أقوال سيدنا علي في تَيْسير فَهْمِ القُرْآن
ذهبت طائفة من المسلمين إلى أن القُرْآن الكريم بعيدٌ معناه عن فهم البشر لا يدركه إلا النبيُّ الخاتم والإمام المعصوم.
وهذا رأيٌ غير سديدٍ وظاهر البطلان يخالف دعوةَ الله تعالى عباده إلى التفكُّر في القرآن ليعلموا أنَّه الحقُّ من ربِّهم، ويُضَادُّ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك
كما رواه عنه عليُّ بن أبي طالب عليه السلام:
فأما دعوة الله تعالى فتجدها في قوله العزيز:
((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)) [القمر:17-22-32-40].
وقوله تعالى: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)) [ص:29].
وقوله عزَّ شأنه: ((أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)) [النساء:82].
ومثله قوله تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:24].
وأما حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد رواه
"الحارِثُ الأعْوَرُ"
عن عليٍّ عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كما يلي:
«عن الحارِثِ الأعْوَرِ قالَ:
مَرَرْتُ فِي المَسْجِدِ فَإِذَا النّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ
فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ، فَقلت:
يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَلاَ تَرَى النّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الأحَادِيْثِ؟
قالَ: وقد فَعَلُوهَا؟
قلت: نَعَمْ،
قالَ: أَمَا إِني قد سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ:
"أَلاَ إِنّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ،
فَقلت: مَا المَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ الله؟
قالَ:
((كِتَابُ الله فِيهِ نَبَأُ مَا كان قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنْ ابَتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلّهُ الله،
وَهُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَهُوَ الذّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الّذِي لاَ تَزِيعُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الألْسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ،
وَلاَ يَخْلُقُ عَلى كَثْرَةِ الرّدّ، وَلاَ تَنْقَضَي عَجَائِبُهُ،
هُوَ الّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتّى قالُوا
((إِنّا سَمِعْنَا قُرْآنَا عَجَبَاً يَهْدِي إِلَى الرّشْدِ فَآمَنّا بِهِ))،
مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ»
( أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح: ج5، باب ما جاء في فضل القرآن، (ص:185)، وجاء مثله في تفسير العياشي (1/3).).
رواه من أهل السنَّة الترمذي والدارمي في سننهما، ومن الإمامية محمد بن مسعود العيَّاشيّ في تفسيره مع اختلافٍ يسيرٍ في ألفاظه.
وفي الحديث ما يدل على أن طائفة من الجنّ قد فهموا القرآن،
حيث علموا أنه: ((يَهْدِي إِلَى الرّشْدِ)) وآمنوا به،
فكيف لا يفهمه البشر وقد نزل القُرْآن بلسانهم؟!
والحديث أيضاً شاهدٌ على أن الذين يطلبون الهدى في غير القرآن فلا يهديهم الله إلى صراطٍ مستقيم،
فهل يجوز أن يُقال الرجوع إلى القُرْآن لطلب الهدى باطلٌ أو عبثٌ بلا فائدة؟!
فالحقُّ أنَّ القُرْآن نزلَ بياناً للناس ليفهموا معالمه وليعرفوا مقاصده، ومع ذلك جائزٌ أن يُقال:
إن لفهم دقائق القُرْآن ومعرفة نكته، درجاتٌ ومراتبٌ، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في أعلى درجته، وعليٌّ عليه السلام في مرتبةٍ ساميةٍ منه،
ولهذا لمَّا سُئِلَ: هل عندكم (أهل البيت)كتاب؟
(أي كتاب خاص بكم) قال:
«لا، إلا كتابُ الله، أو فهمٌ أُعْطِيَهُ رجلٌ مُسْلِمٌ، أو ما في هذه الصحيفة.
قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟...الحديث»
رواه البخاري في صحيحه
(صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، (ج:1) (باب كتابة العلم)، (ص:38).)،
ورواه الكاشاني في تفسيره ولفظه:
«إلاّ أنْ يُؤْتِيَ اللهُ عبْدَاً فَهْمَاً في القُرْآنِ»( انظر كتاب الصافي في تفسير القرآن، للفيض الكاشاني، (1/22).).
وهذا يدلٌّ على جواز استخراج العبد المسلم من القُرْآن ما لم يفهمه غيره.
و رُوِيَ أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال:
«مَنْ فَهِمَ القُرْآنَ فَسَّرَ جُمَلَ العِلْمِ»( الصافي في تفسير القرآن، (1/22).).
وعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) عليه السلام:
«ألا أُخْبِرُكُمْ بِالفَقِيْهِ حَقَّاً؟
قَالُوا: بَلَى يَا أمِيْرَ المؤمنين! قَالَ:
مَنْ لمْ يُقَنِّط النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهِمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ في مَعَاصِي اللهِ،
وَلَمْ يَتْرُكْ القُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إلى غَيْرِهِ.
ألا لا خَيْرَ في عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُمٌ، ألا لا خَيْرَ في قِرَاءَةٍ لَيْسَ فيها تَدَبُّرٌ، ألا لا خَيْرَ في عِبِادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَقُّهٌ»
معاني الأخبار، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، (ص:226).
فحاصل الكلام أن القُرْآن الكريم قد نزل مِن عِنْدِ اللهِ جلَّ وَعَلا ليعرفه النَّاسُ ويتدبَّرُوهُ ويَهْتدوا به، فمن كان سَعْيُه في هذا المجالِ أكثرَ، كان حظُّهُ من القُرْآن أوفرَ.
|