وسائل الشرك التي حذر منها علماء الشافعية حماية لجناب التوحيد<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o:p></o:p>
اعلم ـرحمك الله ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى وحرس جناب التوحيد وحمى التوحيد وسد كل طريق توصل إلى الشرك فإن في سنته - صلى الله عليه وسلم - من الدلائل على قاعدة سد الذرائع الشيء الكثير وأعظم الذرائع التي يجب أن تسد ذرائع الشرك التي توصل إليه ومن تلك الذرائع قول القائل :أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا ونحو ذلك فإن مثل هذه الأقوال فيها من التعظيم الذي لا يجوز أن يواجه به بشر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو سيد ولد آدم كما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - لكن كره المواجهة فحماية النبي - صلي الله عليه وسلم - حمى التوحيد ،وسد طرق الشرك كان في جهة الاعتقادات ومن جهة الأقوال والأفعال ،فإذا تأملت سننه وما جاء عنه وجدت أنه - عليه الصلاة والسلام - سد الباب في الاعتقادات الباطلة وسد الباب في الأفعال الباطلة كقوله : ((اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) وسد الباب أيضاً في الأقوال التي توصل إلى الغلو المذموم فقال :(( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا :عبدالله ورسوله )).<o:p></o:p>
وفي هذا المبحث سنتناول ((وسائل الشرك التي حذر منها علماء الشافعيةحماية لجناب التوحيد )) فعلماء الشافعية ـ رحمهم الله ـ لهم جهود مشكورة في سد منافذ الشرك حماية لجناب التوحيد فقد جاء عن الإمام الشافعي وأتباعه النهي عن ما هو من وسائل الشرك كتجصيص القبور وتعليتها والبناء عليها و الكتابة عليها وإسراجها واتخاذها مساجد والصلاة إليها وتقبيلها ومسحها باليد أو قول ماشاء الله وشاء فلان ....... الخ.<o:p></o:p>
الأمر بتسوية القبور المشرفة مع قرن ذلك بطمس التماثيل: فعن ثمامة بن شُفي -رحمه الله - قال: (كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوى ثم قال:سمعت رسول الله ( يأمر بتسويتها).وعن أبي الهيَّاج الأسدي-رحمه الله- قال: قال لي علي بن أبي طالب:(ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ( ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته). وهكذا فهم الصحابة رضوان الله عليهم الأمر، فسوّوا القبور المشرفة، وأمروا بذلك وصار هذا شعارهم وديدنهم.<o:p></o:p>
فهذا فضالة بن عبيد ( يطبِّق ما سمع ويأمر بتسوية القبر؛ امتثالاً لأمر رسول الله ( بتسويتها، وهذا علي ( يبعث رئيس شرطته أبالهياج الأسدي لطمس القبوركما بعثه رسول الله ( أي أنه يطبِّق ماعرفه وفهمه من أمر رسول الله ( بذلك، وهذا عثمان ( يأمر بتسوية القبور كذلك. قال عبدالله بن شرحبيل بن حسنة -رحمه الله-: (رأيت عثمان ( يأمر بتسوية القبور فقيل له هذا قبر أم عمرو بنت عثمان! فأمر به فسوِّي) وعن عمرو بن شرحبيل قال: (لا ترفعوا جدثي - يعني القبر - فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك)<o:p></o:p>
قال الإمام الشافعي-رحمه الله-: (ولم أرَ قبور المهاجرين والأنصار مجصصة قال الراوي عن طاووس: أن رسول الله ( نهى أن تبنى القبور أو تجصص (قال الشافعي) وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها فلم أرَ الفقهاء يعيبون ذلك).<o:p></o:p>
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ((يكره أن يجصص القبر وأن يكتب عليه اسم صاحبه أو غير ذلك وأن يبنى عليه )) المجموع (5/226)<o:p></o:p>
وقال أيضاً (( ورأيت من الولاة من يهدم ما بني فيها ولم أرى الفقهاء يعيبون عليه ذلك ولأن في ذلك تضييقاً على الناس )) المصدر السابق<o:p></o:p>
وقال:(( وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنه عليه وعلى من بعده من الناس )) المهذب (1/456)<o:p></o:p>
عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه :
لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
قالت : (فلولا ذاك أبرز (1) قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا) رواه البخاري ومسلم <o:p></o:p>
(1) - أي كشف قبره صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ عليه الحائل والمراد دفن خارج بيته كذا في " فتح الباري<o:p></o:p>
معنى اتخاذ القبور مساجد
الأول : الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها
الثاني : السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء
الثالث : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها<o:p></o:p>
أما المعنى الثالث : فقد قال به الإمام البخاري فإنه ترجم للحديث الأول بقوله " باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور "<o:p></o:p>
وجاء في حاشية السندي شرح النسائي:
قوله ( مساجد )
أي قبلة للصلاة يصلون إليها أو بنوا مساجد عليها يصلون فيها ولعل وجه الكراهة أنه قد يفضي إلى عبادة نفس القبر سيما في الأنبياء والأحبار .
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث : " قال الكرماني : مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدا ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومها متغاير ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم "<o:p></o:p>
وأما المعنى الأول والثاني فقد قال ابن حجر الهيتمي في " الزواجر " ( 1 / 121 ) :
"واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه"
فهذا نص منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملا لمعنيين
وجملة القول : أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث يشمل كل هذه المعاني الثلاثة فهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وقد قال بذلك الإمام الشافعي -رحمه 0الله تعالى- في كتابه "الأم" في كتاب الصلاة: (وأكره أن يُبنى على القبر مسجد وأن يسوَّى أو يصلى عليه وهو غير مسوَّى أو يصلى إليه. قال وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله ( قال: ((قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى دينان بأرض العرب)). - قال -: وأكره هذا لِلسنّة والآثار وأنه كره - والله أعلم - أن يعظَّم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده). تأمل قول الشافعي- رحمه الله-: (ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده)، إذن ليست العلة أن في ذلك تضييقاً على المسلمين في مقابرهم فقط ، وإن كان ذلك لازم من اتخاذ مقابر المسلمين العامة مساجد على بعض القبور، وليست العلة الخوف من تنجس الأرض لأن الحكم عام في القبر الذي ابتدِئ حفره كما هو في القبر المنبوش؛ وإنما العلة عند الشافعي-رحمه الله- خشية الفتنة والضلال على من يأتي بعده،وأي فتنة أو ضلال أعظم من أن يعَظَّم المخلوق حتى يُصرَف لقبره من العبادة والتقديس ما لا يليق إلا بالله عز وجل؟!.<o:p></o:p>
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى : (( واتفقت نصوص الشافعية والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهوراً بالصلاح أو غيره لعموم الأحاديث ، قالوا :وتكره الصلاة إلى القبور سواء كان الميت صالحاً أو غيره ، قال الحافظ أبو موسى قال الإمام أبو الحسن الزعفراني رحمه الله: ((ولا يصلي إلى قبر ولا عنده تبركاً به وإعظاماً له للأحاديث والله أعلم ))كتاب الجنائز من المجموع<o:p></o:p>
قالت عائشة( رضي الله عنها ) قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) في مرضه الذي لم يقم منه<o:p></o:p>
(( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا فبور أنبيائهم مساجد ))قالت ((فلولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً ))رواه مسلم (5/12)<o:p></o:p>
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث (( قال العلماء إنما نهى النبي ( صلي الله عليه وسلم ) عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به ، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين - والتابعون إلى الزيادة في مسجد الرسول- صلى الله عليه وسلم - حين كثر المصلون وامتدت الزيادة في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ‘إلى أن أدخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة -رضي الله عنها - مدفن رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) وصاحبيه أبي بكر وعمر-رضي الله عنهما - بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله ، لئلا يظهر فيصلي إليه العوام ، ويؤدى إلى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين ،وحرفوهما حتى التقيا ،حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ،ولهذا قال في الحديث ((ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً والله اعلم بالصواب ))(5/24)<o:p></o:p>
قلت : هذا الكلام من الإمام النووي - رحمه الله- فيه رد على الذين يحتجون بكون قبر النبي - صلي الله عليه وسلم - في مسجده .<o:p></o:p>
قطع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - للشجرة التي بايع تحتها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بيعة الرضوان<o:p></o:p>
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (7/448) ((...أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة فيصلون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت )) قال الحافظ (( وبيان الحكمة في ذلك وهو ألا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها نفعاً أو ضراً كما نراه اليوم مشاهداً فيما هو دونها ،وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله ((كانت رحمة )) أي كان إخفاؤها عليهم رحمة من الله تعالى ))(6/118)<o:p></o:p>
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في كلامه على حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما: (وكأنه علم أنه مرتحل فخاف أن يعظَّم قبره كما فعل من مضى فلعنَ اليهود والنصارى إشارة الى ذم من فعل فعلهم) فتح الباري(1/532).
ويناسب هذا المقام ما ذكره الإمامان النووي وابن حجر في شرحهما على الصحيحين في الكلام على قصة موت موسى (، وسؤال ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة.
قال النووي -رحمه الله -: (قال بعض العلماء: وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن يكون قبره مشهوراً عندهم فيفتتن به الناس) شرح مسلم (15/128).<o:p></o:p>
وقال ابن حجر:(لكن حكى ابن بطال عن غيره أن الحكمة في أنه لم يطلب دخولها ليُعمِّي موضع قبره لئلا يعبده الجهال من أمته) الفتح(3/207).
من هذه النقول الثلاثة يتبين ما فهمه العلماء من أحاديث النهي عن اتخاذ المساجد على القبور؛ وهو خشية التعظيم المفضي إلى عبادتها كما حصل للأمم السابقة بغلوها في أنبيائها وصالحيها إلى أن عبدتهم من دون الله،وتحولت القبورية إلى وثنية وشرك، أجار الله أمة محمد من ذلك.
وقال العلامة ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى- في شرح عمدة الأحكام في حديث عائشة وقوله ((بنوا على قبره مسجداً)) إشارة الى المنع من ذلك وقد صرح به الحديث الآخر: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد).
يتبع....