نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ نُوحٍ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمُحَاجَجَةِ الطَّوِيلَةِ" وَ"مَنْطِقِ الِاسْتِنْفَادِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمَعَارِجِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ ارْتِقَاءِ النَّفْسِ فَوْقَ هَلَعِهَا، فَإِنَّ سُورَةَ نُوحٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِقَامَةِ الْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُحَاصِرُ الْوُجُودُ الْإِنْسَانَ بِبَرَاهِينِهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ "الِاسْتِكْبَارُ" عَائِقًا مَنْطِقِيًّا أَمَامَ النَّجَاةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "مَنْطِقِ الْإِنْذَارِ الِاسْتِبَاقِيِّ": {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الرَّحْمَةِ الْوِقَائِيَّةِ"؛ فَالْعَذَابُ لَيْسَ غَايَةً، بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِلْإِصْرَارِ عَلَى الْخَطَأِ، وَالرِّسَالَةُ هِيَ "تَنْبِيهٌ" لِتَغْيِيرِ الْمَسَارِ.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الدَّعْوَةِ الشَّامِلَةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ جُهْدَ أَلْفِ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "اسْتِيعَابِ كُلِّ الظُّرُوفِ" (لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ نُوحًا ﷺ اسْتَنْفَدَ كُلَّ "الْمُتَغَيِّرَاتِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ"، مِمَّا يَجْعَلُ "رَفْضَ الْقَوْمِ" غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى نَقْصِ الْبَيَانِ، بَلْ عَلَى مَنْطِقِ "الْهَرُوبِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ": {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ}.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ الْأَخْلَاقِ وَالْمَادَّةِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ مُعَادَلَةً بَاهِرَةً: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا...}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّصَالُحِ مَعَ الْخَالِقِ كَمِفْتَاحٍ لِلْوَفْرَةِ"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ "الِاسْتِغْفَارُ" (تَصْحِيحُ الْمَسَارِ) سَبَبًا مَنْطِقِيًّا لِتَدَفُّقِ الرِّزْقِ وَالْبَنِينَ وَالْجَنَّاتِ.
فِي "تَحْلِيلِ الْبُرْهَانِ الْكَوْنِيِّ"، يَسْأَلُ نُوحٌ قَوْمَهُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّشْأَةِ الذَّاتِيَّةِ"؛ فَالَّذِي نَقَلَكَ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ (نُطْفَةً، عَلَقَةً...) يَسْتَحِقُّ مَنْطِقِيًّا "الْوَقَارَ" (التَّعْظِيمَ). ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى {السَّمَاوَاتِ طِبَاقًا} وَ {الْقَمَرِ نُورًا}، لِيُبَيِّنَ أَنَّ "النِّظَامَ الْكَبِيرَ" يَنْطِقُ بِصِدْقِ "النِّظَامِ الصَّغِيرِ" (الْإِنْسَانِ).
تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "نِهَايَةِ الِاحْتِمَالَاتِ": حِينَ يَتَحَوَّلُ الْمَالُ وَالْوَلَدُ إِلَى عِبْءٍ: {وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الِاسْتِثْمَارِ الْخَاسِرِ" فِي الْبَاطِلِ. وَتَخْتَتِمُ بِدُعَاءِ نُوحٍ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ "الْبَيْتِ الْمُؤْمِنِ" وَ "الدِّيَارِ الظَّالِمَةِ"، مُعْلِنًا أَنَّ "الْهَلَاكَ" هُوَ النَّتِيجَةُ الْحَتْمِيَّةُ لِمَنْ سَدَّ كُلَّ مَنَافِذِ الْعَقْلِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ نُوحٍ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ التَّسْخِيرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَيَاةَ مَيْدَانُ دَعْوَةٍ دَائِمَةٍ، وَأَنَّ الْكَونَ مُسَخَّرٌ لِمَنْ يَعْقِلُ، وَأَنَّ "الِاسْتِغْفَارَ" هُوَ ذَكَاءٌ مَادِّيٌّ وَرُوحِيٌّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الصَّبْرَ لَهُ حُدُودٌ حِينَ تَنْغَلِقُ الْقُلُوبُ تَمَامًا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|