نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الرَّقَابَةِ السَّمْعِيَّةِ" وَ"تَرْمِيمِ الْبِنَاءِ الِاجْتِمَاعِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحَدِيدِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّوَازُنِ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالرُّوحِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْتَصِرُ الْوَحْيُ لِلْمَهْمُوشِ وَيَضْبُطُ حَرَكَةَ الْمُجْتَمَعِ فِي خَلَوَاتِهِ وَجَلَسَاتِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِحَادِثَةٍ فَرْدِيَّةٍ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَحْطِيمِ حَاجِزِ الْمَسَافَةِ"؛ فَالْخَالِقُ يَسْمَعُ "الْمُجَادَلَةَ" وَهِيَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الصَّوْتِ الْبَشَرِيِّ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَدَالَةِ النَّافِذَةِ"؛ حَيْثُ لَا تُهْمَلُ شَكْوَى امْرَأَةٍ بَسِيطَةٍ فِي مَنْظُومَةِ الْحَقِّ الْكُلِّيَّةِ، لِيُبْطِلَ "الظِّهَارَ" كَتَشْرِيعٍ جَائِرٍ يَقُومُ عَلَى الزُّورِ.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ التَّنَاجِي"، تُفَكِّكُ السُّورَةُ سُلُوكَ "الْهَمْسِ السَّيِّئِ": {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الشَّفَافِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ"؛ فَالنَّجْوَى بِالْإِثْمِ هِيَ أَدَاةُ "حِزْبِ الشَّيْطَانِ" لِبَثِّ الْحُزْنِ، بَيْنَمَا الْمُؤْمِنُ يَتَنَاجَى بِـ "الْبِرِّ وَالتَّقْوَى". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ خَلْوَةٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ إِلَّا وَاللَّهُ "رَابِعُهُمْ"، مِمَّا يَعْنِي انْعِدَامَ "الْخُصُوصِيَّةِ" أَمَامَ الرَّقِيبِ.
أَمَّا فِي "آدَابِ الْمَجَالِسِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةَ "الْمُرُونَةِ وَالتَّفَسُّحِ": {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "السَّعَةِ النَّفْسِيَّةِ"؛ فَكَمَا يَنْفَسِحُ الْمَكَانُ بَدَنِيًّا، يَنْفَسِحُ الْعَقْلُ لِلْآخَرِ، وَتَعِدُ السُّورَةُ بـ "الرِّفْعَةِ الْعِلْمِيَّةِ" لِمَنْ طَبَّقَ هَذَا الْأَدَبَ: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}.
فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِحْوَاذِ"، تَصِفُ السُّورَةُ نَمُوذَجَ الْمُنَافِقِينَ: {اسْتَحْوَدَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "السَّيْطَرَةِ عَبْرَ النِّسْيَانِ"؛ فَالشَّيْطَانُ لَا يَمْلِكُ سُلْطَةً مَادِّيَّةً، بَلْ يَمْلِكُ "تَعْطِيلَ الذَّاكِرَةِ الْوُجُودِيَّةِ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "حِزْبَ الشَّيْطَانِ" مَحْكُومٌ عَلَيْهِ مَنْطِقِيًّا بِالْخُسْرَانِ، لِأَنَّهُ يَتَصَادَمُ مَعَ حَتْمِيَّةِ {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِرَسْمِ مَعَالِمِ "حِزْبِ اللَّهِ": مَنْ لَا يُوَادُّونَ أَعْدَاءَ الْمَبْدَأِ وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَ النَّاسِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْوَلَاءِ لِلْقِيمَةِ أَوْلًا"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ "الْمَبْدَأُ" هُوَ النَّسَبَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي يُؤَهِّلُ الْإِنْسَانَ لِيَكُونَ مِنْ "حِزْبِ اللَّهِ" الْمُفْلِحِينَ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ هِيَ سُورَةُ "السَّمَاعِ وَالرَّفْعِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مِنْ نَبْضِ الْكَلَامِ، وَأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْفَاضِلَ هُوَ مَنْ يَنْفَسِحُ لِلْخَيْرِ وَيَضِيقُ عَلَى الشَّرِّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْفَلَاحَ مَرْهُونٌ بِـ "تَمَحْوُرِ الْإِنْسَانِ" حَوْلَ خَالِقِهِ وَصِدْقِ صِلَتِهِ بِهِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|