نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَتْمِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ" وَ"التَّصْنِيفِ النِّهَائِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الرَّحْمَنِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْآلَاءِ وَالْمِيزَانِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الِاسْتِحْقَاقِ الْفِعْلِيِّ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَنْقَسِمُ الْبَشَرِيَّةُ بَعْدَ "الْوَجَّةِ الْكَوْنِيَّةِ" إِلَى مَرَاتِبَ لَا رَجْعَةَ فِيهَا.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنَفْيِ "الْكَذِبِ" عَنِ الْقِيَامَةِ: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ"؛ فَالْحَدَثُ قَادِمٌ بِقُوَّةٍ تَجْعَلُ الْإِنْكَارَ مُسْتَحِيلًا. وَتَصِفُ أَثَرَهَا بـ {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ}؛ هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "إِعَادَةِ تَرْتِيبِ الْقِيَمِ"، حَيْثُ يُخْفَضُ مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا بِالْبَاطِلِ، وَيُرْفَعُ مَنْ خَفَضَتْهُ بِالْحَقِّ.
فِي "تَحْلِيلِ الْهَيْكَلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِلْآخِرَةِ"، تُصَنِّفُ السُّورَةُ الْبَشَرَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ:
السَّابِقُونَ: مَنْطِقُ "الْمُبَادَرَةِ وَالْقُرْبِ"؛ فَهُمْ نُخْبَةُ الْإِيمَانِ (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ).
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ: مَنْطِقُ "الِاسْتِقَامَةِ الْعَامَّةِ"؛ وَهُمْ جُمْهُورُ النَّاجِينَ.
أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ: مَنْطِقُ "الِانْحِرَافِ الْمُتَعَمِّدِ"؛ وَهُمُ الَّذِينَ "أَتْرِفُوا" وَأَصَرُّوا عَلَى "الْحِنْثِ الْعَظِيمِ".
أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الِاسْتِدْلَالِيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ أَرْبَعَةَ مَشَاهِدَ حَيَوِيَّةٍ تَتَحَدَّى بِهَا الْعَقْلَ الْمَادِّيَّ:
خَلْقُ النُّطْفَةِ: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ؟}.
بَذْرُ الزَّرْعِ: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟}.
إِنْزَالُ الْمَاءِ: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ؟}.
إِيقَادُ النَّارِ: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ؟}.
الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نَفْيِ الِاسْتِقْلَالِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ "مُسْتَخْدِمٌ" لِلْأَسْبَابِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ "خَالِقًا" لَهَا.
فِي "تَحْلِيلِ عَظَمَةِ الْقُرْآنِ"، تُقْسِمُ السُّورَةُ بـ "مَوَاقِعِ النُّجُومِ"، وَتَصِفُ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ فِي {كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْحِمَايَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ"؛ فَالْحَقِيقَةُ الْعُلْيَا لَا يَتَلَقَّاهَا إِلَّا الْقَلْبُ النَّقِيُّ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ "الِاحْتِضَارِ": {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ}. هُنَا يَتَجَلَّى مَنْطِقُ "الْعَجْزِ الْبَشَرِيِّ الْمُطْلَقِ"؛ فَالْإِنْسَانُ يَرَى أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِ يَمُوتُ وَلَا يَمْلِكُ رَدَّ رُوحِهِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ رَدِّ الرُّوحِ، لَيْسَ لَهُ مَنْطِقٌ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْوَاقِعَةِ هِيَ سُورَةُ "الْفَصْلِ بَيْنَ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَيَاةَ مَسْرَحٌ لِلِاخْتِبَارِ، وَأَنَّ النِّهَايَةَ سَتَفْرِزُ النَّاسَ بِعَدْلٍ إِلَهِيٍّ دَقِيقٍ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ هَذَا هُوَ "حَقُّ الْيَقِينِ"، فَمَا عَلَى الْبَشَرِ إِلَّا التَّسْبِيحُ بِاسْمِ رَبِّهِمُ الْعَظِيمِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|