في الدفاع عن شيخ الأزهر
تشقى متى تشقى الشعوب بجهلها**وتعزّ حين تعز بالأفراد
ألساهرين الليل مثل نجومه**فكأنهم للدهر بالمرصاد
ألباذلين نفوسهم لم يسألوا**وعلى النفوس مدارع الفولاد
خفضوا جناحهم وتحت برودهم**همم الملوك وصولة المرّاد
لهم الزمان قديمه وحديثه**ما الناس في الدنيا سوى الآحاد
هذه الأبيات جادت بها قريحة الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي في قصيدة نظمها في مدح يعقوب صروف، بمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيس صحيفة المقتطف، وأكثر ما أعجبني فيها وشدني إليها هي الأبيات الخمسة التي نقلتها إليك، وجعلتها مدخلا لمقالي هذا، وما حملني على ذلك ودفعني لافتتاح مقالي بها، هو أنها تصف الداء الذي تعيشه هذه الأمة العربية والإسلامية في هذه الأيام النحسات، وما تعاقب عليها من نكبات الحظ، كما أنها تنطوي على الدواء للشفاء من هذه العلة التي أخذت مكانها من الأمة واستحكمت فيها، فأصبحت كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وصار بها الحال إلى أن أصبحت كشخص في ساحة القتال لا يقدر على الإنتصار ويرضى بالانكسار.
وهذه الأمة عبر قرون طويلة قديمة غاية في القدم، كانت تنهض بالأفراد، ففي كل حين من هذه العهود الغابرات، وكلما تاهت بها السبل وتقطعت بها الأسباب وتفرقت في البلاد أيادي سبأ، كان يقيد لها من الأفراد، من يحمل هم إعادتها إلى سبيلها ويوصل أسبابها ويجمع شملها، وصفحات التاريخ شاهدة على أمثال هؤلاء ممن:
خفضوا جناحهم وتحت برودهم**همم الملوك وصولة المرّاد
أشخاص لم يتقلدوا الحكم ولم يعلوا عروش الملك، نذكر منهم للمثال علال الفاسي وعبد الرحمن عزام وشكيب أرسلان، وغيرهم كثيرون، فهذا الضرب من الأفراد هو الداء والدواء، هو الداء حين نفتقده في هذه الأيام السوداء، وهو الدواء حين يحضر.
وفي هذا البحر الهائل والخضم الهائج والظلام المطبق، ورغم كل الصعوبات والضغوطات، لاح في الأفق ضوء خابي مكفوف من وراء الليل، وهذا الضوء هو شيخ الأزهر أحمد الطيب، والذي تكلم حين صمت كثيرون ممن هم في مكانته العلمية والقيادية، أو يدانينه في المنزلة، فقد حمل على كتفيه هم الدفاع عن غزة وأهلها، وبسببه عمل الأزهر الشريف أدنى الذي عليه في نصرة هذه القضية، وكان في أوقات كثيرة على قدر الحمل التاريخي الذي يحمله.
ولهذا نرى الصحف الصهيونية تحرض عليه وتدعوا إلى إغتياله، وهذا الأمر إن كان يحط من قيمتنا، إلا أنه يرفع من قدر الدكتور أحمد الطيب، ويجعله على رأس قيادة هذه الأمة، ولهذا يجب أن نلتف حوله وندعمه، فالأمة الآن أحوج ما تكون إلى زعيم، ومن جعل الكيان وصحفه تضارب بهم الأرض وتموج بهم حتى يطالبون باغتياله، فهذا هو الرمز الذي يجب أن يقف خلفه كل عربي وكل مسلم.
وإعطاء الكيان نفسه الحق في الدعوة إلى إغتيال ممثل أكبر مؤسسة دينية إسلامية، بما تنطوي عليه من حمل علمي وما تحمله من ثقل تاريخي، فيه من الإشارات الخطيرة الاي وجب الانتباه إليها، ولو أنه أخذت لحظتها بالاعتبار لما جرأ الكيان على تنفيذ عملية عسكرية جوية في قطر، وما حدث من قصف وفد حماس المفاوض في قطر، هو محرك لنا للإلتفاف حول شيخ الأزهر، ودعمه حتى يدرك الكيان أن هناك حدودا لا يجب تجاوزها.
__________________
( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) الكهف 6
كل العلوم سوى القرآن مشغلة ..... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا ..... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
|