نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِصْلَاحِ الدَّاخِلِيِّ" وَ"مَنْطِقِ الْوِقَايَةِ الشَّامِلَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الطَّلَاقِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّقْوَى فِي لَحْظَةِ الْفِرَاقِ، فَإِنَّ سُورَةَ التَّحْرِيمِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "ضَبْطِ الْبَيْتِ مِنْ دَاخِلِهِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تُبْنَى الْأُسَرُ عَلَى "الصِّدْقِ" وَ"التَّوْبَةِ"، بَعِيدًا عَنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ إِفْشَاءِ الْأَسْرَارِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِعِتَابٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ؟}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "سِيَادَةِ التَّشْرِيعِ الْإِلَهِيِّ"؛ فَالْمَوَدَّةُ لِلْأَهْلِ لَا تُبَرِّرُ مَنْطِقِيًّا "تَغْيِيرَ الْأَحْكَامِ" الشَّخْصِيَّةِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ" هِيَ حُدُودٌ مَوْضُوعِيَّةٌ لَا تَخْضَعُ لِلْأَمْزِجَةِ الْبَشَرِيَّةِ، مَهْمَا كَانَتِ الدَّوَافِعُ نَبِيلَةً.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ السِّرِّ وَالْأَمَانَةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ حَادِثَةَ إِفْشَاءِ السِّرِّ: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْمَسْؤُولِيَّةِ الْفَرْدِيَّةِ عَنِ الْكَلِمَةِ"؛ فَالْبَيْتُ النَّبَوِيُّ هُوَ "نَمُوذَجُ التَّفَاصِيلِ"، وَأَيُّ خَلَلٍ فِيهِ يُعَالَجُ بِمَنْطِقِ "الْعَرْفِ وَالْإِعْرَاضِ": {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الرَّصَانَةِ فِي الْعِتَابِ" لِلْحِفَاظِ عَلَى كِيَانِ الْأُسْرَةِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْوِقَايَةِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ أَمْرًا اسْتِرَاتِيجِيًّا: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْمَسْؤُولِيَّةِ التَّضَامُنِيَّةِ"؛ فَالنَّجَاةُ لَيْسَتْ فَرْدِيَّةً مَحْضَةً، بَلْ هِيَ مَنْظُومَةٌ تَبْدَأُ مِنَ "النَّفْسِ" ثُمَّ تَمْتَدُّ لِلـ "أَهْلِ". وَتَصِفُ مَلَائِكَةَ النَّارِ بِأَنَّهُمْ: {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِانْضِبَاطِ الْمُطْلَقِ" الَّذِي يُقَابِلُهُ فِي الدُّنْيَا "تَوْبَةٌ نَصُوحٌ".
فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِقْلَالِيَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ نَمَاذِجَ لِلْمَرْأَةِ:
امْرَأَةُ نُوحٍ وَامْرَأَةُ لُوطٍ: مَنْطِقُ "سُقُوطِ النَّسَبِ أَمَامَ الْعَمَلِ"؛ فَالصِّلَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمَا شَيْئًا حِينَ خَانَتَا (خِيَانَةَ الْمَنْهَجِ).
امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ: مَنْطِقُ "التَّحَرُّرِ مِنَ الْبِيئَةِ الظَّالِمَةِ"؛ حَيْثُ اخْتَارَتْ (الْبَيْتَ عِنْدَ اللَّهِ) بَدَلًا مِنْ قَصْرِ الطَّاغِيَةِ.
مَرْيَمُ ابْنَتُ عِمْرَانَ: مَنْطِقُ "تَصْدِيقِ الْكَلِمَاتِ" وَالْإِحْصَانِ، لِتَكُونَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ.
الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ هُوَ "مَشْرُوعٌ مُسْتَقِلٌّ" أَمَامَ اللَّهِ، لَا يَتَحَمَّلُ وِزْرَ بِيئَتِهِ وَلَا يَعِيشُ عَلَى أَمْجَادِ غَيْرِهِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِرَسْمِ مَعَالِمِ "التَّصْدِيقِ بِكَلِمَاتِ الرَّبِّ"، لِتُكْمِلَ مَسِيرَةَ جُزْءِ "قَدْ سَمِعَ" الَّذِي بَدَأَ بِمُجَادَلَةِ امْرَأَةٍ وَانْتَهَى بِتَكْرِيمِ امْرَأَةٍ (مَرْيَمَ).
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ التَّحْرِيمِ هِيَ سُورَةُ "صِيَانَةِ الْجَوْهَرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْبُيُوتَ تُبْنَى عَلَى الصِّدْقِ وَالتَّوْبَةِ، وَأَنَّ "الْوِقَايَةَ" فِعْلٌ اسْتِبَاقِيٌّ، وَأَنَّ الْمَصِيرَ يَصْنَعُهُ الِاخْتِيَارُ الشَّخْصِيُّ لَا الِارْتِبَاطُ النَّسَبِيُّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْجَنَّةَ بَيْتٌ يُبْنَى بِـ "التَّصْدِيقِ وَالْقُنُوتِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|