بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ"( الحج: 73)
يضرب الله مثلًا في عجز المعبودات الباطلة أمام كائن من أضعف خلقه: الذباب. والعجيب أن هذا المثل البلاغي لا يقف عند حد البيان، بل يمتد ليكشف عن حقيقة علمية لم تُعرف إلا حديثًا.
فالذباب لا يأكل كما يأكل الإنسان، بل يعتمد على ما يُعرف بـ **الهضم الخارجي**. فعندما يقف على الطعام، يفرز من غدده اللعابية إنزيمات قوية مثل **الأميلاز** و**التربسين**، تذيب الطعام وتحلله كيميائيًا على السطح، ثم يمتصه بعد أن يتحول إلى جزيئات بسيطة عبر خرطومه الدقيق المعروف بـ **الحويصلة الفمية**.
بهذا الفعل يصبح ما أخذه الذباب قد تغيّر في طبيعته الكيميائية، وتحول إلى مواد أخرى لا يمكن إرجاعها إلى أصلها، تمامًا كما أخبر الله تعالى:
**
"لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ"**
وهنا تتجلى دقة التعبير القرآني؛ فالفعل **"
استنقذ"** في اللغة لا يعني مجرد الإخراج، بل **استرداد الشيء على صورته الأصلية كما كان**.
ولو قال: *"لا يستخرجوه"*، لأمكن أن يُفهم أنهم قد يخرجون بعض أثره، لكن قوله *"لا يستنقذوه"* ينفي تمامًا إمكان استرجاعه بهيئته الأولى.
وقد فهم البلاغيون هذه الدقة منذ القدم، فقيل :
*"الاستنقاذ أبلغ في العجز، لأنه لا يُتصور فيه رجوع الشيء كما كان."*
*"لو قيل لا يستخرجوه لأوهم إمكان إخراج بعضه، أما لا يستنقذوه فتنفي الاسترداد كله."*
واليوم، أثبت العلم الحديث أن ما أخبر به القرآن دقيق إلى حد الإعجاز.
فعندما تمتص الذبابة مادة ما – كقطرة دم أو بقايا طعام – تُخزن أولًا في حوصلة صغيرة تُسمى **crop**. وخلال الدقائق أو النصف ساعة الأولى، قد تظل هذه المادة قريبة من حالتها الأصلية، لكن سرعان ما تبدأ الإنزيمات الهاضمة بتحليلها الكامل داخل الجهاز الهضمي، لتتحول إلى مركبات مختلفة كليًا.
وعند هذه النقطة **لا يمكن استنقاذها كما كانت**، لأن تركيبها الكيميائي الأصلي يكون قد تبدد تمامًا.
ومن المثير أن علماء الطب الشرعي اليوم يستطيعون **استخراج بقايا الـDNA من بطن الذبابة** بعد امتصاصها دم إنسان، لتحديد هويته بدقة، لكنهم لا يستخرجون الدم نفسه، بل أجزاء من المادة الوراثية التي تحللت بالفعل.
أي أنهم يحققون "الاستخراج الجزئي" الذي أشار إليه المعنى الضمني، لكنهم **يعجزون عن "الاستنقاذ الكامل"** الذي نفاه النص القرآني بدقة مذهلة.
وفي ختام المشهد، يأتي قوله تعالى:
**"ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ"**
ليصوّر عجز المعبودات عن خلق ذباب، بل أعجز من أن تسترد ما سلبه منها، والذباب نفسه ضعيف، ومع ذلك يغلبها.
صورة ساخرة عميقة تجمع بين العلم والبيان: ضعف في الخالق المزعوم، وضعف في المخلوق، ولا قوة إلا لله الذي يعلم دقائق خلقه.
وهكذا يظل النص القرآني معجزًا في لفظه وعلمه معًا؛ يعبّر بكلمة واحدة عن حقيقة لم تدركها المختبرات إلا بعد قرون طويلة، ليبقى الميزان الرباني قائمًا في كل حرف من كتاب الله.