عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 2015-12-25, 12:28 AM
اقبال اقبال غير متواجد حالياً
عضو مطرود من المنتدى
 
تاريخ التسجيل: 2015-11-23
المكان: مولنبيك
المشاركات: 49
مصباح مضئ

أبو عبيدة أمارة، المحترم
سؤالك للأسف لا أعترف به للسبب المذكور أعلاه. خذ على سبيل المثال تصريفات العقل في القرآن الكريم، ستجد عند الإستقراء أن المعنى العام غير بعيد عن المعنى اللغوي كما في لسان العرب: الشيء الذي يعقلك من التورط في المهلكة، الدينية كالشرك مثلا، والدنيوية كالفساد مثلا، أي يحبسك. فالتعاليم القرآنية بغض النظر عن التأويل والإختلاف فيه، لا يمكن أن تتعارض مع العقل، لأن تلك التعاليم نفسها جزء لا يتجزأ من بنية تكوين العقل الشرعي الإسلامي؛ ولهذا قلتُ لك: من المستحيل أن يتعارض العقل مع الأساطير عندما نتحدث عن العقل الأسطوري، كما أنه من المستحيل أن يتعارض العقل مع الهندوسية عندما ننطلق من تعريف هندوسي للعقل، أي ذاك التعريف الذي يتبنى الهندوسية كمنطلق مؤسس في بنية العقل.

أما الذي مثّلت به بناء على قطع الهواء عن الإنسان فإنه في نظرية المعرفة والإدراك من العقل المكتسب، والعقل المكتسب، عقل مبني على الإستقراء، أي أنه عقل جدلي بالمفهوم الأرسطي الرشدي، وليس بعقل برهاني.

وعليه أكرر مسألة تعدد العقلانيات فالعقل الجبري يرى في آيات الإختيار إشكالا عويصا مما دفع به إلى صرف تلك الآيات عن ظاهرها، والعقل القدري كذلك هو عقل اضطر إلى صرف آيات توحي بالجبر عن ظاهرها؛ والعقل الكلامي المعتزلي الذي أطلق التوحيد صورة إنما هو العقل الذي تصادم مع ظاهر الآيات فذهب إلى تأويلها، أما العقل الخطابي (الذي يناسب العوام فيتماشى مع الظاهر من العقائد التي قصد الشارع حمل الجمهور عليها، بتعبير ابن رشد)، فيجمع ويرفع التناقضات الظاهرة بقواعد ما، وهكذا..

وإذا تركنا المجال اللاهوتي إلى الباحة السياسية الإجتماعية فإن العقل في هذه الحالة سيكتسي حلة أخرى وبمنطلقات أخرى حيث أن التعددية هي عين العقل في هذا العصر، نتيجة إختلاف وجهات النظر في المصالح (المرسلة) والشروط التطبيقية وتحقيق المناط والسلم والتسامح إلى غير ذلك، فأنا أرى أن الطائفية عين الحمق، بينما يرى الآخر الذي يعقل الأمور السياسية الأجتماعية بعقل ماضوي أن الطائفية لاشيء بتاتا ما عدا ما يسمى "إحقاق الحق وإزهاق الباطل"، فتراه لا يكتفي بالمخالفين في الماضي بل يستحرضهم الآن، ويكوّن لنفسه حضيرة ما تمكنه من ممارسة إجراءات إسقاطية كثيرة فيرى في المخالف فلان سقطة الخوارج، وفي توجه علان تسيب الإرجاء، وفي نَفَسِ الثالث إنحلال الباطنية، وفي نقد الرابع مخربات الزنادقة، وهكذا على هينتك.

لنترك السياسة وإجتماع الناس لنتحدّث عن العلوم الحديثة حيث سنقف على معطيات تتعارض وما في التراث، والتراث يشكل كل فهومات الناس للنص الشرعي بما في ذلك إعمال العقل في إسناد النص وتقييمه إلى جانب الفعل التأويلي، كتأويل آيات تتعلق بالأرض، كالإجماع الذي نقله أبو منصور البغدادي في كتابه أصول الإيمان على أن الأرض ثابته، ومن ذلك أيضا هذه الفتوى التي يقدمها الشيخ فوزان على طبق من ذهب لأهل الطعن في كل ما يمت للإسلام بصلة (انظر الرابط في أسفل المشاركة) .

وفي الحقيقة أيها الفاضل أنا لا أريد أن أدخل معك في التفاصيل، وأكتفي بهذا، وما زلت على جهلي الذي ذكرته لك، وهو أني لم أفهم ما سبب التحدي ذاك، ولا ما مناسبته.

وأخيرا، أود أن أشير إلى بعض المبادئ فيما اصطلح عليه بالعقل الغريزي أو العقل السليم، مثل قانون أو مبدأ عدم التناقض. هل هناك شيء ينسب للشرع يتعارض مع هذا القانون؟ نعم، لكن في نفس الوقت: لا. لماذا؟ لوجود تنوع في التأويل وفي قبول ما وراء القرآن، فأنا قد أرى تعارضا ما بين القرآن وما ينسب للنبي (ص)، لكن يأتي الآخر ويحل الإشكال بإستخدام آليات أخرى مثل النسخ، فقد أرى مثلا التعارض بين (لا إكراه في الدين) و (من بدّل دينه فاقتلوه)، فيأتي الآخر يقحم النسخ في الموضوع ويقول أن تلك الآية منسوخة بآية أخرى، تسمى آية السيف، ويأتي الثاني فيقول لا إكراه في الدين تخص غير المسلم "الأصلي"، ويأتي الثالث فيقول لا إكراه في الدين لأن الدين إيمان والإيمان تقرير وعمل وقناعة فقد تكرهه على الاعتراف والعمل الظاهر فيصير منافقا لكن لن تستطيع ذلك عندما يتعلق الأمر بالقناعة، فعل القلب، وهلم جرا. وبهذه الطريقة أستطيع أن أجمع بين القرآن والفيدا، بين القرآن والأناجيل الحالية، بين القرآن و "ألف ليلة وليلة" ..

تحياتي، وكل عام وانتم بخير، وصل اللهم وسلم علي سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.



__
https://www.youtube.com/watch?v=JKAY6VPgbSQ
رد مع اقتباس