الإخوة من أهل السنة يتمسكون كثيرا بآية الجمعة والآيات المماثلة لها مما عطفت فيها الحكمة على الكتاب، ومبنى حجتهم كلها قائم على وجود العطف وأنه بين متغايرين، ما يعني أن الحكمة ليست هي الكتاب، وإن لم تكن الكتاب فهي السنة. ولا دليل لهم إلا هذا: العطف يفيد التغاير، إذن الحكمة غير الكتاب، فإذن الحكمة هي السنة.
لو عدنا لأصل الموضوع، لوجدناه في الخلاف المعروف حول مسألة الترادف في اللغة، فمن يرفضون أصل الترادف في اللغة وبالتالي في الكتاب الكريم، يقررون كتحصيل حاصل أن العطف لا يكون إلا بين متغايرين، في اللغة وفي الكتاب، لأنهم يعتبرون العطف بين مترادفين من العبثية اللفظية التي يتعالى الله عنها، إذن لا يكون العطف عندهم في الكتاب الكريم إلا بين متغايرين.
أصحاب الموقف الآخر الذين يثبتون وجود الترادف في أصل اللغة، تجدهم كتحصيل حاصل يجيزون عطف الشيء على مثله. لكن حين ينتقلون بقضية الترادف من اللغة إلى الكتاب تجد أنهم يختلفون حول وجود الترادف في الكتاب رغم اتفاقهم على وجوده في اللغة، فمنهم من يقول بعدم وجود الترادف في الكتاب الكريم، ومنهم من يقول بوجود الترادف فيه، وهؤلاء الذين يقولون بوجود الترادف في الكتاب تجدهم كتحصيل حاصل يقولون بجواز عطف الشيء على مثله في الكتاب الكريم وأن العطف لا يعني بالضرورة عطف بين متغايرين، ثم يوردون مواضع كثيرة من كتاب الله العطف فيها ليس بين متغايرين لأنه من باب عطف الشيء على مثله. إذن هناك من يقول بوجود العطف بين متماثلين في الكتاب الكريم. أين نجد تقرير هذا الأمر؟ عند القرآنيين؟ لا، بل نجده في الإتقان في علوم القرآن للسيوطي الذي هو أحد المراجع المعتمدة لدى أهل السنة. فأهل السنة هم من نجد لديهم القول بجواز عطف الشيء على مثله في الكتاب وأن العطف ليس بالضرورة بين متغايرين (انظر الاتقان ج5 ص1667 ط مجمع الملك فهد). أما القرآنيون فيقررون أن لا ترادف في كتاب الله، لأنه أحد المداخل المؤسسة لقراءتهم وفهمهم للكتاب. وبالتالي فتحصيل حاصل عندهم أن العطف لا يكون إلا بين متغايرين. إذن فالإخوة الذين تحدثوا عن أن العطف لا يكون إلا بين متغايرين عند أهل السنة، فاتهم أن أهل السنة لا يقولون بذلك، لأنه جائز عندهم العطف بين مترادفين. فليكن هذا واضحا.
لنأت الآن للآية محل الاحتجاج على حجية السنة، يقول تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (الجمعة/2)
وهذه الآية ليست هي الوحيدة التي تعطف الحكمة فيها على الكتاب. يقرر الأخ عمر أيوب صاحب الموضوع
اقتباس:
|
نحن _ اهل السنة _ نقول ان الحكمة هنا هي شيء ليس ضمن الكتاب نظرا لوجود واو العطف
|
إذن فنطرا لوجود واو العطف قرر أنهم كأهل سنة يقولون بأن الحكمة ليست وحسب غير الكتاب بل ليست ضمنه أيضا. لكن الأخ لا يخبرنا كيف استنتج ذلك من مجرد وجود واو العطف. "المعلوم" أن واو العطف تفيد التغاير، وأن العطف لا يكون إلا بين متغارين، وهذا "المعلوم" هو ما أسس عليه الإخوة حجية السنة في آية الجمعة، وقد تبين لنا أن هذا "المعلوم" ليس معلوما لدى أهل السنة، لأنهم يجيزون أن يكون العطف بين مترادفين وأنه لا يكون بالضرورة بين متغايرين. لكن لنتجاوز هذه المسألة ولنفترض أن أهل السنة مجمعون فعلا على ذلك "المعلوم" الذي يفيد أن العطف لا يكون إلا بين متغايرين، لنفترض ذلك، الآن كيف استنتج الأخ من مجرد هذا "المعلوم" أن الحكمة ليست وحسب غير الكتاب، بل هي أيضا خارج الكتاب وليست متضمنة فيه. مجرد العطف يفيد التغاير لا أكثر، فمن أين أتى الأخ باستنتاجه أن الحكمة ليست غير الكتاب وحسب بل ايضا ليست ضمن الكتاب من مجرد العطف؟
هل قال أهل اللغة أو أهل السنة بأن مجرد العطف يفيد عدم التضمن؟ بمعنى هل قالوا أن عطف الشيء على آخر يعني بالضرورة أن احدهما لا يمكن أن يكون جزءا متضمنا في الآخر؟ لا، لا أهل السنة قالوا بهذا، ولا أهل اللغة قالوا به. لأنهم جميعا يقررون أن العطف بين متغايرين يأتي بصور عديدة منها عطف الخاص على العام، أي جزء على كل، والخاص/الجزء متضمن ضرورة في العام/الكل. بمعنى أن أهل السنة قرروا أن العطف قد يكون بين متغايرين أحدهما متضمن في الآخر. فمن أين قرر الأخ أن الحكمة ليست ضمن الكتاب بمجرد دليل العطف وحده؟ العطف وحده ليس دليلا كافيا، لأنه قد يكون عطف خاص على عام، وهذا ما يقول به القرآنيون هنا في عطف الحكمة على الكتاب، وهو ما يقول به أهل السنة في آيات كثيرة أخرى. وليخبرني الأخ كيف يجيز أهل السنة عطف التغاير من باب عطف الخاص على العام في آيات كثيرة وحين يأتون لآيات عطف الحكمة على الكتاب يمنعون أنه كذلك عطف تغاير من باب عطف خاص على عام؟ لماذا اختلف الأمر في هذه الآيات؟ هل لأن مجرد العطف هنا يفيد أن الحكمة لا يمكن أن تكون جزءا من الكتاب، أم أن هذه نتيجة قررها أهل السنة مسبقا؟ حين يقول القرآنيون أن عطف الحكمة على الكتاب هنا هو عطف بين متغايرين من باب عطف الخاص على العام، فهذا ليس غريبا في كتاب الله، وأهل السنة لا ينكرون ذلك، فلماذا أنكروها هنا مع أنه جائز القول بها طبقا لقواعد اللغة التي يطبقونها هم أنفسهم في آيات اخرى كثيرة. لماذا يطبقون القواعد هناك ويعطلونها هنا ويرفضون حتى النظر في مجرد جواز تطبيقها؟ أليس الجواب واضحا؟!