عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2025-12-07, 06:46 PM
ايوب نصر ايوب نصر غير متواجد حالياً
مسئول الإشراف
 
تاريخ التسجيل: 2012-10-23
المشاركات: 4,893
افتراضي قبس من شمولية منهج النقد عند المسلمين







والبارحة ليلا اختلفت إليه، كما جرت العادة كل ليلة، أبثه ما أجده في عقلي ونفسي وأبوح له بما يختلج في قلبي ويضطرب في ذهني، وأستمع إليه وإلى تجاربه في هذه الحياة، وهو رجل اشتعل الشيب في رأسه وأكلت الأيام ما كتب لها أن تأكل من عمره، ولم يعد له من هذه الدنيا حاجة ولا طمع، بعد أن شاغب الأيام ولاعب الليالي، فأخذت منه وأخذ منها، وظفرت به حينا وفاز بها طورا، ثم لا شيء يدوم على حاله في هذه الحياة فهي دائما ذاهبة نحو التغير والتحول.

وفي لحظة صمت وأخذه الفكر وطال به النظر، ثم استوى في مجلسه كأنه يهم بالوقوف، وقال لي: هل تعلم يا أيوب أين توجد قيمة الرجل؟؟
فهممت بالجواب، ولكنه استلب مني الكلام وقال: قيمة الرجل ليست فيما يظهره للناس وإنما فيما يخفيه عنهم.

وهذا الذي صدر عن صاحبي، إنما أدركه بتقحم المدن والبلاد وكثرة الترحال وملاقاة أصناف الرجال وأصافهم، ولكنني عرفته عن هذا الطريق نفسه ومن طريق المنهج، منهج النقد عند علماء المسلمين والنقاد من المحدثين، وأنا إن كنت انشغلت بهذه السياسة ووغلت في مناهج أربابها لا أنسى أن منهجي الأول هو علم مصطلح الحديث ( أو منهج النقد عند المحدثين أو علم الاصطلاح أو علم الحديث)، بل إني اقتحمت هذا المجال مما راكمته في منهج النقد عند المحدثين، وكان هو سلاحي وعدتي في هذه الرحلة في عوالم السياسة.

منهج النقد عند المحدثين، في مجمله، يسير وفق مسارين، كل واحد منهما يتصل بصاحبه، فأما أحدهما فهو علم الرجال وأما الآخر فهو علم العلل، وحديثنا في هذا المقال سيكون عن علم الرجال، ولأكون أكثر دقة في الكلام فهو على قسم من أقسام علم الرجال، ألا وهو الجرح والتعديل، والأصل في هذا العلم هو سوء الظن، لأنه لا يعبر الرجل ثقة لما يظهره من حسن الخلق وسلامة القصد، ولهذا جعلوا العدالة في هذا العلم أساسها الباطن، ولو عدلوا الرجل لما يظهره لما إنحطت عندهم أخبار العدل عدالة ظاهرة، ولكنه يعتبر عندهم مجهولا ولو عرفت عينه وظهرت عدالته الظاهرة.

والرجل ليس دائما الآدمي، وإنما قد يكون جهازا ومؤسسة ودولة، فكل هذه الأشياء هي مجموعة من الرجال، وكلها لها أهداف ظاهرة يبينون عنها وغايات خفية يستترون عليها، ولهم أخبار ينشرونها وأفكار يروجون لها، ففي وقتنا هذا لم يعد الرجل هو الآدمي، ولو كان فمن خلفه أجهزة تموله ومؤسسات تحركه، ومعرفة هذه الأمور يساعد كثيرا، ويكشف عن أمور كبيرة، يمكن من خلالها فهم توجهات الدول والمؤسسات وتحديد أهدافها ومعرفة غاياتها.

مرة كان لي صديق يشتغل بالصحافة، وجرى بيننا حديث عن البخاري، رضي الله عنه، وصحيحه، أدام الله ذكره بين الناس، فقلت له أتعرف أن من مميزات منهج البخاري في الأخذ والرد؟ فقال: ماذا؟ قلت: لو أنزلنا منهجه على مؤسساتكم ومن يعلمون فيها لكان لزاما ألا نقبل أي خبر وأن نردها على بكرة أبيها دون تردد أو حيرة. ثم قلت له لو أردت أن تكون مميزا في عملك فعليك بمنهج البخاري في نقل الأخبار وتحري الصواب.

فدور الصحافة والإعلام ليس فقط نقل الخبر والخبر الآخر، وإنما تحليلها تحليلا يكشف صحيصها من زيفها وجيدها من سقيمها، وإلا فلا يجب أن يثق الناس بها ولا أي يسمعوا منها ولا يأخذوا بالأخبار الآتية عن طريقها، بل يجبوا أن يسيؤوا الظن بها، ولا يقبلوا شيئا من أي مؤسسة إعلامية أو حكومية إلا بعد أن يثبت عدالتها الباطنة، وإلا فالأصل في كل هؤلاء هو كذب من الكذب حتى يثبت العكس.

__________________
( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) الكهف 6

كل العلوم سوى القرآن مشغلة ..... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا ..... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
رد مع اقتباس