عرض مشاركة واحدة
  #73  
قديم 2026-03-08, 11:11 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الطَّلَاقِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّقْوَى فِي مَضَايِقِ الْحَيَاةِ" وَ"مَنْطِقِ الْمَخْرَجِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ التَّغَابُنِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ الْأُخْرَوِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الطَّلَاقِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِدَارَةِ الْأَزَمَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَكُونُ الِالْتِزَامُ بِـ "الْحُدُودِ" فِي أَصْعَبِ اللَّحَظَاتِ (الِانْفِصَالِ) هُوَ الطَّرِيقَ لِـ "تَيْسِيرِ الْأَمْرِ".

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "مَنْطِقِ الْإِحْصَاءِ": {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الدِّقَّةِ فِي الْإِجْرَاءِ"؛ فَالطَّلَاقُ لَيْسَ "تَفْرِيغَ غَضَبٍ" عَشْوَائِيًّا، بَلْ هُوَ "عَمَلِيَّةٌ مَحْسُوبَةٌ" زَمَانِيًّا وَمَكَانِيًّا. وَتُحَذِّرُ السُّورَةُ: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ تَجَاوُزَ النِّظَامِ لَا يَضُرُّ الْآخَرَ فَحَسْبُ، بَلْ يَرْتَدُّ بـ "الظُّلْمِ" عَلَى الذَّاتِ.

فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْأَمَلِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ جُمْلَةً مِحْوَرِيَّةً: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاحْتِمَالِ الْمَفْتُوحِ"؛ فَإِبْقَاءُ الْمُطَلَّقَةِ فِي بَيْتِهَا خِلَالَ الْعِدَّةِ هُوَ "تَهْيِئَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ" لِإِمْكَانِيَّةِ الرُّجُوعِ وَإِصْلَاحِ مَا انْكَسَرَ.

أَمَّا فِي "ثُلَاثِيَّةِ التَّقْوَى وَالنَّتَائِجِ"، فَتَقْرِنُ السُّورَةُ بَيْنَ "الْفِعْلِ الْقَلْبِيِّ" وَ"الْأَثَرِ الْوَاقِعِيِّ":

الْمَخْرَجُ وَالرِّزْقُ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}. هَذَا مَنْطِقُ "تَجَاوُزِ الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ".

التَّيْسِيرُ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}. هَذَا مَنْطِقُ "تَهْوِينِ الصِّعَابِ".

التَّكْفِيرُ وَالْأَجْرُ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الرِّبْحِ النِّهَائِيِّ".

فِي "تَحْلِيلِ الْقُدْرَةِ وَالسَّعَةِ"، تَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً اقْتِصَادِيَّةً مَرِنَةً: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْوُسْعِ لَا التَّكْلِيفِ"؛ لَكِنَّ السُّورَةَ تَبُثُّ الطُّمَأْنِينَةَ بِقَوْلِهَا: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}. هَذَا مَنْطِقُ "التَّغَيُّرِ الْحَتْمِيِّ لِلْأَحْوَالِ".

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْذِيرِ الْقُرَى الَّتِي "عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا"، لِتُبَيِّنَ أَنَّ مَنْطِقَ "الْهَلَاكِ لِلْمُعَانِدِ" هُوَ قَانُونٌ كَوْنِيٌّ لَا يَسْتَثْنِي أَحَدًا، سَوَاءٌ كَانَ فَرْدًا فِي نِزَاعٍ أُسَرِيٍّ أَوْ أُمَّةً فِي صِرَاعٍ حَضَارِيٍّ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَذْكِيرِ الْبَشَرِ بِعَظَمَةِ الْخَلْقِ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ... لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ مَنْ أَحَاطَ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ يَعْجِزَ عَنْ تَدْبِيرِ شُؤُونِكَ الصَّغِيرَةِ إِذَا طَبَّقْتَ "تَقْوَاهُ".

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الطَّلَاقِ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ الْحُلُولِ بِالتَّقْوَى". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمَخَارِجَ لَا تَأْتِي مِنَ الذَّكَاءِ الْمُجَرَّدِ، بَلْ مِنَ الِانْضِبَاطِ الْأَخْلَاقِيِّ فِي لَحْظَةِ الْخُصُومَةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "الْيُسْرَ" هُوَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِلثِّقَةِ فِي تَدْبِيرِ مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس