نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقَمَرِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْآيَةِ الْحَاسِمَةِ" وَ"مَنْطِقِ التَّيْسِيرِ الْمُقَابِلِ لِلتَّعْسِيرِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النَّجْمِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْمُعَايَنَةِ لِلْوَحْيِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْقَمَرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "انْشِقَاقِ الْمَأْلُوفِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَهَاوَى نَوَاﻣِﻴﺲُ الْكَوْنِ لِإِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ، رَغْمَ إِصْرَارِ الْعَقْلِ الْجَاحِدِ عَلَى وَصْفِهَا بِـ "السِّحْرِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِحَدَثٍ كَوْنِيٍّ جَلَلٍ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَقْرِيبِ الْبَعِيدِ"؛ فَانْشِقَاقُ الْجِرْمِ السَّمَاوِيِّ هُوَ "بُرْهَانٌ حِسِّيٌّ" عَلَى قُرْبِ النِّهَايَةِ. وَتُشَخِّصُ السُّورَةُ "الْعِنَادَ الِاصْطِلَاحِيَّ": {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْهُرُوبِ مِنَ الدَّلِيلِ" بِتَسْمِيَتِهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ لِتَبْرِيرِ عَدَمِ الِاتِّبَاعِ.
فِي "تَحْلِيلِ الدَّوْرَاتِ التَّارِيخِيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ خَمْسَ قِصَصٍ (نُوحٍ، عَادٍ، ثَمُودَ، لُوطٍ، آلِ فِرْعَوْنَ) بِنَفَسٍ سَرِيعٍ وَحَاسِمٍ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْقَانُونِ السَّبَبِيِّ لِلْهَلَاكِ"؛ فَكُلُّ أُمَّةٍ جَاءَهَا "نُذُرٌ" فَكَذَّبَتْ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ تَدْمِيرًا مُنَظَّمًا (طُوفَانٌ، رِيحٌ صَرْصَرٌ، صَيْحَةٌ، حَاصِبٌ). الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ التَّارِيخَ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ "نِظَامٌ عَادِلٌ" يُعِيدُ نَفْسَهُ حِينَ تَتَشَابَهُ الْمُقَدِّمَاتُ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّيْسِيرِ"، فَتُكَرِّرُ السُّورَةُ آيَةً مِحْوَرِيَّةً أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "رَفْعِ الْحَرَجِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَاللَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْحَقِيقَةَ طِلَسْمًا مَنْفِيًّا، بَلْ "يَسَّرَ" لُغَتَهَا وَنَظْمَهَا لِتَكُونَ مُتَاحَةً لِكُلِّ عَقْلٍ يَبْحَثُ عَنِ "الذِّكْرِ". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْبُعْدَ عَنِ الْقُرْآنِ لَيْسَ لِصُعُوبَتِهِ، بَلْ لِغِيَابِ "الْمُدَّكِرِ".
فِي "الْبُرْهَانِ التَّقْدِيرِيِّ"، تَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً رِيَاضِيَّةً لِلْكَوْنِ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الضَّبْطِ الدَّقِيقِ"؛ فَلَا عَبَثَ فِي الْخَلْقِ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ، وَكُلُّ حَدَثٍ (بِمَا فِيهِ الْحِسَابُ) مَحْكُومٌ بِتَوْقِيتٍ وَمِقْدَارٍ لَا يَتَخَلَّفُ: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ مَصِيرِ "الْمُجْرِمِينَ" فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، وَمُقَابَلَتِهِمْ بـ "الْمُتَّقِينَ": {فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِقْرَارِ النِّهَائِيِّ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الصِّدْقُ فِي الدُّنْيَا إِلَى "مَقْعَدِ صِدْقٍ" أَبَدِيٍّ فِي جِوَارِ الْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقَمَرِ هِيَ سُورَةُ "النِّذَارَةِ وَالتَّيْسِيرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْآيَاتِ قَدْ وَقَعَتْ، وَأَنَّ التَّارِيخَ قَدْ نَطَقَ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ تَيَسَّرَ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الِاخْتِيَارُ الْبَشَرِيُّ بَيْنَ "الِادِّكَارِ" أَوْ "الِاسْتِمْرَارِ" فِي الْوَهْمِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ كُلَّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|