التّمهيد الرّابع قبل استكمال الموضوع:
تعدّ آية "لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ" (سورة الواقعة، الآية 79) من القواعد الأصوليّة الّتي استنبط منها الفقهاء أحكاماً تتعلّق بالتّعامل مع المصحف الشّريف. وتتنوّع الآراء الفقهيّة حولها بناءً على تفسير المقصود بـ "المطهّرون" و"المسّ".
إليك تحليل فقهيّ لأبرز هذه الآراء:
1. تفسير "الكتاب المكنون" و"المطهّرون"
اختلف المفسّرون في تحديد المرجع الّذي تعود عليه الآية:
الرّأي الأوّل: المقصود بـ "الكتاب المكنون" هو اللّوح المحفوظ، و"المطهّرون" هم الملائكة. وبناءً على هذا، الآية إخبار عن شأن الملائكة وليست تكليفاً للبشر، لكن يُستأنس بها في تعظيم المصحف.
الرّأي الثّاني: المقصود هو المصحف الشّريف الذي بين أيدينا، و"المطهّرون" هم المسلمون المتطهّرون من الحدثين الأكبر والأصغر.
2. حكم مسّ المصحف لغير المتوضّئ
بناءً على التّفسير الثّاني، انقسم الفقهاء إلى فريقين رئيسيّين:
جمهور الفقهاء (الأئمّة الأربعة: مالك، الشّافعي، أبو حنيفة، أحمد رحمهم الله تعالى جميعا)
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يجوز مسّ المصحف إلّا لطاهر (أي على وضوء).
مستندهم: الآية الكريمة، بالإضافة إلى الحديث المشهور: "أن لا يمسّ القرءان إلا طاهر".
القاعدة: تعظيم شعائر الله يقتضي ألّا يمسّ كلامه إلّا من كان في حالة طهارة بدنيّة.
رأي بعض السّلف والظّاهرية (وابن حزم رحمه الله تعالى)
ذهبوا إلى جواز مسّ المصحف لغير المتوضّئ.
وجهة نظرهم: أنّ الآية تتحدّث عن الملائكة في السّماء (اللّوح المحفوظ)، وأنّ وصف "المطهّرون" يختلف عن "المتطهّرين"؛ فالأولى صفة ذاتيّة (الملائكة)، والثّانية فعل مكتسب (البشر).
3. حالات استثنائيّة (الضّرورة والحاجة)
وضع الفقهاء بعض الاستثناءات لتيسير العلم والتّعلّم:
التّعلم والتّعليم: رخّص بعض المالكيّة للصّبيان والمعلّمين مسّ المصحف بغير وضوء للحاجة المستمرّة للدّراسة، دفعاً للمشقّة.
الحائل: يجوز مسّ المصحف من وراء حائل (مثل قفاز أو خرقة) عند بعض الفقهاء، لأنّ النّهي عندهم منصبّ على المباشرة باليد.
كتب التّفسير: يرى أغلب الفقهاء جواز مسّ كتب التّفسير بغير وضوء، لأنّ المقصود منها هو المعنى، وكلام البشر (التّفسير) فيها أكثر من كلام الله، فتخرج عن حكم المصحف المجرّد.
4. القراءة من الذّاكرة أو الشّاشات
القراءة غيباً: تجوز للمحدث حدثاً أصغر (غير المتوضّئ) باتّفاق، أمّا الجنب (الحدث الأكبر) فلا يقرأ القرءان الكريم عند الجمهور حتّى يغتسل.
الأجهزة الإلكترونيّة: يرى المعاصرون أنّ الهواتف والأجهزة اللّوحيّة لا تأخذ حكم المصحف؛ لأنّ الآيات فيها عبارة عن ذبذبات ونبضات تظهر وتختفي، وليست حروفاً ثابتة في ورق، لذا يجوز مسّ الهاتف والقراءة منه بغير وضوء.
الخلاصة
الخروج من الخلاف مستحبّ، فجمهور الفقهاء على وجوب الطّهارة لمسّ الورق المكتوب فيه القرءان الكريم تعظيماً له. أمّا القراءة من الشّاشات أو من الذّاكرة فلها سعة أكبر في الأحكام.
هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم.
يتبع إن شاء الله تعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|