نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمَعَارِجِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَدَى الزَّمَانِيِّ" وَ"تَشْرِيحِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحَاقَّةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ وُقُوعِ الْقِيَامَةِ حَقِيقَةً، فَإِنَّ سُورَةَ الْمَعَارِجِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "النَّسَبِيَّةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْخَالِقِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ الْبَشَرُ مَا يَرَاهُ اللَّهُ قَرِيبًا، وَكَيْفَ يَعْرُجُ الْمُؤْمِنُ بِخُلُقِهِ فَوْقَ طَبِيعَتِهِ "الْهَلُوعَةِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بـ "مَنْطِقِ السُّؤَالِ التَّعَجُّزِيِّ": {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِهْزَاءِ بِالْغَيْبِ"؛ فَالْإِنْسَانُ يَسْتَعْجِلُ الْعَذَابَ لِظَنِّهِ أَنَّ تَأَخُّرَهُ يَعْنِي انْعِدَامَهُ. تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "اخْتِلَافِ الْمَقَايِيسِ": {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الزَّمَنَ" نِسْبِيٌّ، وَأَنَّ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ "بَعِيدًا" هُوَ عِنْدَ خَالِقِ الزَّمَانِ "قَرِيبٌ".
فِي "تَحْلِيلِ السُّيُولَةِ الْكَوْنِيَّةِ"، تَصِفُ السُّورَةُ يَوْمَ الْفَصْلِ بـ {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَبَدُّلِ الصَّلَابَةِ إِلَى هَشَاشَةٍ"؛ فَالْكَوْنُ الْمَادِّيُّ الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَيْهِ الْمُلْحِدُ سَيَفْقِدُ تَماُسُكُهُ. وَتَطْرَحُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الِانْفِصَالِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِلهَوْلِ": {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا}؛ حَيْثُ تَتَلَاشَى الرَّوَابِطُ أَمَامَ مَنْطِقِ النَّجَاةِ الْفَرْدِيَّةِ.
أَمَّا فِي "التَّشْرِيحِ النَّفْسِيِّ لِلْإِنْسَانِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً ذِهْنِيَّةً: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاضْطِرَابِ الْفِطْرِيِّ"؛ حَيْثُ يَتَأَرْجَحُ الْبَشَرُ بَيْنَ الْيَأْسِ عِنْدَ الْفَقْدِ وَالْبُخْلِ عِنْدَ الْوَجْدِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ هَذِهِ "الْهَشَاشَةَ" لَا يُعَالِجُهَا إِلَّا "الِاسْتِثْنَاءُ الْقِيَمِيُّ": {إِلَّا الْمُصَلِّينَ}.
فِي "تَحْلِيلِ صِفَاتِ الْمَعَارِجِ" (أَيْ مَنْ يَعْرُجُونَ بِأَنْفُسِهِمْ)، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَنْظُومَةً مِنَ التَّصَرُّفَاتِ:
الدَّوَامُ عَلَى الصَّلَاةِ: (الِاتِّصَالِ).
حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ: (كَسْرِ الشُّحِّ).
تَصْدِيقٌ بِيَوْمِ الدِّينِ: (الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ).
حِفْظُ الْفُرُوجِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْعُهُودِ: (الِانْضِبَاطِ الِاجْتِمَاعِيِّ).
الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْبِنَاءِ السُّلوكيِّ كَطَرِيقٍ لِلْعُرُوجِ"؛ فَالْمُصَلِّي هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مَنْطِقِيًّا مِنْ سِجْنِ "الْهَلَعِ".
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَوْبِيخِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَهُمْ "مُهْطِعِينَ" (مُسْرِعِينَ) حَوْلَ النَّبِيِّ لِلِاسْتِهْزَاءِ، مُؤَكِّدَةً مَنْطِقَ "الِاسْتِبْدَالِ": {إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ}.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمَعَارِجِ هِيَ سُورَةُ "السَّكِينَةِ ضِدَّ الْهَلَعِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ طَبِيعَةَ الْإِنْسَانِ مَضْطَرِبَةٌ، وَأَنَّ "الْعِبَادَةَ" لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طُقُوسٍ، بَلْ هِيَ "رَافِعَةٌ" تَنْتَشِلُ الْإِنْسَانَ مِنْ جَزَعِهِ وَبُخْلِهِ لِتَجْعَلَهُ كَائِنًا "مُعَارِجِيًّا" يَرْتَقِي نَحْوَ الْكَمَالِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|