عرض مشاركة واحدة
  #72  
قديم 2026-03-08, 11:09 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ التَّغَابُنِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَنْطِقِ الِاقْتِصَادِيِّ لِلْآخِرَةِ" وَ"كَشْفِ الْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ قَدْ شَرَّحَتْ "انْفِصَامَ الظَّاهِرِ عَنِ الْبَاطِنِ"، فَإِنَّ سُورَةَ التَّغَابُنِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْخَسَارَةِ وَالرِّبْحِ فِي مِيزَانِ الْأَبَدِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْكَشِفُ "الْغَبْنُ" (النَّقْصُ فِي الصَّفْقَةِ) حِينَ تُوضَعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ فِي كَفَّتَيْ الْمُقَارَنَةِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ التَّسْبِيحِ وَالْمُلْكِ، ثُمَّ تَطْرَحُ "مَنْطِقَ الِاخْتِيَارِ الْبَشَرِيِّ": {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْحُرِّيَّةِ الْمَسْؤُولَةِ"؛ فَالْمَصْدَرُ وَاحِدٌ (الْخَلْقُ) لَكِنَّ الْمَسَارَاتِ تَتَعَدَّدُ بِإِرَادَةِ الْفَاعِلِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْبَشَرِيَّ لَيْسَ عَبَثًا، بَلْ هُوَ "مُقَدِّمَةٌ" لِحِسَابٍ مَبْنِيٍّ عَلَى عِلْمٍ مُحِيطٍ: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

فِي "تَحْلِيلِ مَفْهُومِ التَّغَابُنِ"، تُلَخِّصُ السُّورَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنَّهُ {يَوْمُ التَّغَابُنِ}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى مَفْهُومِ "الصَّفْقَةِ الْمَغْبُونَةِ"؛ فَحِينَ يَرَى الْكَافِرُ مَا فَاتَهُ مِنَ النَّعِيمِ، وَيَرَى الْمُقَصِّرُ مَا نَقَصَهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ، يُدْرِكُ أَنَّهُ "غَبَنَ" نَفْسَهُ (أَيْ خَسِرَ خَسَارَةً نَاتِجَةً عَنْ سُوءِ تَقْدِيرٍ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الذَّكَاءَ الْمَنْطِقِيَّ هُوَ مَا يَمْنَعُ "الْغَبْنَ" قَبْلَ وُقُوعِهِ.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِابْتِلَاءِ بِالْمَحْبُوبَاتِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً حَذِرَةً: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "تَحَوُّلِ الْوَظِيفَةِ"؛ فَالْقَرِيبُ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى "عَدُوٍّ" مَنْطِقِيًّا إِذَا صَدَّكَ عَنِ الْغَايَةِ الْكُبْرَى (ذِكْرِ اللَّهِ). لَكِنَّ السُّورَةَ لَا تَدْعُو لِلْقَطِيعَةِ، بَلْ لِلـ "تَعَايُشِ الْحَذِرِ": {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِثْمَارِ الْمَالِيِّ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ صِيغَةَ "الْقَرْضِ": {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرِّبْحِ التَّرَاكُمِيِّ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ "الْإِنْفَاقُ" (الَّذِي يَبْدُو نَقْصًا فِي الْمَادَّةِ) إِلَى "زِيَادَةٍ" فِي الْمِيزَانِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْبُخْلَ هُوَ "خَلَلٌ حِسَابِيٌّ" يَقُومُ عَلَى نَظْرَةٍ قَصِيرَةِ الْمَدَى.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِصِفَاتِ اللَّهِ: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. لِتُؤَكِّدَ أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ "الْغَيْبَ" هُوَ الْأَجْدَرُ بِأَنْ يُخْبِرَكَ عَنِ الرِّبْحِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي لَا تَرَاهُ عَيْنُكَ الْآنَ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ التَّغَابُنِ هِيَ سُورَةُ "تَصْحِيحِ الْقِيَمِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْخَسَارَةَ لَيْسَتْ فِي نَقْصِ الدُّنْيَا، بَلْ فِي سُوءِ "التَّغَابُنِ" يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ مَيْدَانُ "تَغَابُنٍ" فَازَ فِيهِ مَنْ "قَرَضَ" اللَّهَ بِصِدْقٍ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْفَلَاحَ مَرْهُونٌ بِـ "وِقَايَةِ شُحِّ النَّفْسِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس