
2025-08-13, 12:31 PM
|
|
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
|
|
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 3,124
|
|
من صفات الدين الحقّ / إعداد: الدكتور أحمد محمد زين المنّاوي/ق2
من صفات الدين الحقّ
إعداد: الدكتور أحمد محمد زين المنّاوي
القسم الثاني
سابعًا: الدين الحق تعاليمه متصلة السند بالنبي المُرسل
الحكمة الإلهيّة تقتضي تزويد الإنسان بطريق الهداية إلى الله تعالى، غير طريق الحسّ والعقل لقصورهما وعدم قدرتهما بذاتهما على معرفة طريق الهداية إلى الله بكلِّ أبعاده وتفاصيله. فكانت الحاجة إلى طريق آخر غير الحسّ والعقل، وهذا الطريق هو طريق الوحي والنُّبوَّة. وعلى مدى تاريخ البشر، من لدن آدم –عليه السلام- وحتى مُحمَّد –صلى اللَّه عليه وسلّم-، اختار اللَّه عزّ وجلّ أنبياء واجتباهم وأرسلهم إلى الناس ليخرجوهم من ظلمات الشرك إلى نور الهداية والتوحيد، ففيهم المثل الأعلى، والقدوة الحسنة، التي تهدف إلى تربية الناس على الخير الخالص بما تقول وبما تفعل. ولذلك كان لابد للدين الحق أن يبلّغه نبي مُرسل، ولابد أن تكون تعاليم هذا الدين متصلة السند بذلك النبي، إذ إن اتصال السند شرط أساسي للتأكد من أن تعاليم هذا الدين وتشريعاته من عند الله عزّ وجلّ، ولم تصل إليها يد البشر فتخرجها عن إطارها الرباني. ومن أخطر الخطر أن يعبد الإنسان ربّه بشيء لا يدري مصدره النهائي، أو غير متأكّد منه.
ومن بين جميع الأديان التي يدين بها سكان العالم اليوم، فإن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تتصل تعاليمه وتشريعاته بسند صحيح إلى النبي المُرسل، وهو مُحمَّد –صلى الله عليه وسلم-. فالقرآن الذي بين أيدينا اليوم، وهو دستور الإسلام، ظل يتوارثه الحُفَّاظ عبر الأجيال، في الصدور وفي السطور، من خلال أسانيد موثوق بها ومتَّصلة بالنبيّ –صلى اللَّه عليه وسلّم-. وفي ذلك، يقول المستشرق موير: "إنَّ المصحف الذي جمعه عثمان –رضي اللَّه عنه- قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حُفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يُذكر، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها، والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يُعدّ أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا".
وفي المقابل، فإنك لا تجد أي دين آخر من الديانات التي ينتمي أهلها إلى نبي من الأنبياء، له سند متصل بذلك النبي. وعلى سبيل المثال، فإن الإنجيل الذي قد جاء به المسيح عيسى ابن مريم- عليه السلام- لم يُكتب في عهده، وإنما كانت كتابته بعد ما يُقارب 300 عامًا من رسالته، ومن ثم تعدّدت الأناجيل مع ما بها من اختلافات وتناقضات، وتعرّضت للمراجعات والتنقيحات، حتى أصبح لدينا اليوم أكثر من ستة آلاف إنجيل مختلف. ولم يتوقَّف الأمر عند هذا الحد، فمع مرور الوقت تعجز نصوص الإنجيل المحرَّفة أصلًا عن مواكبة التطورات والأحداث، فيعمد إليها النصارى من حين إلى آخر بمزيد من التنقيح والتحريف.
أما التوراة، وهي الكتاب الذي أنزله اللَّه –سبحانه وتعالى– على موسى –عليه السلام-، وقد نزل باللغة الهيروغليفية، وهي لغته ولغة بني إِسرائيل في مصر في ذلك الزمان، أي قبل نشأة اللغة العبرية بأكثر من مائة سنة، إِذ العبرية – في الأصل– لهجة كنعانية. والسؤال: أين هي التوراة التي نزلت على موسى بالهيروغليفية؟ فهل لها أي وجود أو أثر في التراث الديني اليهودي؟ الجواب الذي يُجمع عليه اليهود: أنه لا وجود لهذه التوراة. والأمر الأهم من ذلك، هو أن التوراة نزلت على موسى –عليه السلام- بالهيروغليفية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، بينما حدث أوّل تدوين لأسفار العهد القديم، وفي مقدمتها أسفار موسى الخمسة، على يدي "عزرا"، أي في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وبعد عودة اليهود من السبي البابلي (597 – 538 ق. م)، الأمر الذي يعني أن التراث اليهودي قد ظل تراثًا شفهيًا ومتقطّع السند لمدة ثمانية قرون، عبد خلالها بنو إِسرائيل الأوثان، وانقلبوا فيها على أنبيائهم في الكثير من الأحيان فقتلوهم.
وقد أخبرنا الله عز وجلّ في آيات القرآن عن تحريف اليهود للتوراة، وتحريف النصارى للإنجيل، وطالبهم بأن يتّبعوا رسوله مُحمَّد –صلى اللَّه عليه وسلّم- والكتاب الذي أنزل عليه وهو القرآن الكريم:
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُوْلُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيْرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُوْنَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوْ عَنْ كَثِيْرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُوْرٌ وَكِتَابٌ مُبِيْنٌ (15) يَهْدِيْ بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوْرِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيْهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ (16)} [المائدة]
إن القرآن الكريم، دستور الإسلام، هو الكتاب الوحيد الذي تكفّل اللَّه عزّ وجلّ بحفظه من أي تحريف أو تغيير أو تبديل. ومن واقع إيماننا الراسخ بقول ربنا عزّ وجلّ:
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر]،
فإننا على يقين تام واعتقاد جازم بأن القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم لا يختلف في شيء من مضمونه ولا نظمه وترتيبه عمّا هو عليه في اللَّوح المحفوظ، وأن كل آية وكل كلمة في القرآن الكريم الذي بين أيدينا الآن نزل بها الوحي من عند الله عزّ وجلّ.
والسؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن: لماذا لم يتكفّل اللَّه عز وجل بحفظ الكتب الأخرى؟ إذا تأمّلت جميع الكتب التي نزلت قبل القرآن الكريم، وفي مقدمتها التوراة والإنجيل، كانت خاصة بأمّة من الأمم، أو زمان من الأزمنة، ولم يُرد اللَّه عزّ وجل لها الخلود والدوام، بل أراد من هذه الكتب أن تكون مصدر إرشاد وتعليم لفترة من الزمن ولفئة من البشر، وما فيها من أحكام كانت ملبية لاحتياجات تلك الفترة الزمانية، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
(أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحد قبلي.. وذكر منها "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة). (رواه البخاري).
ويفهم من ذلك أن بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- للناس كافة، وأن كل الأديان السماوية السابقة منسوخة بالإسلام، ومن عرفه ولم يؤمن به فهو هالك، ولا ينفعه إيمانه بالأنبياء السابقين. فالأديان السابقة جميعها كانت محدودة الزمان والمكان والمحتوى، ولذا روي عن المسيح عليه السلام قوله: "لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة". (إنجيل متى 15-21). وفي المقابل، يقول اللَّه عزّ وجلّ في القرآن مخاطبًا عبده ونبيه مُحمَّدًا -صلى الله عليه وسلم-:
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيْرًا وَنَذِيْرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُوْنَ (28)} [سبأ].
ولذلك حفظ اللَّه عز وجل القرآن الكريم، دون غيره من الكتب، لأنه دستور الدين الحق الذي ارتضاه للناس جميعًا، وهو الدين الأشمل والأكمل والأتم، فلا دين بعد الإسلام، ولا كتاب بعد القرآن.
ثامنًا: الدين الحق لا يفرّق بين رسل اللَّه
الأنبياء والرسل هم خير الخلق وأفضلهم، لأنهم رسل اللَّه وخاصته، أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه، والواسطة بينه وبين خلقه في تبليغهم شرعه ومراده من عباده. وشرف الرسول من شرف الذي أرسله وشرف الرسالة التي يحملها. ويكفي من فضلهم على سائر البشر أن اللَّه عزّ وجلّ اختصهم بوحيه، وجعلهم قدوة وأئمة لعباده، فلا أحد يصل إلى ربه إلا من طريقهم، ولا أحد يدخل جنته إلا من خلفهم، فهم أكثر البشر فضلًا على البشر. ولذلك كان لابد للدين الحق أن يحترم الأنبياء والرسل ولا ينقص من قدرهم، وأن لا يُفرّق بين أحد منهم لأنهم جميعًا رسل اللَّه اصطفاهم ورباهم وأدّبهم وأرسلهم إلى الناس.
وإذا تأمّلت هذا المبدأ، فستجد أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يدعو للإيمان بجميع الرسل، وبما أُنزل عليهم من كتب. وعلى النقيض من ذلك، تجد الكتاب المقدس للنصرانية –على سبيل المثال- يصف الأنبياء بالدموية والوحشية، وينسب إلى نبي الله داود –عليه السلام-، ارتكابه للزنا مع وصفٍ لأحداث تلك الفاحشة المنكرة بالتفصيل وبألفاظ نتعفّف عن ذكرها. كما نسبت النصرانية إلى نبي الله داود –عليه السلام-، أنه قد تسبّب بأساليب ماكرة شريرة في قتل أحد الأشخاص من أجل ممارسة الزنا مع زوجته، كما نسبت له أيضًا، أنه كان يرقص عاريًا. ونسبت النصرانية إلى نبي الله سليمان –عليه السلام- أنه عَبَدَ آلهة أخرى في آخر حياته. إلى غير ذلك مما قد نسبته النصرانية إلى أنبياء الله ورسله، من افتراءات وأكاذيب. وبشكل عام، فإن اللغة المستخدمة في الأناجيل لغة بغيضة إلى النفس، لغة الدرك الأسفل من حضارة المدن، حيث لا يمكن لعقل رشيد أن يتقبلها على أنها وحي من عند الله عزّ وجلّ.
أما اليهودية، فلم تكتفِ بتكذيب نبوة عيسى –عليه السلام-، بل زعمت بأنه ابن زنا، وُلِد بُغية، ونسبت أمه مريم –عليها السلام- إلى الفجور، وإلى غير ذلك من الافتراءات. ومن هنا يمكنك أن ترى صورة متناقضة تمامًا لنبي اللَّه عيسى –عليه السلام- في الديانتين اليهودية والنصرانية، حيث أنزله اليهود إلى حضيض الجُناة، ورفعه النصارى إلى مقام الألوهية، وكلاهما على باطل.
وبما أن أن الإسلام هو دين اللَّه الحق، فقد جاء مُناقضًا لما قد نسبته النصرانية واليهودية إلى أنبياء الله ورسله، ومُدافعًا عنهم، مما قد نُسب إليهم من ادّعاءات كاذبة وافتراءات باطلة، ومؤكدًا أن اللَّه عز وجل قد أرسل أنبيائه ورسله ليكونوا مصابيح هدى، يهتدي الناس بهم إلى الله تعالى عن طريق الاقتداء بهم وبأخلاقهم وأفعالهم، والانتهاج بمنهجهم الربّاني. وقد أنزل الإسلام جميع الرسل والأنبياء منازلهم، ووصفهم بما يليق بهم، حيث نجد أن القرآن الكريم يُبجّل المسيح عليه السلام ويُكرمه كأحد أولي العزم من الرسل، أجرى الله تعالى على يديه الكثير من المعجزات كغيره من الأنبياء، تأييدًا لدعوته ورسالته، ويكرّم أمّه السيدة مريم العذراء –عليها السلام-، ويبرّئها مما قد لحق بها ونسبته إليها اليهود من الفحش والبغاء.
والقرآن هو الكتاب الوحيد الذي يُكرم أنبياء الله تعالى ورسله دون تمييز، ويحفظ لهم منزلتهم الرفيعة، ويشيد بأعمالهم وأخلاقهم السامية، ويدعو الناس للاقتداء بهم، ويدفع عنهم الشبهات التي لحقت بهم من أقوامهم. وقد اشتمل القرآن على قصّة 24 رسولًا مع أممهم وأقوامهم، ولذلك تكرّرت أسماؤهم في القرآن أكثر من 500 مرّة. { مُوسَى } –عليه السلام- ورد ذكره في القرآن 136 مرّة، و { عِيْسَى } –عليه السلام- ورد ذكره 25 مرّة، وورد لقبه { الْمَسِيْح } في القرآن 11 مرّة، بينما تكرّر اسم { مُحمَّد } –صلى الله عليه وسلّم- في القرآن 4 مرّات وورد مرّة واحدة باسم { أَحْمَد }.
وفي ذلك كله دليل واضح على أن الإسلام، ودستوره القرآن، يقوم على مبادئ سامية تنبذ العصبية العمياء، وتدعو إلى احترام رسل اللَّه جميعهم، والإيمان بهم وبما أُنزل عليهم من كتب؛ بل إن المسلم لا يكتمل إيمانه إلا بهذا المبدأ، وهو ما لا يوجد في أي ديانة أخرى غير الإسلام. وقد جاء ذلك صريحًا في أكثر من موضع في القرآن، منها قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
{ قُوْلُوْا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيْلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوْتِيَ مُوْسَى وَعِيْسَى وَمَا أُوْتِيَ النَّبِيُّوْنَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُوْنَ (136)}
{ آمَنَ الرَّسُوْلُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُوْنَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوْا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيْرُ (285)}.
إذًا، وبنص القرآن الكريم، فإن المسلم مطالب بالإيمان بعيسى ابن مريم –عليه السلام- وأن هناك كتابًا اسمه الإنجيل أُنزل عليه، كما أنه مطالب بالإيمان بموسى –عليه السلام- وأن هناك كتابًا اسمه التوراة أُنزل عليه، ولكنه في الوقت نفسه، مطالب بالإيمان بأن النصارى قد حرّفوا الإنجيل وبدّلوه، وأن اليهود قد حرّفوا التوراة وأضاعوها، وأن التوراة والإنجيل الموجودة الآن بين أيدي اليهود والنصارى، أو ما يعرف عندهم بالعهدين القديم والجديد، محرفة مبدّلة، وليست كلام اللَّه، ولا كتاب اللَّه، وأنهما مليئتان بالأكاذيب والأباطيل، وأنه لا يجوز الإيمان بهما، أو التعبّد بمقتضاهما؛ لأن البديل عنهما هو القرآن، الصحيح الثابت المحفوظ، الباقي حتى قيام الساعة.
تاسعًا: الدين الحق يخلو من التعارض والتناقض
مع تقدم معرفة البشر وفهمهم، فإنهم لا يزالون يرتكبون الأخطاء، ولا تزال جميع الدساتير والتشريعات والأنظمة التي يضعها البشر في جميع الأزمنة والعصور تحتاج بشكل مستمر إلى التصحيح والتنقيح والتغيير كلما ظهر للناس عيوبها وأخطاؤها وتبعاتها السلبية. ويقول القاضي الفاضل أستاذ العلماء البلغاء عبد الرحيم بن علي البيسانيّ وهو يعتذر إلى العماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه: "إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا؟ وها أنا أخبرك به وذلك أني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتابًا في يومهِ إلا قال في غَدِهِ: لو غُيَّر هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحَسن، ولو قُدَّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل.. وهذا أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
وبما أن الدين الحق هو دين الخالق المعبود، المتّصف بصفات الكمال كلها، والذي يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، فلابد لهذا الدين أن يكون خاليًا من التعارض والتناقض. وأي دين يحوي متناقضات ومتعارضات وغير مطابق للواقع، فليس هو الدين الحق المنزّل من عند عالم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى، وإنما هو دين بشري من كلام البشر، أو دين سماوي دخلته أيدي البشر فأخرجته عن إطاره الرباني، فالبشر أخبارهم قد توافق الواقع وقد تخالفه.
وأيّ دين يحوي مطابقة بعض أخباره المستقبلية للواقع دون بعض فهو من كلام البشر، فالبشر قد يتنبأون بالشيء فيحدث وقد لا يحدث، وأيّ دين يحوي موافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض فهو دين بشري من كلام البشر؛ لأن كلام البشر قد يتوافق مع المعقول وقد يختلف، وأيّ دين يناقض بعضه بعضًا فهو من كلام البشر، فدين الله الحق منزّه عن التناقضات. وإجمالًا، فإن كل دين ليس من عند الله عزّ وجلّ لا يخلو عن تناقض واختلاف. وصدق اللَّه القائل في القرآن:
{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُوْنَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوْا فِيْهِ اخْتِلَافًا كَثِيْرًا (82)} [النساء]
ولو كان القرآن الكريم ليس من عند الله، فستكون هناك حتمًا اختلافات وتناقضات وأوجه قصور عبر العصور.
بينما نجد أن الأديان البشرية أو الشركية أو المحرّفة، وفي مقدمتها اليهودية والنصرانية، جميعها مليئة بالتناقضات والتعقيدات، نجد أن الإسلام رسالة عالمية واضحة لا تعارض فيها ولا تناقض، ولا غموض فيها ولا أسرار، رسالة عالمية يسيرة مُيسِّرة، صالحة لكل زمان ومكان. وجميع الشبهات التي أثارها الملحدون أو أصحاب الديانات الأخرى، بأن هناك تناقضات في القرآن الكريم، تنم عن جهلهم به أو بلغته، وقد قيّض الله للإسلام علماء راسخين يبيّنون زيف شبهاتهم. ولو كان في القرآن شيء من التناقض لأثاره أعداء الدين الإسلامي قديمًا، فقد نزل القرآن على أمّة برع أهلها في علم الكلام إنشاءً ونقدًا وبلاغة، ولم يستطيعوا أن يجدوا في القرآن مطعنًا، رغم رفضهم لرسالة الإسلام ومحاولاتهم المختلفة أن يظهروا للناس معايب تلك الرسالة ويصدون الناس عنها. لقد قالوا عن النبي مُحمَّد –صلى الله عليه وسلّم- إنه ساحر أو مسحور أو شاعر أو مجنون، ولكنهم لم يطعنوا في القرآن من حيث أسلوبه وإحكام سبكه؛ بل مُنْصفهم يقرُّ أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، وهذا مدوّن في كتب السير والتاريخ وغيرها، فكيف يأتي الآن من لا يفهم العربية أصلًا، ولا يتكلمها على وجه صحيح فصيح، ثم ينتقد هذا الكتاب العظيم، فيما لم يمكن لأولئك أن ينتقدوه فيه؟!! أظن أن أيّ عاقل منصف لا يقبل ذلك. فمشركو العرب المتقدمون أكثر احترامًا لعقولهم وعقول من يخاطبونهم من هؤلاء المتأخرين.
القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يخلو من أي قصور أو خطأ أو تناقض، بل جميع ما فيه هو الحكمة والخير والعدالة والإعجاز، وعلى خلاف ذلك كتب الأديان الأخرى، فالتوراة التي بين أيدي اليهود الآن، مليئة بالأخطاء والتناقضات والتحريفات البيّنة الواضحة التي يصعب حصرها. ويقول المسيحيون القدماء، بأن اليهود قد حرّفوا التوراة لتصبح الترجمة اليونانية غير معتبرة، ولعناد المسيحية. وباعتراف اليهود أنفسهم، فإن ما بأيدي اليهودية الآن ليست بالتوراة التي جاء بها موسى -عليه السلام-، لأن التوراة نزلت باللغة الهيروغليفية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، بينما حدث أوّل تدوين لأسفارها في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، الأمر الذي يعني أن التراث اليهودي قد ظل تراثًا شفهيًا ومتقطّع السند لمدة ثمانية قرون، أصاب التوراة خلال هذه القرون ما أصابها من التغيير والتبديل، والتحريف والتلويث، من قِبَل الأيدي الخفيَّة ذات المصالح والمطامع، والانقياد تبعًا للأهواء والشهوات.
أما كتاب النصارى المقدّس، فهو يحوي مئات الأخطاء والتناقضات، وذلك باعتراف النصارى أنفسهم. ومع فساد العقيدة النصرانية في الإله الخالق، فإنه لا يوجد في كافة الأناجيل المطروحة مع اختلافها تصريح واحد، أو عبارة واحدة يدّعي فيها المسيح –عليه السلام- أنه الله، أو يقول فيها (اعبدوني)، مما يؤكّد أن الكتاب المقدّس ليس إلا صناعة بشرية من أعداء الله تعالى، وأعداء دينه وأعداء أنبياءه ورسله.
ومن المُناقض للعقل الرشيد، أيضًا أن المسيح –عليه السلام- كان يصلّي، و كان مُتعبِّدًا، وإذا كان ذلك الابن إلهًا كما تزعم النصرانية، فمن كان يعبد؟! فلا يتعبّد إلا من كان مخلوقًا، وليس إلهًا خالقًا، لذلك، فإنه يتبيّن لنا تناقض عقيدة النصرانية بشهادة كتابها مع صريح العقل السويّ. ومن تناقضات النصرانية، أنك تجد في كتابها المقدّس أن المسيح –عليه السلام- نفسه يعلّمهم كيف يُصلّون للَّه، ويعلمهم كيفية الدعاء، حيث قال لهم: "صلوا كذلك، صلوا للَّه وقولوا: واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا" (انجيل متى 6: 14). وإذا ما علّمهم المسيح –عليه السلام- ذلك من أجل أن يغفر اللَّه خطاياهم، ويكفّر عنهم ذنوبهم، فكيف يكون مات تكفيرًا لخطاياهم؟!
ونجد في أناجيل النصارى أن إلهَهُم المزعوم كان يشرب الخمر، وقد جَرَّبه الشيطان وضلّله أربعين يومًا، وكان يبكي ويحزن ويكتئب، وأنه كان ضعيفًا، وكان يخاف ويهرب متخفيًّا، وأنه كان قد تمّ القبض عليه، وأسْرُه وتقييده، بل إنه (الإله الابن المزعوم) قد بُصق في وجهه، ولُطِم أيضًا على وجهه، ولم يستطع فعل أي شيء، كما يتبيّن ذلك من كتب النصرانية في إنجيل لوقا، وإنجيل متى، وإنجيل يوحنا. ولم تكتف النصرانية في توهّماتها وادّعاءاتها على ذلك فحسب، بل إنها تقول بأن ذلك الابن الذي قد نُسبت إليه الألوهية، قد مات على الصليب بعدما أُهين وعُذِّب، وبصق في وجهه، ولُطِم عليه، وتجعل من ذلك عقيدة لها. ولا شك، أن ذلك الذي تزعمه النصرانية، لا يمكن أن تقبله فطرة سويّة أو عقل رشيد، منسوبًا إلى الإله الخالق جلّ وعلا. تعالى الله عز وجل عن كل تلك الادّعاءات الكاذبة والافتراءات الباطلة، علوًا كبيرًا.
ومن التناقضات الصريحة التي تقع فيها النصرانية، أنها تنسب إلى الله تعالى الولد افتراءً عليه، وتقول بأن المسيح هو ابن الله المولود، وليس المخلوق. والتساؤل: كيف يكون مولودًا وليس مخلوقًا؟! وهل يولد الإله (حيث تزعم النصرانية ألوهية المسيح)؟! وأي عقل راجح رشيد يقبل مثل ذلك؟! فكون المسيح مولودًا، فإن ذلك يعني أنه (المسيح) في احتياج لمن خلقه وأوجده. ويعني أيضًا، أن المسيح كان قبل ولادته عدمًا، أي لم يكن شيئًا، ومن ثم فإنه لا يملك شيئًا. ومن ثم يتضح لنا: أن المسيح لم يكن إلا مخلوقًا مُكرمًا من الله تعالى، خلقه المولى سبحانه وتعالى من غير أب، كما خلق آدم عليه السلام من غير أب، بل ومن غير أم أيضًا.
إن النصرانية قد غالت في المسيح إلى درجة تأليهه ومن ثم عبادته، في الوقت الذي قد علم فيه الجميع ولادته بعد أن حملت به أمه (السيدة مريم). والتساؤل المهم: هل يولد الإله؟! وهل يمكن خروج مثل ذلك الإله المولود، المعبود من قِبَل النصارى، من مجرى البول؟! وهل يمكن لفطرة نقية وعقول سويّة قبول مثل تلك التوهمات والافتراءات؟! بالطبع: لا يمكن لشخص سويّ، ليس بمتعصب، وغير متبع لهوى أن يقبل أيًّا من تلك الافتراءات التي تزعمها النصرانية.
ومن التناقضات الكبيرة في عقيدة النصرانية، نجد أن لوقا (أحد مؤلفي أناجيل النصرانية)، والذي تدّعي النصرانية أنه كان مُلهمًا فيما يكتبه، يذكر في إنجيله الذي ألفه، أن المسيح كان ابن يوسف، وذلك يعني أن المسيح ليس إلها وليس ابنًا للإله، حيث إن أباه معروف، وهو يوسف النجار، وبذلك يكون ما سجله لوقا في إنجيله مخالفًا ومناقضًا للمسيحيين أنفسهم، من حيث تأليههم للمسيح، وذلك يدل على التناقض الكبير الذي تقع فيه النصرانية، مما يبرهن على بطلان معتقدها المخالف والمناقض لأدنى درجات المعقول.
وهكذا تتخبّط النصرانية في ذلك المعتقد الذي تزعمه تخبطًا عظيمًا، وأن ما جاء في إنجيل لوقا يعني أن السيدة مريم إما أنها قد تزوجت من يوسف النجار، وأنجبت المسيح، ومن ثم فإن ذلك يكون مخالفًا لما عليه المسيحيون بل والمسلمون أيضًا، حيث إن السيدة مريم لم تكن متزوجة؛ أو أنها (السيدة مريم) كانت غير متزوجة من يوسف النجار، وبذلك يكون إنجيل لوقا قد نسبها إلى الفحش والفجور، ومن ثم نَسْب ولدها إلى أنه وَلَد زنا، موافقًا بذلك ادّعاء اليهود،
ولا شك أن ذلك ادّعاء باطل، وكذب محض.
وعلى الرغم من أن المسيح –عليه السلام- لا نسب له أصلًا، لأنه قد وُلد من غير أب، نجد أن النصرانية قد اخترعت له نسبًا، متضمنًا لستة من الزناة وذريتهم، مع أنه كان من المفترض أن يُرجموا (كزناة). ومن التناقض العجيب أيضًا، أن أحد مؤلفي الأناجيل المتضمن لها الكتاب المقدس للنصرانية، وهو متى، قد قام بتسجيل 26 اسمًا في سلسلة، مُدّعيًا بأنها سلسلة نسب المسيح من جهة أبيه، على الرغم من أن المسيح قد وُلِد من غير أب. أما لوقا (أحد مؤلفي الأناجيل)، فيضع هو الآخر في إنجيله نسبًا للمسيح، ولكنه لم يوافق متى على تلك السلسلة من النسب المزعوم للمسيح، ولم يكتف بـ (26) أبًا وجدًا لإلهه الذي يعبده (المسيح)، بل إنه سجل (41) أبًا وجدًّا لإلهه ومخلصه الذي يؤمن به. وفي كلتا سلسلتي النسب المزعوم للمسيح، بإنجيل متى ولوقا، لا يوجد اسم واحد مشترك، سوى اسم يوسف، الذي يزعم كل منهما (متى ولوقا) في غرابة ودهشة، أنه والد المسيح.
وفي سبيل معالجة هذه التناقضات، نجد من يضيف إلى الأناجيل، ويحذف منها، ويبّدل ويغيّر فيها، كيفما يمليه عليه عقله وهواه، كأن يتم إضافة عبارة (على ما كان يُظن) بين علامتي تنصيص، في محاولة للخروج من ذلك المأزق ذا الحرج الشديد الذي أوقعهم فيه لوقا (أحد مؤلفي أناجيل النصرانية) في إنجيله، حيث نسب المسيح إلى أنه كان ابنَ يوسف، موضحًا سلسلة طويلة لنَسبه. ثم نجد المكر والخداع، والتحريف البيّن، بأن يتم حذف القوسين اللذين بداخلهما عبارة – على ما كان يُظن – لإدراجها داخل إنجيل لوقا كجزءٍ منه، غير مضاف إليه.
والمسيحيون يعتقدون بألوهية المسيح لأنه وُلد من غير أب، فلو تفكّروا في هذا الكون المرئي من حولهم للاحظوا أن المخلوقات فيه لا تعدو أن تكون واحدة من أربعة: إما إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا، وهذا ما يُعرف عند العلماء بالقسمة الرباعية. وإذا تفكّروا في النوع الإنساني نفسه يجدونه يخضع لهذه القسمة الرباعية، حيث يهب اللَّهُ عز وجل لمن يشاء إناثاً فقط، ويهب لمن يشاء الذكور فقط، أو يجمع لمن يشاء بين الذكور والإناث، ويجعل من يشاء عقيماً. وكذلك هي القسمة الرباعية في أصل هذا النوع الإنساني، حيث خلق اللَّهُ عز وجل أبانا آدم – عليه السلام- بلا ذكر ولا أنثى، وخلق أمنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية البشر من ذكر وأنثى، ثم لتكتمل هذه القسمة الرباعية كان لا بد أن يكون من البشر ما هو مخلوق من أنثى بلا ذكر، وتحقّق ذلك في المسيح عيسى ابن مريم -عليه السلام-، الذي أراد اللَّهُ أن يكون في خلقه بهذه الطريقة آيةً للناس على كمال قدرته سبحانه وتعالى. فلو أن الله عز وجل أراد أن يخلق الملايين من المسيح لخلقهم بكلمة منه سبحانه وتعالى. ولو تفكر أهل الكتاب في هذه الحكمة من خلق عيسى –عليه السلام-، لما تشتتت بهم الأهواء، حتى أنزله اليهود إلى حضيض الجُناة، ورفعه النصارى إلى مقام الألوهية، وكلاهما على باطل.
يتبع القسم الثالث والأخير
|