نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِعْدَادِ النَّفْسِيِّ" وَ"تَرْمِيمِ الْقُوَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْجِنِّ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الِانْبِهَارِ الْخَارِجِيِّ بِالرُّشْدِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُزَّمِّلِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "كَيْفِيَّةِ صِنَاعَةِ هَذَا الرُّشْدِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ "اللَّيْلُ" مِنْ زَمَنٍ لِلرَّاحَةِ إِلَى "مُخْتَبَرٍ" لِبِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ الْقِيَادِيَّةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنِدَاءٍ يُخْرِجُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ حَالَةِ "التَّزَمُّلِ" (التَّلَفُّعِ بِالثِّيَابِ): {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِعْدَادِ لِلْمُهِمَّةِ"؛ فَالْقِيَامُ (الْجُهْدُ الْبَدَنِيُّ وَالرُّوحِيُّ) هُوَ تَوْطِئَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِـ {قَوْلًا ثَقِيلًا}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْعِبْءَ الْمَعْرِفِيَّ" الْعَظِيمَ يَحْتَاجُ إِلَى "بِنَاءٍ رُوحِيٍّ" مُوَازٍ لَهُ فِي الْقُوَّةِ.
فِي "تَحْلِيلِ فِيزْيَاءِ التَّأْثِيرِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ سِرَّ قِيَامِ اللَّيْلِ: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى مَفْهُومِ "تَقْلِيلِ الضَّجِيجِ"؛ فَحِينَ تَسْكُنُ الْأَصْوَاتُ وَتَنْقَطِعُ الشَّوَاغِلُ (السَّبْحُ الطَّوِيلُ فِي النَّهَارِ)، يَصِيرُ الِارْتِبَاطُ بِالْمَعْنَى أَكْثَرَ "وَطْئًا" (تَأْثِيرًا فِي النَّفْسِ) وَأَكْثَرَ "اسْتِقَامَةً" فِي الْبَيَانِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْعُمْقَ" لَا يُنَالُ فِي ضَوْضَاءِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِانْقِطَاعِ لِلْمَصْدَرِ"، فَتَأْمُرُ السُّورَةُ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}. التَّبْتِيلُ هُنَا هُوَ "الِانْقِطَاعُ الْعَقْلِيُّ وَالْقَلْبِيُّ" لِلَّهِ بَعْدَ السَّعْيِ فِي الْأَرْضِ. وَتُرْسِي قَاعِدَةَ "التَّوَكُّلِ بَعْدَ التَّبَصُّرِ": {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}. الْمَنْطِقُ هُوَ: إِذَا كَانَ هُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى الْجِهَاتِ كُلِّهَا، فَمِنَ التَّهَافُتِ الْمَنْطِقِيِّ أَنْ تَتَّخِذَ وَكِيلًا غَيْرَهُ.
فِي "تَحْلِيلِ التَّحْذِيرِ بِالتَّارِيخِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَثَلَ "فِرْعَوْنَ": {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا}. هَذَا مَنْطِقُ "حَتْمِيَّةِ الْهَلَاكِ لِلْمُعَانِدِ"؛ فَالْقُوَّةُ الْمَادِّيَّةُ الْجَبَّارَةُ لَا تَحْمِي مِنَ "الْوَبَالِ" (الثِّقْلِ فِي الْعُقُوبَةِ).
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ فِي خَاتِمَتِهَا (الَّتِي نَزَلَتْ مُتَأَخِّرَةً لِلتَّخْفِيفِ) لِتُحَلِّلَ "مَنْطِقَ الْمُرُونَةِ": {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ... فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "مُرَاعَاةِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ"؛ فَاللَّهُ يَعْلَمُ وُجُودَ (الْمَرْضَى، وَالْمُسَافِرِينَ لِلرِّزْقِ، وَالْمُجَاهِدِينَ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "النِّظَامَ الْإِلَهِيَّ" صَارِمٌ فِي قِيمَتِهِ، لَكِنَّهُ "مَرِنٌ" فِي مَقْدُورِهِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةٍ لِلـ "الْقَرْضِ الْحَسَنِ" وَتَأْكِيدِ مَنْطِقِ "بَقَاءِ الْأَثَرِ": {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ هِيَ سُورَةُ "تَرْتِيلِ الذَّاتِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمَهَامَّ الْعَظِيمَةَ تَبْدَأُ مِنَ السَّكَنِ بِاللَّيْلِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ يَحْتَاجُ لِلْخَلْوَةِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُ، وَأَنَّ "الْيُسْرَ" جُزْءٌ مِنَ الْمَنْطِقِ الْإِلَهِيِّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ مَا نُقَدِّمُهُ لَيْسَ "ضَيَاعًا"، بَلْ هُوَ "اسْتِثْمَارٌ" فِي بَنْكِ الْأَبَدِيَّةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|