عرض مشاركة واحدة
  #76  
قديم 2026-03-08, 11:17 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقَلَمِ، وَهِيَ سُورَةُ "الدِّفَاعِ عَنِ الْعَقْلِ" وَ"مَنْطِقِ الْقِيَمِ الْمُقَابِلِ لِلْمَادَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُلْكِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْهَيْمَنَةِ الْكَوْنِيَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْقَلَمِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْمَعْرِفَةِ وَالْأَخْلَاقِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُبْطِلُ "الْقَلَمُ" اتِّهَامَاتِ الْجُنُونِ، وَكَيْفَ تَنْهَارُ "الْجَنَّاتُ الدُّنْيَوِيَّةُ" حِينَ تَخْلُو مِنَ الْقِيَمِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ بـ {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّوْثِيقِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَالْقَلَمُ هُوَ أَدَاةُ الْعَقْلِ وَبُرْهَانُ الصَّوَابِ. وَتَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى اتِّهَامِ "الْجُنُونِ" بِمَنْطِقِ "الْأَخْلَاقِ الْعَظِيمَةِ": {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْجُنُونَ" (تَفَكُّكَ الْعَقْلِ) لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْتِجَ "خُلُقًا" (انْضِبَاطًا سُلُوكِيًّا)، فَالْخُلُقُ هُوَ أَسْمَى تَجَلِّيَاتِ الْعَقْلِ الرَّشِيدِ.

فِي "تَحْلِيلِ الشَّخْصِيَّةِ الْمُعَادِيَةِ"، تَرْسُمُ السُّورَةُ مَلَامِحَ "الْمُكَذِّبِ": (هَمَّازٍ، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ، مُعْتَدٍ، أَثِيمٍ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِارْتِبَاطِ بَيْنَ سُوءِ الْخُلُقِ وَرَفْضِ الْحَقِّ"؛ فَالَّذِي "يُكَذِّبُ" بِالْوَحْيِ غَالِبًا مَا يَكُونُ دَافِعُهُ "انْحِرَافًا سُلُوكِيًّا" يَسْتَتِرُ خَلْفَهُ.

أَمَّا فِي "قِصَّةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ"، فَتُقَدِّمُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْقَصْدِ وَالنَّتِيجَةِ": {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْمَشِيئَةِ"؛ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ حِيَازَةَ الْمَادَّةِ تَمْنَحُهُمُ الْقُدْرَةَ الْمُطْلَقَةَ عَلَى التَّصَرُّفِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْكَوْنَ" لَا يَخْضَعُ لِرَغَبَاتِ الْبَشَرِ، بَلْ لِإِرَادَةِ الْخَالِقِ الَّذِي "طَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ" وَهُمْ نَائِمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ هَشَاشَةَ تَقْدِيرَاتِهِمْ.

فِي "الْبُرْهَانِ التَّقْرِيعِيِّ"، تَسْأَلُ السُّورَةُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا حَاسِمًا: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ"؛ فَالْعَقْلُ لَا يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ مَصِيرُ "الْمُنْضَبِطِ" كَمَصِيرِ "الْمُتَفَلِّتِ"، وَإِلَّا لَكَانَ الْخَلْقُ عَبَثًا.

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَصْوِيرِ مَشْهَدِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ}. هَذَا مَنْطِقُ "تَعَذُّرِ الْفِعْلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ"؛ فَمَنْ رَفَضَ السُّجُودَ "طَوْعًا" وَهُوَ سَالِمٌ، حُرِمَ مِنْهُ "قَهْرًا" وَهُوَ خَاشِعٌ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ لِلصَّبْرِ، ضَارِبَةً الْمَثَلَ بـ "صَاحِبِ الْحُوتِ" (يُونُسَ)، لِتُؤَكِّدَ مَنْطِقَ "تَدَارُكِ النِّعْمَةِ" حِينَ يَصْدُقُ الْعَبْدُ فِي دُعَائِهِ بَعْدَ الضِّيقِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقَلَمِ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ الْخُلُقِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقَلَمَ يَسْطُرُ الْحَقَائِقَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْأَخْلَاقِ، وَأَنَّ الِاغْتِرَارَ بِالْمَادَّةِ هُوَ بِدَايَةُ الْهَلَاكِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ جُنُونًا، بَلْ هُوَ {ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس