ما ورد في هذا المقال يلتقي في جملته مع ما قرره الشرع والعقل السليم، فإن الله تعالى لم يجعل معيار العلو والتمكين مجرد امتلاك الوسائل، وإنما جعله قائمًا على المنهج والاعتقاد والثقافة الجامعة التي تضبط حركة الأمة وتوجه علومها وأعمالها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، والتغيير الذي في الأنفس إنما هو تغيير في العقيدة والتصور والمنهج، لا في الأدوات والآلات وحدها.
وقد أحسن الكاتب حين قرر أن التكنولوجيا أمر زائل متحول، تنتقل من أمة إلى أمة، ولا تحفظ هوية ولا تصنع حضارة مستقلة، وإنما تكون خادمة لمنهج سابق عليها. وهذا يوافق ما عليه أهل السنة والجماعة من أن العلم النافع ما كان مبنيًا على أصول صحيحة، وأن الوسائل إنما تأخذ حكم المقاصد، فإن صلحت المقاصد صلحت الوسائل، وإن فسدت فسد ما بُني عليها ولو بلغ أعلى درجات الإتقان المادي.
كما أن تنبيهه إلى خطر الاستشراق وأثره في هدم الأصول الثقافية والدينية هو تنبيه في محله، فقد حذّر أئمة السلف من تلقي الدين والفكر عن غير أهله، وقرروا أن من أعظم أبواب الضلال تقديم كلام البشر، كائنًا من كانوا، على الوحيين أو جعلهما تابعين له. وما وقع من الانهزام الفكري عند كثير من أبناء المسلمين إنما كان سببه ضعف التمسك بالمنهج الصحيح، لا ضعف الذكاء ولا قصور اللغة ولا عجز العقل العربي كما يزعمون.
والحق أن الثقافة الإسلامية، القائمة على الوحي وفهم السلف الصالح، هي التي حفظت للأمة وحدتها وميزان قبولها وردها، وبها عرفت الحق من الباطل، والنفع من الضرر. فلما دخلها التشويه، واضطربت فيها المرجعيات، صار كثير من الناس يظنون التقدم في تقليد الغرب في نمط عيشه وأفكاره، لا في تحقيق العبودية لله وبناء العلم على أساسها.
وما ذكره الكاتب من أن الصراع في جوهره صراع مناهج وثقافات، لا مجرد صراع أدوات، هو عين الصواب، فإن التاريخ يشهد أن الأمم لا تُهزم يوم تُغلب عسكريًا فقط، بل تُهزم حين تُسلب تصوراتها وتُفسد لغتها وتُشكك في دينها. فإذا ثبتت الثقافة والمنهج، أمكن استعادة القوة ولو بعد حين، أما إذا انهار الأساس، فلن تنفع كثرة المصانع ولا تطور الأجهزة.
وخلاصة القول: إن هذا المقال يقرر حقيقة شرعية وسننًا كونية دل عليها القرآن والسنة، وهي أن بقاء الأمم مرهون بسلامة منهجها وثقافتها، وأن العلم والتقنية إنما تكون رفعة إذا كانت منضبطة بشرع الله، خادمة لهوية الأمة، لا أداة لذوبانها واغترابها.
__________________
قـلــت : [LIST][*] من كفر بالسـّنـّة فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ، لأن الله تعالى يقول : (( وما آتاكم الرسول فخذوه )). [*] ومن كذّب رسولَ الله ، فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ،لأن القرآن يقول : (( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )). [*] ومن كذّب أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ، لأن الله سبحانه يقول فيهم : (( رضى الله عنهم ورضوا عنه )). [*] ومن كذّب المسلمين فهو على شفا هلكة ، لأن القرآن يقول : (( يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )) والنبي - صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قال هلك الناس فهو أهلكهم ). [/LIST]
|