عرض مشاركة واحدة
  #67  
قديم 2026-03-08, 11:02 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحَشْرِ، وَهِيَ سُورَةُ "السُّقُوطِ الذَّاتِيِّ لِلْبَاطِلِ" وَتَجَلِّي "الْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الرَّقَابَةِ السَّمْعِيَّةِ الدَّقِيقَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَشْرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "زَعْزَعَةِ الْأُصُولِ الْمَادِّيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَهَاوَى "الْحُصُونُ" حِينَ يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ إِخْرَاجِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَصَادُمِ التَّقْدِيرَاتِ"؛ فَالْبَشَرُ (مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ) حَكَمُوا بِمَنْطِقِ "الْمَادَّةِ" (الْحُصُونِ)، لَكِنَّ الْفِعْلَ الْإِلَهِيَّ جَاءَ بِمَنْطِقِ "الرُّعْبِ النَّفْسِيِّ": {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ فِي "الْجِدَارِ"، بَلْ فِي "الْقَلْبِ" الَّذِي خَلْفَهُ.

فِي "تَحْلِيلِ التَّخْرِيبِ الذَّاتِيِّ"، تَرِدُ جُمْلَةٌ مِحْوَرِيَّةٌ: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْتِحَارِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْبَاطِلُ إِلَى أَدَاةٍ لِهَدْمِ نَفْسِهِ حِينَ يَنْقَطِعُ عَنِ الْمَدَدِ الْإِلَهِيِّ. دَاعِيَةً لِلِاعْتِبَارِ: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}؛ أَيْ انْتَقِلُوا مِنْ "رُؤْيَةِ الْعَيْنِ" لِلْحُصُونِ إِلَى "رُؤْيَةِ الْعَقْلِ" لِلْمَصِيرِ.

أَمَّا فِي "تَوْزِيعِ الْفَيْءِ" (الْمَوَارِدِ)، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةً اقْتِصَادِيَّةً عُظْمَى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَدَاوُلِ الثَّرْوَةِ"؛ فَالنِّظَامُ الَّذِي يَعْزِلُ الْمَالَ فِي طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ هُوَ نِظَامٌ "مُخْتَلٌّ" مَنْطِقِيًّا، وَالْغَايَةُ هِيَ التَّوَازُنُ الِاجْتِمَاعِيُّ.

فِي "تَحْلِيلِ النَّفْسِيَّةِ الْجَمَاعِيَّةِ"، تُمَيِّزُ السُّورَةُ بَيْنَ:

الْمُهَاجِرِينَ: مَنْطِقُ "التَّضْحِيَةِ بِالْمَادَّةِ لِأَجْلِ الْمَبْدَأِ".

الْأَنْصَارِ: مَنْطِقُ "الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ"؛ {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

الْمُنَافِقِينَ: مَنْطِقُ "الْوَعْدِ الْكَاذِبِ"؛ {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ}. وَتَصِفُهُمْ بِأَنَّ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، وَأَنَّهُمْ {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}؛ هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْهَشَاشَةِ الدَّاخِلِيَّةِ" لِكُلِّ جَمْعٍ لَا يَقُومُ عَلَى الْحَقِّ.

تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "الْبُرْهَانِ التَّأْثِيرِيِّ" لِلْقُرْآنِ: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَبْكِيتِ الْإِنْسَانِ"؛ فَإِذَا كَانَتِ "الْمَادَّةُ الصَّلْبَةُ" (الْجَبَلُ) تَتَأَثَّرُ بِثِقَلِ الْحَقِيقَةِ، فَمَا بَالُ "الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ" يَبْقَى جَامِدًا؟

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِـ "أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى" (الْمَلِكِ، الْقُدُّوسِ، السَّلَامِ، الْمُؤْمِنِ...)، لِتُبَيِّنَ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الصِّفَاتِ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّسْبِيحَ مِنْ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحَشْرِ هِيَ سُورَةُ "انْكِشَافِ الْقُوَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحُصُونَ الْمَادِّيَّةَ لَا تَقِي مِنَ السُّقُوطِ إِذَا نَخَرَ الْبَاطِلُ فِيهَا، وَأَنَّ الْوِحْدَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ "وِحْدَةُ الْقُلُوبِ" لَا "جَمْعُ الْأَبْدَانِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْعِزَّةَ وَالْحِكْمَةَ هِيَ مَدَارُ الْفِعْلِ الْإِلَهِيِّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس