية والمصائب المكفّرة وغير ذلك خصوصاً إذا كان من خير القرون كمعاوية رضي الله عنه.
هذا فصل الأمر في المسألة وعليه تدل آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صَلّى الله عليه وسلّم، والحمد لله رب العالمين.
المراجعة (29): س:
إعتراض شيخ الأزهر بأن الحديث مخصوص بمورده (وهذا التلفيق على شيخ الأزهر مرأوغة من عبد الحسين لصرف النظر عن جواب أهل السّنّة الصحيح).
المراجعة (3): ش:
جوابه بما لا طائل تحته في تحقيق عموم الحديث وعدم اختصاصه بمورده.
زعمه مجيء هذا الحديث في موارد أخرى.
الرّد على المراجعة (3):
مع تطبيق ما قاله من عموم الحديث فإنّه لا دليل فيه على المدعى.
الإشارة الإجمالية إلى عدم ورود هذا الحديث في غير غزوة تبوك مع أنه ورد فيها مخصوصاً أيضاً.
أجاب في هذه المراجعة بما لا طائل تحته ولا حاجة له به، فإن أحداً من أهل السّنّة لم يردّ على الشيعة استدلالهم بهذا الحديث بدعوى أنه لا يفيد العموم أوأنه عام مخصوص، وإنما هذا أمر تخيّله هذا الموسوي واصطنعه من قبل نفسه فأورده في مراجعاته، وهوبصنيعه هذا يريد صرف النظر عن جواب أهل العلم الصحيح عن استدلال الشيعة به.
وحتى لا نبقي للشيعة أي حجة فيه- إن شاء الله- نقول لهم تعالوا فلنطبّق ما قاله صاحبكم الموسوي هذا وما أجلب بخيله ورجليه عليه: فلنقل بعموم المنزلة المذكورة في الحديث ولنرى هل إن ذلك في الإمكان؟ وقد سبق قولنا بأن لهارون من موسى عليهما السّلام منازل منها أنه أخوه، وهذا طبعاً لا يمكن انطباقه على عليّ رضي الله عنه فإن الأخوة هنا هي إخوة النسب من أب وأم وهوما لا يحلم به الشيعة بقوله وادعائه والحمد لله، والمنزلة الأخرى أنه نبي معه وهذا أيضاً منتفٍ في حق عليّ ولم تبقَ من تلك المنازل سوى خلافته له لما ذهب لميقات ربّه، وأنتهت هذه الخلافة بعودة موسى عليه السّلام، وهذا هوالذي يقوله أهل السّنّة وهومقتضى الحديث وغايته، ولا يسمى هذا تخصيصاً له بلا حجة فقد قدمنا لك عدم إمكان حمله على النبوّة ولا على الأخوة من النسب فلم يبقَ إلاّ هذا، وأيضاً ليس في تلك المنازل كما قلنا إن هارون خلف موسى بعد موته، فنحن نقول بعموم الحديث لكن ليس في عمومه إطلاقاً أنه خليفته بعد موته ولله الحمد حتى إذا ادعى الجهال إن من تلك المنازل وزارة هارون لموسى وشراكته له في أمره فليس في كل ذلك- على فرض صحته- ما يشير أدنى إشارة إلى خلافته بعد موته، وطبعاً لا يمكن أحداً أن يدّعي أن موسى أوصى لهارون في خلافته بعده. فها أنت ترى- بحمد الله- أنّا لا نردّ بتخصيصه بل مع قولنا بعمومه لا نرى فيه أية إشارة إلى إستخلاف عليّ بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم كما لم يكن ذلك من منازل هارون من موسى عليهما السّلام فلا يرد علينا قول هذا الموسوي إذن، ونظيره ما ذكره في الفقرة الثانية فهومردود من وجهين:
الوجه الأول: إن أحداً من أهل السّنّة لم يردّ على الشيعة في هذا الحديث بقصر لفظه على سبب وروده فهم أصحاب القاعدة المعروفة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، وقال الإمام الشافعي: (السبب لا يصنع شيئاً إنما تصنع الألفاظ)، وانظر (المسودة في أصول الفقه) (ص13). لكننا مع قولنا بعموم لفظه نؤكد على عدم دلالته على استخلاف عليّ بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم كما قدمنا ذلك وليس عند من يقوله إلاّ المكابرة والمعاندة.
الوجه الثاني: ما زعمه من مجيء هذا الحديث في غير غزوة تبوك باطل، وما هذه بأول أكاذيبه وادعاءاته الباطلة فلا يثبت ذلك عند أهل السّنّة كما سنبينه إن شاء الله في المراجعة القادمة عند سرد هذا الموسوي لتلك الأحاديث، وأما قوله بثبوتها في صحاحهم المتواترة- زعم- فلا دليل فيه بحمد الله على أهل السّنّة فضلاً على عدم امتلاكهم لما يسمّى بالصحاح المتواترة كما فصلنا ذلك في صفحة (16 - 18) بنقل قول حجّتهم الحالي الخوئي، فراجعه.
وأكثر من ذلك أنه ثبت في الحديث الصحيح أن إستخلاف النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ رضي الله عنه في غزوة تبوك ليس استخلافاً على المدينة كلها بل على أهل بيته فقط، أخرج ذلك ابن إسحاق في (السيرة) - أنظر (سيرة ابن هشام) (4/ 163) - ومن طريق ابن إسحاق أخرجها ابن أبي عاصم في (السنة) (1332) ونقلها ابن كثير في (البداية والنهاية) (5/ 7) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما نزل رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بالجرف لحقه عليّ ا بن أبي طالب يحمل سلاحه فقال: يا رسول الله خلفتني ولم أتخلّف عنك في غزوة قبلها وقد أرجف بي المنافقون وزعموا أنك إنما خلفتني إنك استثقلتني، قال: سعد: فسمعت رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يقول: (ألا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك) إ. ه. فهذا صريح في تقييد خلافته بأهل البيت رضي الله عنه، وجاء ذلك أيضاً من حديث عليّ رضي الله عنه نفسه عند أبي نعيم في (الحلية) (7/ 196) قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك: (خلفتك أن تكون خليفتي في أهلي) فأي وجه يبقى للشيعة فيه بعد هذا؟ ونحن لا نردّ على هذا الموسوي بنقض ادعائه في مجيء هذا الحديث في غير غزوة تبوك فسحب بل نورد ما فيه تخصيص حتى ما جاء في تلك الغزوة من خلافة علي في أهل البيت فقط، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
بقي أن ننبّه إلى أنً ما قرّره هذا الموسوي في الفقرة الثالثة من هذه المراجعات من (حجّية العام المخصوص) لم ينفرد هوبه ولا فضل له به فهذا مذهب جمهور الأصوليين من أهل السّنّة، بل ومن غير أهل السّنّة وهوالذي اختاره الآمدي وابن الحاجب وغيرهما من محققي المتأخرين، وانظر على سبيل المثال (إرشاد الفحول) (ص137)، وكلام هذا الموسوي هنا منقول من كتب الأصول حتى بما يضربه من الأمثال، وقد أورد هوهذه المسألة بما تخيّله من ردّ لا حقيقة له إذ لم يقل أحد من علماء أهل السّنّة ذلك في هذا الحديث فيما علمت، ولا أظن أحداً مثل شيخ الأزهر يعترض مثل هذه الإعتراضات الواهية ودونه كتب فحول أهل السّنّة في ردّهم على الشيعة في احتجاجهم بهذا الحديث، مع ما قدمنا من صحة تخصيص استخلاف عليّ رضي الله عنه في غزوة تبوك بأهل البيت في الحديث الآنف الذكر، والله الموفّق للصواب.
حديث يا أم سليم إنّ عليًاً لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهومني بمنزلة هارون من موسى

ضعيف لا يثبت وقد عزاه هذا الموسوي في (الهامش) (2/ 161) لكنز العمال ولمنتخب الكنز لكنه لم ينقل تخريج صاحب الكنز لهذا الحديث وهوقصور فاحش منه يريد به عدم الكشف عن ضعف هذا الحديث، إذ عزاه صاحب الكنز (32936) للعقيلي في (الضعفاء)، وهوبهذا العزويستغني عن بيان ضعفه كما بيّنه في مقدمة كتابه (1/ 1): إذ قال بعد ذكره للعقيلي هذا وابن عدي والخطيب وابن عساكر ما لفظه: (وكل ما عزي لهؤلاء الأربعة وللحكيم الترمذي في نوادر الأصول أوللحاكم في تاريخه أولابن الجارود في تاريخه أوللديلمي في مسند الفردوس فهوضعيف فسيتغنى بالعزوإليها أوإلى بعضها عن بيان ضعفه) إ. ه. من أجل هذا لم ينقل هذا الموسوي تخريج صاحب الكنز لهذا الحديث، وكتم بذلك علماً فله من الله ما يستحق. وأخرج هذا الحديث أيضاً الطبراني في (الكبير) (12341) عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكن ذكر فيه أم سلمة وليس أم سليم بنفس اللفظ هذا، وهولا يفرح به إذ هومن طريق محمد بن تسنيم عن الحسن بن الحسين العرني، ومحمد هذا هوالورّاق ذكره الذهبي في (الميزان) وقال: (ما أعرف حاله، لكنه روى حديثاً باطلاً).
والحسن العرني أيضاً ضعيف، قال أبوحاتم: لم يكن بصدوق عندهم كان من رؤساء الشيعة. وقال ابن حبان: يأتي عن الإثبات بالملزقات ويروي المقلوبات. قلت: ومنها هذا الحديث، وبه أعلّ الحديث، وضعفه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/ 111) فهوإذن ضعيف لا يثبت ولله الحمد.
الحديث الوارد في قصة اختصام عليّ وجعفر وزيد في ابنة حمزة أخرجه البخاري (3/ 241 - 242) (5/ 179 - 18)، والإمام أحمد (1/ 98، 18، 115) من حديث البراء بن عازب عند البخاري، ومن حديث علي بن أبي طالب عند الإمام أحمد وليس فيه هذا اللفظ أبداً بل فيه قوله لعلي (أنت مني وأنا منك) وقوله لجعفر (أشبهت خَلقي وخُلُقي)، وقوله لزيد (أنت أخونا ومولانا). فهذا الحديث فيه فضل لهؤلاء الثلاثة رضي الله عنه ومنقبة كبيرة لجعفر بتشبيه خلقه بخلق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى لنبيّه: {وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم}. أما قوله لعليّ رضي الله عنه (أنت مني وأنا منك) فهوفضل له نعم، لكنّ ذلك لا يدلّ على تقديمه على من سواه، مع أن هذا اللفظ لم يختص به عليّ رضي الله عنه بل قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم لغيره مثل جُلَيبيب رضي الله عنه لما قتل في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قتل سبعةً من المشركين، فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال (قتل سبعةً ثم قتلوه، هذا منّي وأنا منه، هذا منّي وأنا منه)، أخرجه مسلم في (صحيحه) (4/ 1919). وقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أيضاً للأشعريين قوم أبي موسى، فيما أخرجه البخاري (3/ 181) ومسلم (4/ 1945) عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزوأوقلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم). وأخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي عامر الأشعري (4/ 129). ورواه الإمام أحمد أيضاً (1/ 169) من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك أيضاً لبني ناجية. وكلّ هذا يبيّن عدم اختصاص عليّ رضي الله عنه بهذا الفضل.
أما الحديث المزعوم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعليّ في هذه الحادثة بالخصوص: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) فقد رواه النسائي في (خصائص علي) (ص19) من طريق المنهال بن عمروعن عباد بن عبد الله الأسدي، وهذا الإسناد ضعيف من أجل عباد بن عبد الله هذا، قال عنه إبن المديني: ضعيف الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. فمثل هذا لا يصح الإحتجاج به. وانظر ما قلناه في بداية الكلام على المراجعة (26) عن إصطلاح البخاري هذا وأنه لا يقوله إلاّ فيمن يتّهمه غالباً.
ما روى من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ (أنت أول المؤمنين إيماناً ... ) الحديث، باطل مكذوب، وقد نقله هذا الموسوي مع تخريجه في (الهامش) (4/ 164) من (كنز العمال) (36392، 36395) وعزاه للحسن بن بدر فيما رواه الخلفاء، والآخرين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد توقفت فيه أولاً لعدم معرفة إسناده ثم تبيّن لي أن صاحب الكنز كان قد ذكره قبل ذاك (36378) وساق إسناده، فهومن طريق الحسين بن عبيد الله الابزاري البغدادي نا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدّثني أمير المؤمنين مأمون حدّثني الرشيد حدّثني المهدي حدّثني المنصور حدّثني أبي حدّثني عبد الله بن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول، وذكره بطوله مع اختلاف يسير، وهونفس إسناد الأول بقرينة الخلفاء الذين جاء من طريقهم، وعزاه صاحب (الكنز) للحسن بن بدر فيما رواه الخلفاء. وقد عقب صاحب الكنز على هذا بقوله (الابزازي كذّاب) قلت: وقد كذّبه أحمد بن كامل القاضي فيما نقله الخطيب في ترجمة الحسين من (تاريخ بغداد) (8/ 56 - 57) والذهبي في (الميزان) وذكر بعض أكاذيبه أيضاً، فالحديث إذن من طريق كذاب ويريدنا هذا الموسوي أن نحتج به!

ذكر في هذه المراجعة عدداً من الأحاديث التي زعم أنها تدل على تساوي منزلتي هارون وعليّ في أمتيهما، ومن تتبع كلام هذا الموسوي هنا وأئمة الشيعة عموماً في هذه المسألة اتضحت له الأصول اليهودية في مذهب الشيعة هؤلاء نظير قولهم بالوصاية لعلي على غرار الوصاية ليوشع بن نون بعد موسى عليه السلام التي اعترف بها أئمة الشيعة كالكشي والنوبخيّ وغيرهما- أنظر ما نقلناه عنهم سابقاً في صفحة (349) -. واعتماداً على ما ذكر من هذه الأحاديث يريد هذا الموسوي القول بخلافة عليّ للنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته مع أن هذه المنزلة لم تكن لهارون من موسى عليهما السلام، ولا قبل لهم بإثباته، والأحاديث التي ساقها ما بين موضوع إلى ضعيف لا يثبت فلا تقوم بها حجة، وما يمكن أن يصحّ منه- كحديث شبّر وشبير- لا يستلزم ذلك أبداً، إذ ليس في تشبيه أسماء ولد عليّ بأسماء ولد هارون ما يستلزم التشابه في كل شيء، ذلك أن التشبيه في اللغة يراد به الإشارة إلى صفة مشتركة بين المشبه والمشبه به لا مطلق التشابه في جميع الصفات فإن هذا محال لا يمكن تصوره من وجود شيئين متماثلين من كل الوجوه فأنت إذا قلت عن امرأة أجنبية عنك آوتك وربّتك وأدّبتك هي منّي بمنزلة أمّي، لا يٌفهم منه أنها بمنزلة أمّك في كلّ شيء حتى في تحريم زواجك من ابنتها على أساس أنها أخت لك، أوفي وراثتها إذا ماتت أوبالعكس وغير ذلك فإن هذا معلوم البطلان وإنما يُفهم من إنزالك إياها منزلة أمّك في العطف والحنان والمكانة ليس إلا، ومن ادّعى شموله فإنما ينادي على نفسه بالحماقة والجهل، كما فعل هذا الموسوي في حديث المنزلة. ولوصحّ القول بأن عليّاً في هذه الأمة بمنزلة هارون من بني إسرائيل لما أفاد العموم والشمول كما قدمنا، كيف وهولم يصح ونعوذ بالله من القول بما لم يصح وهوما يريد قوله هذا الموسوي لكنه لم يتجرأ على التصريح به، وقد كفانا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال
لعليّ: (أنت مني ... ) فقصرها به لا بجميع الأمة، فعليّ بمنزلة هارون من محمد صلّى الله عليه وسلم فقط لا بالنسبة لجميع الأمة كما هوصريح الحديث، ويصبح القول بفرض طاعته على جميع الأمة كحال هارون من العبث، إذ هووارد على غير محله كما قدمنا. ثم منزلته رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم وتشبيهها بمنزلة هارون من موسى لا تفيد مطلق التشبيه وإنما هوتشبيه جزئي كما دللنا عليه من غاية التشبيه في اللغة وعلى فرض أنه تشبيه مطلق فقد قدمنا أنه كأنت لهارون منازل: منها أنه أخوه لأمّه وأبيه- لا أخوّة الدين- ومنها أنه نبي معه ومنها أنه خليفته المؤقت في حياته حين ذهب لميقات ربه وليس في أي من تلك المنازل ولا غيرها أن هارون خلف موسى بعد موته عليهما السلام، فبطل بذلك احتجاج الشيعة بهذا الحديث على خلافة عليّ رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، والحمد لله. فأنت ترى أن هناك موانع كثيرة تمنع من الإحتجاج بالحديث على ما ادعاه هذا الموسوي- المفتري- وأصحابه الرافضة الضّلال.
وهناك أمر آخر وهوأننا- على سبيل التنازل- لووافقنا هذا الموسوي على ادعائه تشابه عليّ وهارون تشابهاً مطلقاً فيلزم منه- على مذهبهم- نقض القول بالوصاية لعليّ على غرار الوصاية ليوشع بن نون التي ينادي بها أئمة الشيعة كما قدمنا ذكره عنهم في (ص349) إذ يكون أحق الناس بالتشبيه بيوشع بن نون وأن ينزل منزلته هوأبوبكر الصّدّيق رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان معه في الغار وسافر معها إلى المدينة كما كان يوشع بن نون صاحب موسى الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام. وهوالذي ولي أمر بني إسرائيل بعد موسى كما ولي أبوبكر الصدّيق أمر هذه الأمة- بحق- بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء الرافضة الضّلاّل كلما وجدوا مثلاً صالحاً في بني إسرائيل جعلوه لعليّ رضي الله عنه، وإن أدى ذلك إلى التناقض الفاضح، فهم مرةً يقولون إن مثل عليّ مثل مؤمن آل فرعون، كما صرح به هذا الموسوي ورددنا عليه في (ص193 - 197) وبينا هناك أن أحق الأمة بالتشبيه بمؤمن آل فرعون أبوبكر الصّدّيق رضي الله عنه بأدلة عدة منها قول عليّ رضي الله عنه نفسه فراجعه. ومرّة يقولون إن مثل عليّ مثل يوشع بن نون، وأخرى مثله مثل هارون وقد علم القاصي والداني عدم إمكان اجتماع هذين المثلين لاختلاف ما بينهما وكل هذا وقعت فيه الرافضة لحماقتها وضلالها فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم ذكر في الفقرة الأولى من هذه المراجعة حديث علي رضي الله عنه تسمية النبي صلى الله عليه وسلّم للحسن والحسين بأسماء ولد هارون، وعزاه للإمام أحمد (1/ 98)، وللحاكم (3/ 165، 168)، وعلى فرض صحة هذا الحديث فقد قدمنا بالتفصيل عدم لزومه للتشابه المطلق التام بين هارون عليه السلام وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كما هي غاية التشبيه في اللغة والعرف.
وقد نقل هذا الموسوي عن الحاكم تصحيحه لهذا الحديث على شرط الشيخين، وهوكذب واضح إذ أن الحاكم اكتفى بتصحيحه وقال: صحيح الإسناد، ولم يقل على شرط الشيخين ولا أحدهما لكن وافقه الذهبي على ذلك، وهولا يستقيم فإنه من طريق أبي إسحاق السبيعي عن هانئ بن هانئ عن عليّ. وأبوإسحاق السبيعي ثقة لكنه مدلّس وقد عنعنه ولم يصرّح بالتحديث، وهوإلى ذلك كان قد اختلط حفظه بآخره. وشيخه هانئ بن هانئ مجهول الحال أومستور كما قال الحافظ في (التقريب) فلم يروعنه سوى أبي إسحاق السبيعي، وقد حكم عليه بالجهالة ابن المديني، وقال الجوزجاني- فيما نقله الحافظ في (التهذيب) في ترجمة أبي إسحاق-:
فأما أبوإسحاق فروى عن قومٍ لا يُعرفون ولم يُنشر عند أهل العلم إلا ما حكى أبوإسحاق عنهم فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقيف في ذلك عندي الصواب إ. ه. قلت: وهانئ بن هانئ هذا من هؤلاء فلا يصحّ هذا الإسناد.
وله طريق أخرى رواها ابن سعد فيما نقله ابن كثير في (البداية والنهاية) (7/ 331) عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عليّ، وذكره. وفي إسناده انقطاع فسالمٌ لم يُدرك عليّاً كما في (التهذيب) و(المراسيل) لابن أبي حاتم (ص55)، فضلاً عن أن الأعمش مدلّس وقد عنعنه ولم يصرّح بالتحديث.


ثم ذكر هذا الموسوي في الفقرة الثانية من هذه المراجعة قصة المؤاخاة المزعومة بين النبي صلى الله عليه وسلّم وعليّ. وكنا قد أشرنا إليها قبلاً ووعدنا بتفصيل الرد على هذه الأحاديث وها نحن نقوم به هنا بمعونة الله، لكن نحب ان نذكّر بما قلناه سابقاً أن كل الأحاديث التي تذكر مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلّم لعليّ موضوعة مكذوبة من اختلاق هؤلاء الرافضة وأذنابهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأحاديث المؤاخاة كلها كذب ولا آخى النبي صلى الله عليه وسلّم بين مهاجري ومهاجري، ولكن بين المهاجرين والأنصار)، وأقرّه الذهبي في (مختصر المنهاج) (ص46)، وأقرهما أيضاً الألباني في (الضعيفة) (1/ 356)، وقال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (7/ 335) عن أحاديث المؤاخاة هذه: وأسانيدها كلها ضعيفة لا يقوم بشيء منها حجّة، والله أعلم إ. ه. وقد ذكر معظم أحاديث المؤاخاة هذه أكثر من صنف في الأحاديث الموضوعة، كابن الجوزي في (الموضوعات). والسيوطي في (اللآلئ المصنوعة)، وابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) وغيرهم.
أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي




· يفهم الرافضة من الحديث أن عليا بمنزلة الرسول إلا أنه ليس بنبي. ولهذا فضلوه على كل الأنبياء. وهذا فهم سقيم. فإن منزلة هارون من موسى موجودة في القرآن (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي 29 هَارُونَ أَخِي 3 اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي 31 وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي 32). أي إجمع بيني وبينه في أمر النبوة كما قاله الطبرسي (مجمع البيان7/ 19 وقال مثله الطبري في تفسيره16/ 2).

· علي كانت له هذه المنزلة بينه وبين الخلفاء الثلاثة وليس بينه وبين النبي فقط. فإن عليا كان من أبي بكر وعمر وعثمان بمنزلة هارون من موسى.

· ما فهم علي ما فهمتم وإلا لامتنع عن مبايعة أبي بكر.

· إن كان هذا النص عندكم صريحا في الإمارة. فهناك ما هوأصرح منه وأولى وهوتأمير النبي لأسامة بن زيد. فلماذا لا نقول إنه هوالإمام بعد النبي بدليل أن النبي أمره.

· فلماذا لم يؤمر علي بن أبي طالب بدلا من أسامة بن زيد؟

· بل إن قول النبي صلى الله عليه وسلم ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر أصرح من حديث (أنت مني بمنزلة هرون من موسى) الدال على منزلة الأخوة. فإنه إن لم تكن المنزلة نبوة بقيت منزلة الأخوة. أومنزلة تخليفه على المدينة وهي منزلة كانت لعبد الله بن أم مكتوم وغيره لا لعلي فقط.

· لم يخف على النبي صلى الله عليه وسلم أن يوشع كان الخليفة بعد موسى وليس هارون لأن هارون مات قبل موسى باعراف الرافضة (بحار الأنوار12/ 9). وسئل الصادق أيهما مات: هارون مات قبل أم موسى صلوات الله عليهما؟ قال: هارون مات قبل موسى (بحار الأنوار12/ 11). فلوكان مراده صلى الله عليه وسلم الإمامة لقال (كمنزلة يوشع من موسى) ولم يقل (بمنزلة هارون من موسى. مما يدل على أن المنزلة منزلة الأخوة لا الإمامة كما بين موسى وهارون. وليس الإمامة.

· الحديث له مناسبة حين زعم المنافقون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مله
وكره صحبته فكان هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم مبطل لما زعموه.
· أن هارون ولي أمر بني إسرائيل في حياة موسى فقط. وقياس علي على هارون هنا يبطله مبايعة علي لأبي بكر وعمر وعثمان. فالله وعد أهل البيت بالاستخلاف كما يزعم الشيعة في تفسير قوله تعالى] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ (النور:55). والرسول صلى الله عليه وسلم وعد عليا بالاستخلاف كما في هذا الحديث: فيلزم الطعن في كلام الله ورسوله لأن كلا من الآية والحديث لم يتحققا.
أن استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم عليا ليس خاصا به وحده. بل خلف على المدينة كثيرين غير علي كابن أم مكتوم وعثمان بن عفان وغيرهما. إن بعض المنافقين قال: إنما خلفه لأنه يبغضه فقال له النبي ذلك (تاريخ الطبري 3/ 13 - 14، والبداية والنهاية لابن كثير 5/ 7.

· ومعلوم من السيرة أن هذا الاستخلاف لم يكن خاصاً بعلي، فقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة غيره عندما كان يخرج غازياً أوحاجاً أومعتمراً، فقد استخلف في غزوة بدر: عبد الله ابن أم مكتوم، واستخلف في غزوة بني سليم: سباع بن عُرفطة الغفاري، أوابن أم مكتوم على اختلاف في ذلك، واستخلف في غزوة السويق: بشير بن عبد المنذر، واستعمل على المدينة في غزوة بني المصطلق: أبا ذر الغفاري وفي غزوة الحديبية: نُمَيْلَةَ بن عبد الله الليثي كما استعمله أيضاً في غزوة خيبر، وفي عمرة القضاء استعمل: عويف بن الأضبط الديلي، وفي فتح مكة: كلثوم بن حصين بن عتبة الغفاري، وفي حجة الوداع: أبا دجانة الساعدي ذكر هذا ابن هشام في مواطن متفرقه من السيرة

· وهذا يبطل فهم الشيعة للحديث. إذ لوكان الأمر كذلك لم يجز استخلاف أحد غيره حتى يفهم الناس أن عليا هوالإمام دون غيره وجوبا (انظر السيرة النبوية لابن هشام 2/ 65،84،86، 3/ 1113،1133،1154،1197، 4/ 1241،1457).

· أن
استخلاف هارون يختلف عن استخلاف علي. فإن العسكر كان مع هارون وإنما ذهب موسى لوحده. أما استخلاف علي فكان على النساء والصبيان في المدينة وكان العسكر كله مع النبي صلى الله عليه وسلم.

كيف فهم علي هذا الحديث؟ وكيف طبقه؟

ألم يقل عندما أجبروه على تولي الخلافة: «دعوني والتمسوا غيري… ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ولأن أكون لكم وزيراً خيراً من أن أكون عليكم أميرأ» (نهج البلاغة 181 - 182).

وقال لمعاويةً «بايعني القوم الذين أبا وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه. فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا الغائب أن يختار،، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أوبدعة ردوه الى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين» (نهج البلاغة 7:3، وانظر كتاب الإرشاد للمفيد 31 ط: الأعلمي. أو143 طبعة حيدرية).

· هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى وإنما يوشع بن نون صاحبه في طلب الخضر مثلما ولي أمور المسلمين بعد نبينا صاحبه في الغار وهوأبوبكر الصديق.

· إن هذا يبين أن عليا لن يكون الإمام من بعده لوجود الاستثناء (إلا أنه لا نبي بعدي). ومعلوم أن عليا لن يكون نبيا من بعده فبقي أن يكون إماما من بعده والواقع يشهد بخلاف ذلك وإلا لزم الطعن في كلام النبيصلى الله عليه وسلم يطعن به يهودي أونصراني. إذ أن عليا لم يكن إماما من بعده.
· فإما أن يكون هذا وعدا من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الوعد لم يتحقق ويكون علي نفسه قد أسهم في إبطال قول النبي صلى الله عليه وسلم عمليا بمبايعته أبا بكر وعمر وعثمان. وإما أن يكون من تحميلات الشيعة للنصوص من المعاني الباطلة التي لا يحتملها النص. كما زعموا أن المشكاة فاطمة والمصباح الحسن والزجاجة الحسين والشجرة الملعونة في القرآن بنوأمية.

· أن عليا لم يستعمل شيئا من هذه النصوص المزعومة كدليل على وجوب خلافته هو. فإن كان لعجز فيكون لا يستحق الإمارة. وإن كان يقدر ولم يفعل


فهوخائن والخائن معزول عن الإمارة. وإن كان لم يعلم بالنص فهولا يعلم ما كان وما يكون كما يدعي الشيعة. وحاشاه مما ينسبه الشيعة إليه من التناقضات.
أنت مني بمنزلة هارون من موسى



قال عبدالله بن الحسين السويدي في مناظرته مع أحد علماء الشيعة:

قال - أي الشيعي -: قبل تحرير البحث أسألك هل قوله صلى الله عليه وسلم لعليّ:"أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي"ثابت عندكم؟

فقلت: نعم، إنه حديث مشهور.

فقال: هذا الحديث بمنطوقه ومفهومه يدل دلالةً صريحة على أن الخليفة بالحق بعد النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب.

قلت: ما وجه الدليل من ذلك؟

قال: حيث أثبت النبي لعليٍّ جميع منازل هارون، ولم يستثن إلا النبوة - والاستثناء معيار العلوم - فثبتت الخلافة لعلي لأنها من جملة منازل هارون. فإنه لوعاش لكان خليفة عن موسى.

فقلت: صريح كلامك يدل على أن هذه القضية موجبة كلية، فما سُور هذا الإيجاب الكلي؟

قال: الإضافة التي في الاستغراق بقرينة الاستثناء.

فقلت: أولاً إن هذا الحديث غير نص جلي، وذلك لاختلاف المحدِّثين فيهن فمن قائل إنه صحيح، ومن قائل إنه حسن ومن قائل إنه ضعيف، حتى بالغ ابن الجوزي فادعى أنه موضوع. فكيف تثبتون به الخلافة وأنتم تشترطون النص الجلي؟!

فقال: نعم، نقول بموجب ما ذكرت. وإن دليلنا ليس هذا، وإنما هوقوله صلى الله عليه وآله وسلم :" سلموا على عليّ بإمرة المؤمنين"، وحديث الطائر. ولأنكم تدعون أنهما موضوعان فكلامي في هذا الحديث معكم. لمَ لم تثبتوا أنتم الخلافة لعلي به؟

قلت: هذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلاً .. من وجوه: منها أن الاستغراق ممنوع؛ إذ من جملة منازل هارون كونه نبياً مع موسى، وعليّ ليس بنبي باتفاق منا ومنكم، لا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا بعده، فلوكانت المنازل الثابتة لهارون - ما عدا النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم - ثابتة لعلي لاقتضى أن يكون علي نبياً مع النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبوة معه لم تستثنَ وهي من منازل هارون عليه السلام وإنما المستثنى النبوة بعده. وأيضاً من جملة منازل هارون كونه أخًّا شقيقاً لموسى، وعلي ليس بأخ، والعام إذا تخصص بغير الاستثناء صارت دلالته ظنية، فليحمل الكلام على منزلة واحدة كما هوظاهر التاء التي للوحدة، فتكون الإضافة للعهد وهوالأصل فيها، و"إلا"في الحديث بمعنى"لكن"كقولهم: فلان جواد إلا أنه جبان، أي لكنه. فرجعت القضية مهملة يراد منها بعض غير معين فيها وإنما نعينه من خارج، والمعين هوالمنزلة المعهودة حين استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، والدال على ذلك قوله تعالى:] اخلفني في قومي [ومنزلة عليّ هي استخلافه على المدينة في غزوة تبوك.

فقال الملا باشي: والاستخلاف يدل على أنه أفضل وأنه الخليفة بعد.

فقلتُ: لودلّ هذا على ما ذكرتَ، لاقتضى أن ابنَ أمَّ مكتوم خليفةٌ بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه استخلفه على المدينة. واستخلف أيضاً غيره، فلمَ خصصتم عليًّا بذلك دون غيره مع اشتراك الكل في الاستخلاف؟ وأيضاً لوكان هذا من باب الفضائل لما وجد عليٌّ في نفسه وقال"أتجعلني مع النساء والأطفال والضعفة"فقال النبي صلى الله عليه وسلم تطييباً لنفسه:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ ".

فقال: قد ذكر في أصولكم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قلت: إني لم أجعل خصوص السبب دليلاً، وإنما هوقرينة تعين ذلك البعض المهم.

فانقطع ...

(المرجع: الخطوط العريضة، محب الدين الخطيب، ص 76 - 78).

وقال أبوحامد المقدسي ردًا على هذه الشبهة:

جوابه: سلمنا أن هذا حديث صحيح رواه البخاري وغيره وليس للرافضة حديث صحيح غيره ولكن معناه أن التشبيه له بهارون (عليه السلام إنما هو) في الاستخلاف خاصة لا من كل وجه وهوأمر مشترك بينه وبين غيره. قد شبّه النبيصلى الله عليه وسلم (في الحديث الصحيح) أيضاً أبا بكر رضي الله عنه بإبراهيم وعيسى عليهما السلام وشبه عمر رضي الله عنه بنوح وموسى عليهما السلام كما أشارا عليه في أسارى بدر هذا بالفداء وهذا بالقتل ولا شك أن هذا أعظم من تشبيه علي بهارون ولم يوجب ذلك أن يكون بمنزلة أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام مطلقاً ولكن شابه في شدته في الله وهذا في لينه في الله وتشبيه الشيء بالشيء لمشابهته في بعض الوجوه كثيرة في الكتاب والسنة وكلام العرب.

وأما هومعارض بما رواه الشيخ الإمام العارف بالله العلي أبومحمد روزبهان البقلي رحمه الله عليه في كتابه المكنون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. كما قال ذلك لعلي. وحينئذ فلا خصوصية (وقال فيه إشارة إلى أن هؤلاء السادة الثلاثة أعطاهم الله تعالى ما أعطى نبي الله هارون عليه السلام دون النبوة وجبريل وميكائيل دون الملائكة. كما قال عليه السلام:"إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض فوزيرا السماء جبريل وميكائيل، ووزيرا الأرض أبوبكر وعمر"وفيه أن الولاية قريب من النبوة والملكية).

وكذلك هومعارض لقوله صلى الله عليه وسلم:"خلقت أنا وأبوبكر وعمر من طينة واحدة"وهذا حديث صحيح رواه الشيخ الإمام محي الدين أبومحمد إبراهيم الفاروقي الواسطي رحمه الله ويعضده حديث"ما من ميت يموت إلا يدفن بالتربة التي خلق منها"وإذا خلقا رضي الله عنهما من طينة صلى الله عليه وسلم فهما أولى بمماثلته باعتبار الخلقة وهذا فضيلة لا يشاركهما فيها غيرهما. فإن قيل ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال:"خلقت أنا وعلي من نور واحد"وهويدل على أفضلية هذا، وإن ثبت فهولنا لأن النور أمر بالسجود لمن خلق من الطين كما في قصة الملائكة وآدم عليهم السلام، وهويعارض بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح:"لوكنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة في الإسلام"أفضل ففيه دليل على تخصيص أبي بكر في أخوة الإسلام، وإلا لم يكن ثم فضيلة لأحد من المسلمين على أحد من المسلمين، وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم له:"أنت مني بمنزلة هارون من موسى"إنما ورد على سبب وهوأنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي (في غزوة تبوك في سنة تسع) لما استخلفه على المدينة فطعن بعض الناس وقالوا: إنما استخلفه لأنه يبغضه، وكان صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المدينة استخلف عليها رجلاً من أمته، فلما كان عام تبوك لم يأذن لأحد من المؤمنين القادرين على الغزوفي التخلف عنها بلا عذر، ولم يتخلف بلا عذر إلا عاص لله ورسوله فكان استخلافه عليًّا رضي الله عنه فيها استخلافاً ضعيفاً، فطعن فيه المنافقون لهذا السبب فبين له صلى الله عليه وسلم: أني لم أستخلفك لبغض لك عندي فإن موسى عليه السلام استخلف هارون عليه السلام وهوشريكه في الرسالة، أَمَا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى فتخلفني في المدينة كما خلف هارون أخاه موسى. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان قد استخلف غيره قبله وكان أولئك منه بهذه المنزلة يكن هذا من خصائص علي رضي الله عنه ولوكان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف فيه عليه ولم يخرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهويبكي ويقول: تخلفني في النساء والذرية والصبيان. ولما رجع الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة أمر أبا بكر رضي الله عنه على الحج في أواخر سنة تسع ثم أردفه بعلي رضي الله عنه فلما لحقه قال له أبوبكر رضي الله عنه: أميراً أومأموراً؟ فقال علي: بل مأموراً فكان أبوبكر يصلي بعلي وغيره ويأمر عليًّا وغيره من الصحابة رضي الله عنه يطيعون أبا بكر رضي الله عنه وأما علي رضي الله عنه فنبذ العهود والتي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لأن العادة من العرب كانت جارية أنه لا يعقد العقود ولا يحلها إلا رجل من أهل بيت المطاع، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي لأجل العادة الجارية بذلك [وفي رواية نزل جبريل وقال: يبلغ رجل منك. قالوا: هذا يدل على تقدم علي]. ولم يكن هذا أيضاً خصائص علي رضي الله عنه بل أي رجل من المعترة نبذ العهد حصل به المقصود، ولكن علي رضي الله عنه كان أفضل بني هاشم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فكان أحق بالتقدم من سائر الأقارب ولما أمر أبا بكر عليه علي أنه لا دلالة فيه على أنه بمنزلة هارون من موسى من كل وجه إذ لوكان كذلك لم يقدم عليه أبا بكر رضي الله عنه في الحج ولا في الصلاة كما أن هارون لم يكن موسى يقدم عليه غيره فالتشبيه به في الاستخلاف خاص كما قررنا.

وقال الإمام الحافظ البيهقي رضي الله عنه في كتاب الاعتقاد عقب الحديث المذكور لا يعني به (موسى عليه السلام) استخلاف (عليًّا) بعد وفاته وإنما يعني به استخلافه على المدينة عند خروجه إلى الطور وكيف يكون المراد به الخلافة بعد موته وقد مات هارون قبل موسى عليهما السلام؟!

وكذا قال شيخ الإسلام محي الدين النووي في شرح صحيح مسلم في هذا الحديث:"إثبات فضيلة لعلي رضي الله عنه لا يعرض فيه لكونه أفضل من غيره أومثله وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا لعلي رضي الله عنه حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى بل توفي في حياة موسى قبل وفاة موسى نحوأربعين سنة على ما هوالمشهور عند أهل الأخبار والقصص وقالوا إنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة".

قال الشيخ الإمام أبومحمد إبراهيم الفاروقي رحمه الله: إن مفهوم الحديث يدل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه لأن يوشع بن نون كان الخليفة بعد موسى عليهما السلام فكذلك أبوبكر رضي الله عنه. وليس معناه أن عليًّا أخًّا للنبي صلى الله عليه وسلم من النسب إذ لوكان كذلك لما جاز أن يتزوج من ابنته فاطمة رضي الله عنهما فلم يبق إلا ما ذكرنا.

(المرجع: رسالة"الرد على الرافضة"لأبي حامد المقدسي، ص 21 - 212).

وقال شيخ الإسلام ردًا على هذه الشبهة:

قال الرافضي: الثالث: قوله أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. [أثبت له"عليه السلام"جميع منازل هارون من موسى - عليه السلام - للاستثناء]. ومن جملة منازل هارون أنه كان خليفة لموسى، ولوعاش بعده لكان خليفة أيضاً، وإلا [لزم] تطرّق النقض إليه، ولأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغَيْبَة، أَوْلى بأن يكون خليفته".

والجواب: أن هذا الحديث ثبت في الصحيحين بلا ريب وغيرهما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال له ذلك في غزوة تبوك. وكان صلى الله عليه وسلم كلما سافر في غزوة أوعُمرة أوحج يستخلف على المدينة بعض الصحابة، كما استخلف على المدينة في غزوة ذي أَمَرّ عثمان، وفي غزوة بني قَيْنُقاع بشير بن [عبد] المنذر، ولما غزا قريشاً ووصل إلى الفُرْع استعمل ابن أم مكتوم، وذكر ذلك محمد بن سعد وغيره.

وبالجملة فمن المعلوم أنه كان لا يخرج من المدينة حتى يستخلف.؟ المسلمون من كان يستخلفه، فقد سافر من المدينة في عُمرتين: عمرة الحديبية وعمرة القضاء. وفي حجة الوداع، وفي مغازيه - أكثر من عشرين غزاة - وفيها كلها استخلف، وكان بالمدينة رجال كثيرون مستخلف عليهم من يستخلفه، فلما كان في غزوة تبوك لم يأذن لأحد استخلف عنها، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان، أومن هومعذور لعجزه عن الخروج، أومن هومنافق، وتخلف الثلاثة الذين تِِيبَ عليهم، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم، كما كان يستخلف عليهم في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه، لأنه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحداً، كما كان يبقي في جميع مغازيه، فإنه كان بالمدينة رجال كثيرون من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم من يستخلف، فكل استخلاف استخلفه في مغازيه، مثل استخلافه في غزوة بدر الكبرى والصغرى، وغزوة بني المصطلق، والغابة، وخيبر، وفتح مكة، وسائر مغازيه التي لم يكن فيها قتال، ومغازيه بضع عشرة غزوة، وقد استخلف فيها كلها إلا القليل، وقد استخلف في حجة الوداع وعمرتين قبل غزوة تبوك.

وفي كل مرة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك، فكان كل استخلاف قبل هذه يكون عليٌّ أفضل ممن استخلف عليه عليًّا. فلهذا خرج إليه عليٌّ - رضي الله عنه - يبكي، وقال: أتخلّفني مع النساء والصبيان؟

وقيل: إن بعض المنافقين طعن فيه، وقال: إنما خلّفه لأنه يبغضه. فبيّن له النبي صلى الله عليه وسلم: إني إنما استخلفتك لأمانتك عندي، وهذا الاستخلاف ليس بنقص ولا غضٍّ، فإن موسى استخلف هارون على قومه، فكيف يكون نقصاً وموسى لَيَفْعَله بهارون؟ فطيَّب بذلك قلب عليّ، وبيّن أن جنس الاستخلاف يقتضي كرامة المستخلف وإمامته، لا يقتضي إهانته ولا تخوينه، وذلك لأن المستخلَف يغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خرج معه جميع الصحابة.

والملوك - وغيرهم - إذا خرجوا في مغازيهم أخذوا معهم من يعظم انتفاعهم به، ومعاونته لهم، ويحتاجون إلى مشاورته والانتفاع برأيه بلسانه، ويده وسيفه.

والمتخلف إذا لم يكن له في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا منه فظن من ظن أن هذا غضاضة من عليٍّ، ونقص منه، وخفض من منزلته، حيث لم يأخذه معه في المواضع المهمة، التي تحتاج إلى سعي واجتهاد، بل تركه في المواضع التي لا تحتاج إلى كثير سعي واجتهاد فكان قول النبي صلى الله عليه وسلم مبيّناً أن جنس الاستخلاف ليس نقصاً ولا غضًّا، إذ لوكان نقصاً أوغضاً لما فعله موسى بهارون، ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون، لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده.

وأما استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فجميع العسكر كان معه، ولم يُخَلَّف بالمدينة - غير النساء والصبيان - إلا معذورٌ أوعاصٍ.

وقول القائل:"هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا"هوكتشبيه الشيء بالشيء. وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دلَّ عليه السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء. ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأسارى لمّا استشار أبا بكر، وأشار بالفداء، واستشار عمر، فأشار بالقتل. قال:"سأخبركم عن صاحبيكم. مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال:} فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {[سورة إبراهيم: 36]، ومثل عيسى إذ قال:} إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {[سورة المائدة: 118]. ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال:} رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا {[سورة نوح: 26]، ومثل موسى إذ قال:} رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ {[سورة يونس: 88] ".

فقوله لهذا: مثلك كمثل إبراهيم وعيسى، ولهذا: مثل نوح وموسى - أعظم من قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى؛ فإن نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى أعظم من هارون، وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء، لكن فيما دلّ عليه السياق من الشدة في الله واللين في الله.

وكذلك هنا إنما هوبمنزلة هارون فيما دلّ عليه السياق، وهوفي استخلافه في مغيبه، كما استخلف موسى هارون. وهذا الاستخلاف ليس من خصائص عليّ، بل ولا هومثل استخلافاته، فضلاً عن أن يكون أفضل منها. وقد استخلف مَنْ عليّ أفضل منه في كثير من الغزوات، ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المستخلف عَلَى علي إذا قعد معه، فكيف يكون موجباً لتفضيله على عليّ؟

بل قد استخلف على المدينة غير واحد، وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف عليّ، بل كان ذلك استخلاف يكون عَلَى أكثر وأفضل ممن استخلف عليه عام تبوك، استدعت الحاجة إلى الاستخلاف أكثر، فإنه كان يخاف من الأعداء على المدينة.

فأما عام تبوك فإنه كان قد أسلمت العرب بالحجاز، وفُتحت مكة، وقوي الإسلام وعزّ. ولهذا أمر الله نبيّه أن يغزوأهل الكتاب بالشام، ولم تكن المدينة تحتاج إلى من يقاتل بها العدو. ولهذا لم يَدَع النبي صلى الله عليه وسلم عند عليّ أحداً من المقاتلة، كما كان يَدَع بها في الغزوات، بل أخذ المقاتلة كلهم معه.

وتخصيصه لعليّ بالذكر هنا هومفهوم اللقب، وهونوعان: لقب هوجنس، ولقب يجري مجرى العلم، مثل زيد، وأنت. وهذا المفهوم أضعف المفاهيم، ولهذا كان جماهير أهل الأصول والفقه على أنه لا يُحتج به. فإذا قال: محمد رسول الله، لم يكن هذا نفياً للرسالة عن غيره، لكن إذا كان في سياق الكلام ما يقتضي التخصيص، فإنه يحتج به على الصحيح.

كقوله:} فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ {[سورة الأنبياء: 79]، وقوله:} كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ {[سورة المطففين: 15].

وأما إذا كان التخصيص لسبب يقتضيه، فلا يُحتج به باتفاق الناس فهذا من ذلك؛ فإنه إنما خصَّ عليًّا بالذكر لأنه خرج إليه يبكي ويشتكي تخليفه مع النساء والصبيان.

ومن استخلفه سوى عليّ، لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصًا، لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام. والتخصيص بالذكر إذا كان لسبب يقتضي ذاك لم يقتضِ الاختصاص بالحكم، فليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى، كما أنه لما قال للمضروب الذي نَهَى عن لعنه:"دعه؛ فإنه يحب الله ورسوله"لم يكن هذا دليلاً على أن غيره لا يحب الله ورسوله، بل ذكر ذلك لأجل الحاجة إليه لينهي بذلك عن لعنه.

ولما استأذنه عمر - رضي الله عنه - في قتل حاطب بن أبي بلتعة، قال:"دعه؛ فإنه قد شهد بدرًا"ولم يدل هذا على أن غيره لم يشهد بدراً، بل ذكر المقتضى لمغفرة ذنبه.

وكذلك لما شهد للعشرة بالجنة، لم يقتض أن غيرهم لا يدخل الجنة، لكن ذكر ذلك لسبب اقتضاه.

وكذلك لما قال للحسن وأسامة:"اللهم! إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما"لا يقتضي أنه لا يحب غيرهما، بل كان يحب غيرهما أعظم من محبتهما.

وكذلك لما قال:"لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة"لم ينفي أن من سواهم يدخلها.

وكذلك لما شبّه أبا بكر بإبراهيم وعيسى، لم يمنع ذلك أن يكون من أمته وأصحابه من يشبه إبراهيم وعيسى. وكذلك لمّا شبّه عمر بنوح وموسى، لم يمتنع أن يكون في أمته من يشبه نوحاً وموسى.

فإن قيل: إن هذين أفضل من يشبههم من أمته.

قيل: الاختصاص بالكمال لا يمنع بالمشاركة في أصل التشبيه.

وكذلك لما قال عن عروة بن مسعود:"إنه مثل صاحب ياسين".

وكذلك لما قال للأشعريين:"هم مني وأنا منهم"لم يختص ذلك بهم، بل قال لعليّ:"أنت مني وأنا منك"وقال لزيد:"أنت أخونا ومولانا"وذلك لا يختص بزيد، بل أسامة أخوهم ومولاهم.

وبالجملة الأمثال والتشبيهات كثيرة جداً، وهي لا توجب التماثل من كل وجه، بل فيما سيق الكلام له، ولا تقتضي اختصاص المشبَّه بالتشبيه، بل يمكن أن يشاركه غيره له في ذلك.

قال الله تعالى:} مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ {[سورة البقرة: 261].

وقال تعالى:} وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ {[سورة يس: 13].

وقال:} مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ {[سورة آل عمران: 117].

وقد قيل: إن في القرآن اثنين وأربعين مثلاً.

وقول القائل: إنه جعله بمنزلة هارون في كل الأشياء إلا في النبوة باطل؛ فإن قوله:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ "دليل على أن يسترضيه بذلك ويطيِّب قلبه لِمَا توهم من وهن الاستخلاف ينقص درجته، فقال هذا على سبيل الجبر له.

وقوله:"بمنزلة هارون من موسى"أي مثل منزلة هارون، فإن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره، وإنما يكون له ما يشابهها، فصار هذا كقوله: هذا مثل هذا، وقوله عن أبي بكر: مثله مثل إبراهيم وعيسى، وعمر: مثل نوح وموسى.

ومما يبين ذلك أن هذا كان عام تبوك، ثم بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الموسم، وأردفه بعليّ، فقال [عليّ]: أمير أم مأمور؟ [فقال: بل مأمور]، فكان أبوبكر أميراً عليه، وعليّ معه كالمأمور مع أميره: يصلّي خلفه، ويطيع أمره وينادي خلفه مع الناس بالموسم: أَلاَ لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان.

وإنما أردفه به لينبذ العهد إلى العرب، فإنه كان من عادتهم أن لا يعقد العقود وينبذها إلا السيد المطاع، أورجل من أهل بيته. فلم يكونوا يقبلون نقض العهود إلا من رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

ومما يبيّن ذلك أنه لوأراد أن يكون خليفة على أمته بعده، لم يكن هذا خطاباً بينهما يناجيه به، ولا كان أخَّره حتى يخرج إليه عليّ ويشتكي، بل كان هذا من الحكم الذي يجب بيانه وتبليغه للناس كلهم، بلفظ يبين المقصود.

ثم من جهل الرافضة أنهم يتناقضون، فإن هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخاطب عليًّا بهذا الخطاب إلا ذلك اليوم في غزوة تبوك، فلوكان عليّ قد عرف أنه المستخلَف من بعده - كما رووا ذلك فيما تقدم - لكان عليّ مطمئن القلب أنه مثل هارون بعده وفي حياته، ولم يخرج إليه يبكي، ولم يقل له: أتخلّفني مع النساء والصبيان؟

ولوكان عليّ بمنزلة هارون مطلقًا لم يستخلف عليه أحدًا. وقد كان يستخلف عَلَى المدينة غيره وهوفيها، كما استخلف على المدينة عام خيبر غير عليّ، وكان عليّ بها أرمد، حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية حين قدم، وكان قد أعطى الراية رجلاً فقال:"لأعطين الراية [غدًا] رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".

وأما قوله:"لأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغيبة أَوْلى بأن يكون خليفته".

فالجواب: أنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير عليّ استخلافاً أعظم من استخلاف عليّ، واستخلف أولئك عَلَى أفضل من الذين استخلف عليهم عليًّا، وقد استخلف بعد تبوك على المدينة غير عليّ في حجة الوداع، فليس جعل عليّ هوالخليفة بعده لكونه استخلفه على المدينة بأَوْلى من هؤلاء الذين استخلفهم على المدينة كما استخلفه، وأعظم مما استخلفه، وآخر الاستخلاف كان عَلَى المدينة كان عام حجة الوداع، وكان عليّ باليمن، وشهد معه الموسم، لكن استخلف عليها في حجة الوداع غير عليّ.

فإن كان الأصل بقاء الاستخلاف، فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أَوْلى من بقاء استخلاف من استخلفه قبل ذلك.

وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائصه، ولا تدل على الأفضلية، ولا على الإمامة، بل قد استخلف عدداً غيره. ولكن هؤلاء جهّال يجعلون الفضائل العامة المشتركة بين عليّ وغيره. خاصة بعليّ، وإن كان غيره أكمل منه فيها، كما فعلوا في النصوص والوقائع. وهكذا فعلت النصارى: جعلوا ما أتى به المسيح من الآيات دالاً على شيء يختص به من الحلول والاتحاد، وقد شاركه غيره من الأنبياء فيما أتى به، وكان ما أتى به موسى من الآيات أعظم مما جاء به المسيح، فليس هناك سبب يوجب اختصاص المسيح دون إبراهيم وعيسى، لا بحلول ولا اتحاد، بل إن كان ذلك كله ممتنعاً، فلا ريب أنه كله ممتنع في الجميع، وإن فُسِّر ذلك بأمر ممكن، كحصول معرفة الله والإيمان به، والأنوار الحاصلة بالإيمان به ونحوذلك، فهذا قدر مشترك وأمر ممكن.

وهكذا الأمر مع الشيعة: يجعلون الأمور المشتركة بين عليّ وغيره، التي تعمّه وغيره، مختصة به، حتى رتّبوا عليه ما يختص به من العصمة والإمامة والأفضلية. وهذا كله منتفٍ.

فمن عرف سيرة الرسول، وأحوال الصحابة، ومعاني القرآن والحديث: علم أنه ليس هناك اختصاص بما يوجب أفضليته ولا إمامته، بل فضائله مشتركة، وفيها من الفائدة إثبات إيمان عليّ وولايته، والرد على النواصب الذين يسبّونه أويفسّقونه أويكفرونه ويقولون فيه من جنس ما تقوله الرافضة في الثلاثة.

ففي فضائل عليّ الثابتة ردٌّ على النواصب، كما أن في فضائل الثلاثة ردًّا على الروافض.

وعثمان - رضي الله عنه - تقدح فيه الروافض والخوارج، ولكن شيعته يعتقدون إمامته، ويقدحون في إمامة عليّ. وهم في بدعتهم خير من شيعة عليّ الذين يقدحون في غيره. والزيدية الذين يتولون أبا بكر وعمر ومضطربون فيه.

وأيضاً فالاستخفاف في الحياة نوع نيابة، لا بد منه لكل ولي أمر، وليس كل [مَنْ] يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الأمة يصلح أن يُستخلف بعد الموت؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف في حياته غير واحد، ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته، وذلك كبشير بن [عبد] المنذر وغيره.

وأيضاً فإنه مطالب في حياته بما يجب عليه من القيام بحقوق الناس، كما يُطالَب بذلك ولاة الأمور. وأما بعد موته فلا يطالب بشيء، لأنه قد بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، نصح الأمة، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربّه. ففي حياته يجب عليه جهاد الأعداء، وقسم الفيء، وإقامة الحدود، واستعمال العمّال، وغير ذلك مما يجب على ولاة الأمور بعده، وبعد موته لا يجب عليه شيء من ذلك.

فليس الاستخلاف في الحياة كالاستخلاف بعد الموت. والإنسان إذا استخلف أحداً في حياته عَلَى أولاده وما يأمر به من البرّ، كان المستخلف وكيلاً محضاً يفعل ما أَمَر به الموكِّل وإن استخلف أحداً على أولاده بعد موته، كان وليًّا مستقلاً يعمل بحسب المصلحة، كما أمر الله ورسوله، ولم يكن وكيلاً للميّت.

وهكذا أولوالأمر إذا استخلف أحدهم شخصاً في حياته، فإنه يفعل ما يأمره به في القضايا المعيّنة. وأما إذا استخلفه بعد موته، فإنه يتصرف بولايته كما أمر الله ورسوله، فإن هذا التصرف مضاف إليه لا إلى الميت، بخلاف ما فعله في الحياة بأمر مستخلِفه، فإنه يُضاف إلى من استخلَفه لا إليه. فأين هذا من هذا‍!؟

ولم يقل أحد من العقلاء: إن من استخلَف شخصاً على بعض الأمور. وانقضى ذلك الاستخلاف: إنه يكون خليفة بعد موته على شيء، ولكن الرافضة من أجهل الناس بالمعقول والمنقول.

فصل

قال الرافضي: الرابع:"أنه صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة مع قصر مدة الغَيْبة، فيجب أن يكون خليفة له بعد موته. وليس غير عليّ إجماعاً، ولأنه لم يعزله عن المدينة، فيكون خليفة [له] بعد موته فيها، وإذا كان خليفة فيها كان خليفة في غيرها إجماعاً".

والجواب: أن هذه الحجة وأمثالها من الحجج الداحضة، التي هي من جنس بيت العنكبوت. والجواب عنها من وجوه:

أحدها: أن نقول على أحد القولين: إنه استخلف أبا بكر بعد موته كما تقدم. وإذا قالت الرافضة: بل استخلف عليًّا. قيل: الراوندية من جنسكم قالوا: استخلف العبّاس، وكل من كان له علم بالمنقولات الثابتة يعلم أن الأحاديث الدالّة على استخلاف أحدٍ بعد موته إنما تدل على استخلاف أبي بكر، ليس فيها شيء يدل على استخلاف عليّ ولا العباس، بل كلها تدل على أنه لم يستخلف واحداً منهما. فيقال حينئذ: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم استخلف أحداً فلم يستخلف إلا أبا بكر، وإن لم يستخلف أحداً فلا هذا ولا هذا.

فعلى تقدير كون الاستخلاف واجباً على الرسول، لم يستخلف إلا أبا بكر، فإن جميع أهل العلم بالحديث والسيرة متفقون على أن الأحاديث الثابتة لا تدل على استخلاف غير أبي بكر، وإنما يدل ما يدل منها على استخلاف أبي بكر. وهذا معلوم بالاضطرار عند العالم بالأحاديث الثابتة.

الوجه الثاني: أن نقول: أنتم لا تقولون بالقياس، وهذا احتجاج بالقياس، حيث قستم الاستخلاف في الممات على الاستخلاف في المغيب. وأما نحن إذا فرضنا على أحد القولين فنقول: الفرق بينهما ما نبّهنا عليه في استخلاف عمر في حياته، وتوقفه في الاستخلاف بعد موته، لأن الرسول في حياته شاهد على الأمة، مأمور بسياستها بنفسه أونائبه، وبعد موته انقطع عنهمالتكليف.

كما قال المسيح:} وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ {[سورة المائدة: 117] الآية، لم يقل: كان خليفتي الشهيد عليهم. وهذا دليل على أن المسيح لم يستخلف، فدل على أن الأنبياء لا يجب عليهم الاستخلاف بعد الموت.

وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"فأقول كما قال العبد الصالح:} وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ {[سورة المائدة: 117].

وقد قال تعالى:} وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ {[سورة آل عمران: 144].

فالرسول بموته انقطع عنهمالتكليف، وهولواستخلف خليفة في حياته ثم يجب أن يكون معصومًا، بل كان يولّي الرجل ولايةً، ثم يتبين كذبه فيعزله، كما ولَّى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهولواستخلف رجلاً لم يجب أن يكون معصوماً، وليس هوبعد موته شهيداً عليه، ولا مكلَّفاً بردّه عما يفعله، بخلاف الاستخلاف في الحياة.

الوجه الثالث: أن يُقال: الاستخلاف في الحياة واجبٌ على كل وليّ أمر؛ فإن كل ولي أمر - رسولاً كان أوإماماً - عليه أن يستخلف فيما غاب عنه من الأمور، فلا بد له من إقامة الأمر: إما بنفسه، وإما بنائبه. فما شهده من الأمر أمكنه أن يقيمه بنفسه، وأما ما غاب عنه فلا يمكنه إقامته إلا بخليفة يستخلفه عليه، فيولّي عَلَى مَنْ غاب عنه مِن رعيته مَنْ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأخذ منهم الحقوق، ويقيم فيهم الحدود، ويعدل بينهم في الأحكام، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، فيولِّي الأمراء على السرايا: يصلّون بهم، ويجاهدون بهم، ويسوسونهم، ويؤمِّر أمراء على الأمصار، كما أمّر عتاب بن أسيد على مكة، وأمّر خالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد العاص وأبا سفيان بن حرب ومعاذاً وأبا موسى على قرى عُرينة وعلى نجران وعلى اليمن، وكما كان يستعمل عمالاً على الصدقة، فيقبضونها ممن تجب عليه، ويعطونها لمن تحلّ له، كما استعمل غير واحد.

وكان يستخلف في إقامة الحدود، كما قال لأنيس:"يا أُنَيْس، اغد على امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها"فغدا عليها فاعترفت فرجمها.

وكان يستخلف على الحج، كما استخلف أبا بكر على إقامة الحج عام تسع بعد غزوة تبوك، وكان عليّ من جملة رعية أبي بكر: يصلّي خلفه، ويأتمر بأمره، وذلك بعد غزوة تبوك.

وكما استخلف على المدينة مراتٍ كثيرة، فإنه كان كلما خرج في غزاة استخلف. ولما حج واعتمر استخلف. فاستخلف في غزوة بدر، وبني المصطلق، وغزوة خيبر، وغزوة الفتح، واستخلف في غزوة الحديبية، وفي غزوة القضاء، وحجة الوداع، وغير ذلك.

وإذا كان الاستخلاف في الحياة واجباً على متولّي الأمر وإن لم يكن نبياً، مع أنه لا يجب عليه الاستخلاف بعد موته، لكون الاستخلاف في الحياة أمراً ضروريًّا لا يؤدَّى الواجب إلا به، بخلاف الاستخلاف بعد الموت، فإنه قد بلَّغ الأمة، وهوالذي يجب عليهم طاعته بعد موته، فيمكنهم أن يعينوا من يؤمِّرونه عليهم، كما يمكن ذلك في كل فروض الكفاية التي تحتاج إلى واحد معيّن - عُلم أن لا يلزم من وجوب الاستخلاف في الحياة وجوبه بعد الموت.

الرابع: أن الاستخلاف في الحياة واجبٌ في أصناف الولايات، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلف على من غاب عنهم من يقيم فيهم الواجب، ويستخلف في الحج، وفي قبض الصدقات، وحفظ مال الفيء، وفي إقامة الحدود، وفي الغزووغير ذلك.

ومعلوم أن هذا الاستخلاف لا يجب بعد الموت باتفاق العقلاء، بل ولا يمكن، فإنه لا يمكن أن يعيِّن للأمة بعد موته من يتولّى كل أمر جزئي، فإنهم يحتاجون إلى واحدٍ بعد واحد، وتعيين ذلك متعذر، ولأنه لوعيَّن واحداً فقد يختلف حاله ويجب عزله، فقد كان يولّي في حياته من اشتكى إليه فيعزله، كما عزل الوليد بن عقبة، وعزل سعد بن عبادة عام الفتح وولَّى ابنه قيساً، وعزل إماماً كان يصلِّي بقوم لما بصق في القبلة، وولَّى مرة رجلاً فلم يقيم بالواجب، فقال:"أعجزتم إذا ولّيت من لا يقوم بأمري أن تولّوا رجلاً يقوم بأمري"فقد فوّض إليهم عزل من لا يقوم بالواجب من ولاته، فكيف لا يفوض إليهم ابتداءً تولية من يقوم بالواجب؟!

وإذا كان في حياته من يولّيه ولا يقوم بالواجب فيعزله، أويأمر بعزله، كان لوولّى واحداً بعد موته يمكن فيه أن لا يقوم بالواجب، وحينئذ فيحتاج إلى عزله، فإذا ولّته الأمة وعزلته، كان خيرًا لهم من أن يعزلوا من ولاّه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مما يتبين به حكمة ترك الاستخلاف، وعلى هذا فنقول في:

الوجه الخامس: أن ترك الاستخلاف بعد مماته كان أَوْلى من الاستخلاف، كما اختاره الله لنبيه، فإنه لا يختار له إلا أفضل الأمور، وذلك؛ لأنه: إما أن يُقال: يجب أن لا يستخلف في حياته من ليس بمعصوم، وكان يصدر من بعض نوّابه أمور منكرة فينكرها عليهم، ويعزل من يعزل منهم. كما استعمل خالد بن الوليد على قتال بني جذيمة فقتلهم، فَودَاهم النبي صلى الله عليه وسلم بنصف دياتهم، وأرسل عليّ بن أبي طالب فضمن لهم حتى ميلغة الكلب، ورفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء وقال:"اللهم! إني أبرأ إليك مما صنع خالد".

واختصم خالد وعبد الرحمن بن عوف حتى قال صلى الله عليه وسلم:"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لوأنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصفيه"ولكن مع هذا لم يعزل النبي صلى الله عليه وسلم خالدًا.

واستعمل الوليد بن عقبة على صدقات قومٍ، فرجع فأخبره أن القوم امتنعوا وحاربوا، فأراد غزوهم، فأنزل الله تعالى:} إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ {[سورة الحجرات: 6].

وولّى سعد بن عبادة يوم الفتح، فلما بلغه أن سعداً قال:

اليوم يوم الملحمة .. اليوم تستباح الحرمة

عزله، وولى ابنه قيساً، وأرسل بعمامته علامةً على عزله، ليعلم سعد أن ذلك أمرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان يُشْتَكى إليه بعض نوابه فيأمره بما أمر الله به، كما اشتكى أهل قباء معاذًا لتطويله الصلاة بهم، لما قرأ البقرة في صلاة العشاء فقال:"أفتَّان أنت يا معاذ؟ اقرأ سبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، ونحوها".

وفي الصحيح أن رجلاً قال له: إني أتخلّف عن صلاة الفجر مما يطوِّل بنا فلان، فقال:"يا أيها الناس! إذا أمَّ أحدكم فليخفف؛ فإن من ورائه الضعيف والكبير وذا الحاجة، وإذا صلّى لنفسه فليطوّل ما شاء".

ورأى إماماً قد بصق في قبلة المسجد، فعزله عن الإمامة، وقال:"إنك آذيت الله ورسوله".

وكان الواحد من خلفائه إذا أشكل عليه الشيء أرسل إليه يسأله عنه.

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته يعلّم خلفاءه ما جهلوا، ويقوِّمهم إذا زاغوا، ويعزلهم إذا لم يستقيموا. ولم يكونوا مع ذلك معصومين. فعُلم أنه لم يكن يجب عليه أن يولّي المعصوم.

وأيضاً فإن هذا تكليف ما لا يمكن؛ فإن الله لم يخلق أحداً معصوماً غير الرسول صلى الله عليه وسلم. فلوكُلِّف أن يستخلف معصوماً لكُلِّف ما لا يقدر عليه، وفات مقصود الولايات، وفسدت أحوال الناس في الدين والدنيا.

وإذا عُلم أنه كان يجوز - بل يجب - أن يستخلف في حياته من ليس بمعصوم، فلواستخلف بعد موته كما استخلف في حياته، لاستخلف أيضاً غير معصوم، وكان لا يمكنه أن يعلّمه ويقوّمه كما كان يفعل في حياته، فكان أن لا يستخلف خيرًا من أن يستخلف.

والأمة قد بلغها أمر الله ونهيه، وعلموا ما أمر الله به ونهى عنه، فهم يستخلفون من يقوم بأمر الله ورسوله، ويعاونونه على إتمامهم القيام بذلك، إذا كان الواحد لا يمكنه القيام بذلك، فما فاته من العلم بيّنه له من يعلمه، وما احتاج إليه من القدرة عاونه عليه من يمكنه الإعانة، وما خرج فيه عن الصواب أعادوه إليه بحسب الإمكان بقولهم وعملهم، وليس على الرسول ما حُمِّلوه، كما أنهم ليس عليهم ما حُمِّل.

فعُلم أن ترك الاستخلاف من النبي صلى الله عليه وسلم بعد الموت أكمل في حق الرسول من الاستخلاف، وأن من قاس وجوب الاستخلاف بعد الممات على وجوبه في الحياة كان من أجهل الناس.

وإذا عَلٍمَ الرسول أن الواحد مِنَ الأُمَّة هُوَ أَحَقُّ بِالْخِلاَفَةِ، كما كان يعلم أن أبا بكر هوأحق بالخلافة من غيره، كان في دلالته للأمة على أنه أحق، مع علمه بأنهم يولُّونه، ما يغنيه عن استخلافه، لتكون الأمة هي القائمة بالواجب، ويكون ثوابها على ذلك أعظم من حصول مقصود الرسول.

وأما أبوبكر فلما علم أنه ليس في الأمة مثل عمر، وخاف أن لا يولُّوه إذا لم يستخلفه لشدته، فولاّه هو- كان ذلك هوالمصلحة للأمة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عَلِمَ أن الأمة يولُّون أبا بكر، فاستغنى بذلك عنْ توليَتِه، مَع دلالته لهم عَلَى أنه أحق الأمة بالتولية. وأبوبكر لم يكن يعلم أن الأمة يولُّون عمر إذا لم يستخلفه أبوبكر. فكان ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم هواللائق به لفضل علمه، وما فعله صدِّيق الأمة هواللائق به إذ لم يعلم ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم.

الوجه السادس: أن يقال: هب أن الاستخلاف واجب، فقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، على قول من يقول: إنه استخلفه، ودلّ على استخلافه على القول الآخر.

وقوله:"لأنه لم يعزله عن المدينة".

قلنا: هذا باطل؛ فإنه لمّا رجع النبي صلى الله عليه وسلم انعزل عليٌّ عند رجوعه، كما كان غيره ينعزل إذا رجع. وقد أرسله بعد هذا إلى اليمن، حتى وافاه الموسم في حجة الوداع، واستخف عَلَى المدينة في حجة الوداع غيره.

أفترى النبي صلى الله عليه وسلم فيها مقيماً وعليّ باليمن، وهوخليفة بالمدينة؟!

ولا ريب أن كلام هؤلاء كلام جاهل بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، كأنهم ظنّوا أن عليًّا ما زال خليفة عَلَى المدينة حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعلموا أن عليًّا بعد ذلك أرسله النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع مع أبي بكر لنبذ العهود، وأمَّر عليه أبا بكر. ثم عند رجوعه مع أبي بكر أرسله إلى اليمن، كما أرسل معاذًا وأبا موسى.

ثم لما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع استخلف عَلَى المدينة غير عليٍّ، ووافاه عليّ بمكة، ونحر النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة، نحر بيده ثُلُثيها، ونحر علي ثلثها.

وهذا كله معلوم عند أهل العلم، متفق عليه بينهم، وتواترت به الأخبار، كأنك تراه بعينك. ومن لم يكن له عناية بأحوال الرسول لم يكن له أن يتكلم في هذه المسائل الأصولية.

والخليفة لا يكون خليفة إلا مع مغيب المستخلف أوموته. فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالمدينة امتنع أن يكون له خليفة فيها، كما أن سائر من استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع انقضت خلافته. وكذلك سائر ولاة الأمور: إذا استخلف أحدهم على مصره في مغيبه بطل استخلافه ذلك إذا حضر المستخلِف.

ولهذا لا يصلح أن يُقال: إن الله يستخلف أحداً عنه، فإنه حيٌّ قيوم شهيد مدبّر لعباده، منزّه عن الموت والنوم والغَيْبة.

ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله. قال: لست خليفة الله، بل خليفة رسول الله، وحسبي ذلك.

والله تعالى يوصف بأنه يخلف العبد، كما قال صلى الله عليه وسلم:"اللهم! أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل". وقال في حديث الدجَّال:"والله خليفتي على كل مسلم".

وكل من وصفه الله بالخلافة في القرآن فهوخليفة عن مخلوق كان فيه.

كقوله:} ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم {[سورة يونس: 14]،} وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ {[سورة الأعراف: 69]،} وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ {[سورة النور: 55].

وبذلك قوله:} إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً {[سورة البقرة: 3]، خليفة عن خلقٍ كان في الأرض قبل ذلك، كما ذكر المفسرون وغيرهم.

وأما ما يظنه طائفة من الاتحادية وغيرهم أن الإنسان خليفة الله، فهذا جهل وضلال.

(المرجع: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، 7/ 325 - 353).

فكلما آتيك بمصدر وشرحه معه تقول اين (المصارد) عفوا اين المصادر !!!!!!!!!!!

وها أنا اتيت لك بجميع المصادر والشروحات والتأويلات بسنده وتحليلها فأختر انت ماشئت منها

وعجبي على تلميذ صاحب البالتوك الذي يتبجح منه لحد الآن لم يأتي لي مايثبت ادعائه (فقط المجادلة والاعتراض والتسويف وووووووو؟)