نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّمْحِيصِ الْوِجْدَانِيِّ" وَ"مَنْطِقِ الْوَلَاءِ لِلْقِيمَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ سُقُوطِ الْبَاطِلِ الْمَادِّيِّ (الْحُصُونِ)، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُمْتَحَنَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "فَصْلِ الْمَشَاعِرِ عَنِ الْمَبَادِئِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُخْتَبَرُ (يُمْتَحَنُ) صِدْقُ الِانْتِمَاءِ حِينَ تَتَعَارَضُ "الْعَاطِفَةُ الْأُسَرِيَّةُ" مَعَ "الْحَقِيقَةِ الْوُجُودِيَّةِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَحْذِيرٍ حَاسِمٍ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "وِحْدَةِ الْعَدَاوَةِ"؛ فَإِذَا كَانَ الطَّرَفُ الْآخَرُ يُعَادِي "الْقِيمَةَ الْعُلْيَا" (اللَّهَ)، فَإِنَّ مَوَدَّتَهُ تَعْنِي مَنْطِقِيًّا خِيَانَةَ تِلْكَ الْقِيمَةِ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ عَبَثِيَّةَ هَذِهِ الْمَوَدَّةِ: {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً}؛ أَيْ أَنَّ مَنْطِقَ الْآخَرِ عِدَائِيٌّ بِطَبْعِهِ رَغْمَ تَلَطُّفِكَ.
فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاطِ النَّسَبِيِّ"، تَضَعُ السُّورَةُ حَدًّا لِلْمُغَالَطَةِ الْعَاطِفِيَّةِ: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِانْفِصَالِ النِّهَائِيِّ"؛ فَالرَّابِطَةُ الْبَيُولُوجِيَّةُ زَائِلَةٌ، وَالرَّابِطَةُ الْوَحِيدَةُ "الْمُسْتَدَامَةُ" مَنْطِقِيًّا هِيَ رَابِطَةُ "الْمَنْهَجِ".
أَمَّا فِي "النَّمُوذَجِ الِاقْتِدَائِيِّ"، فَتُقَدِّمُ السُّورَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمِثَالٍ لِلـ "الْبَرَاءَةِ الْعَقْلِيَّةِ": {إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْقَطِيعَةِ مَعَ الْبَاطِلِ" كَشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاتِّصَالِ بِالْحَقِّ.
فِي "فَلْسَفَةِ التَّعَايُشِ"، تُرْسِي السُّورَةُ قَاعِدَةً مَنْطِقِيَّةً بَاهِرَةً فِي التَّوَازُنِ: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُعْتَدِي وَالْمُسَالِمِ"؛ فَالْعَدَاوَةُ لَيْسَتْ لِلْأَشْخَاصِ لِذَاتِهِمْ، بَلْ لِأَفْعَالِهِمُ الْقَمْعِيَّةِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْقِسْطَ" (الْعَدْلَ) هُوَ مِعْيَارُ التَّعَامُلِ مَعَ كُلِّ بَشَرِيٍّ لَمْ يَبْدَأْ بِالظُّلْمِ.
فِي مَشْهَدِ "الِامْتِحَانِ الْعَمَلِيِّ" لِلْمُهَاجِرَاتِ، تَقُولُ السُّورَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الْبَحْثُ عَنِ الدَّافِعِ"؛ فَالدَّعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى "بُرْهَانٍ" عَمَلِيٍّ (الْهِجْرَةِ) لِقَبُولِهَا فِي الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بـ "مَنْطِقِ الْبَيْعَةِ" الَّتِي تُنَظِّمُ حُقُوقَ وَوَاجِبَاتِ الْمَرْأَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ النِّسَاءَ شَرِيكَاتٌ فِي الْبِنَاءِ الْأَخْلَاقِيِّ (عَدَمِ السَّرِقَةِ، الزِّنَا، الْقَتْلِ، الْبُهْتَانِ).
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ هِيَ سُورَةُ "صَفَاءِ الِانْتِمَاءِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَسَعُ إِيمَانًا حَقِيقِيًّا وَمَوَدَّةً لِمَنْ يُحَارِبُ هَذَا الْإِيمَانَ، وَأَنَّ "الْعَدْلَ" مَكْفُولٌ لِلْمُسَالِمِينَ، لَكِنَّ "النُّصْرَةَ" هِيَ لِلْمَبْدَأِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْيَأْسَ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ هُوَ صِفَةُ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَةَ الْبَعْثِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|