عرض مشاركة واحدة
  #63  
قديم 2026-03-08, 10:56 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَهِيَ "عَرُوسُ الْقُرْآنِ" وَسُورَةُ "الْمِيزَانِ الْكَوْنِيِّ الشَّامِلِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقَمَرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْقَدَرِ وَالتَّيْسِيرِ، فَإِنَّ سُورَةَ الرَّحْمَنِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْآلَاءِ وَالِاسْتِحْقَاقِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَرَابَطُ "الْبَيَانُ" مَعَ "النِّظَامِ" لِيَخْلُقَ مَنْظُومَةَ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْمِ "الرَّحْمَنِ" كَمُبْتَدَأٍ لِكُلِّ شَيْءٍ. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "أَوْلَوِيَّةِ التَّعْلِيمِ": {عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}. تَرْتِيبُ الْآيَاتِ هُنَا مُذْهِلٌ؛ حَيْثُ جَعَلَ "تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ" (الْمَعْنَى) قَبْلَ "خَلْقِ الْإِنْسَانِ" (الْمَادَّةِ)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ وُجُودَ الْإِنْسَانِ بِلَا قِيمَةٍ "مَنْطِقِيَّةٍ" دُونَ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَيَانِ.

فِي "الْبُرْهَانِ النَّظْمِيِّ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةَ "الْمِيزَانِ": {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْعَدْلِ الْكَوْنِيِّ" (رَفْعِ السَّمَاءِ بِنِظَامٍ رِيَاضِيٍّ) وَ "الْعَدْلِ الْأَخْلَاقِيِّ" (عَدَمِ الطُّغْيَانِ فِي التَّعَامُلِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ أَيَّ خَلَلٍ فِي الْقِسْطِ الْبَشَرِيِّ هُوَ نَشَازٌ عَنِ النَّغَمِ الْكَوْنِيِّ الْمُنْتَظِمِ.

أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ الِازْدِوَاجِ" (الْإِنْسِ وَالْجِنِّ)، فَتُكَرِّرُ السُّورَةُ سُؤَالَهَا التَّقْرِيعِيَّ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مَرَّةً: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "إِلْزَامِ الْوُجُودِ"؛ فَكُلُّ حَدَثٍ (مَرْجِ الْبَحْرَيْنِ، خُرُوجِ اللُّؤْلُؤِ، جَرْيِ السُّفُنِ) هُوَ "آلَاءٌ" (نِعَمٌ وَآيَاتٌ) تَتَطَلَّبُ الِاعْتِرَافَ مَنْطِقِيًّا. وَتَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةَ "الْفَنَاءِ وَالْبَقَاءِ": {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ "نِسْبِيٍّ" مَصِيرُهُ لِلزَّوَالِ، وَالْبَقَاءُ فَقَطْ لِلـ "مُطْلَقِ".

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَنْطِقِ الْجَزَاءِ" فِي مَشَاهِدِ الْقِيَامَةِ، فَتَفْصِلُ بَيْنَ "الْمُجْرِمِينَ" الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ، وَبَيْنَ مَنْ {خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "التَّثْنِيَةِ فِي النَّعِيمِ" (جَنَّتَانِ، ثُمَّ جَنَّتَانِ دُونَهُمَا). وَتَطْرَحُ السُّورَةُ السُّؤَالَ الْفَلْسَفِيَّ الْأَعْمَقَ: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ؟}. هَذَا مَنْطِقُ "الْمُمَاثَلَةِ الْكَامِلَةِ"؛ فَمَنْ أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الدُّنْيَا، لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا إِلَّا أَنْ يَتَلَقَّى الْإِحْسَانَ فِي الْآخِرَةِ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَعْظِيمِ "اسْمِ رَبِّكَ"، لِتَعُودَ إِلَى الْبِدَايَةِ: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. فَالرَّحْمَنُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الْكَوْنُ، هُوَ الَّذِي يَخْتِمُهُ بِالْبَرَكَةِ لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَ هَذَا الْجَلَالِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الرَّحْمَنِ هِيَ سُورَةُ "الِاسْتِيعَابِ لِلنِّعْمَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى "الرَّحْمَةِ" وَ"الْمِيزَانِ"، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ "بَيَانُهُ" مُتَّسِقًا مَعَ فِعْلِ اللَّهِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْإِحْسَانَ هُوَ الْقَانُونُ الْأَسْمَى لِلْجَزَاءِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس