عرض مشاركة واحدة
  #84  
قديم 2026-03-08, 11:32 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْإِنْسَانِ (أَوْ سُورَةِ الدَّهْرِ)، وَهِيَ سُورَةُ "الرِّحْلَةِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْخُلُودِ" وَ"مَنْطِقِ الْإِيثَارِ الْحُرِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقِيَامَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ إِعَادَةِ بِنَاءِ الْجَسَدِ وَالْبَنَانِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْإِنْسَانِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "بِنَاءِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْقِيَمِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ كَائِنٌ "لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا" إِلَى "أَبْرَارٍ" يَتَحَكَّمُونَ فِي نَعِيمِ الْأَبَدِ بِفِعْلِ اخْتِيَارِهِمْ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِسُؤَالٍ تَقْرِيرِيٍّ عَنِ "الزَّمَنِ": {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَوَاضُعِ النَّشْأَةِ"؛ فَكُلُّ مَنَاكِبِ الْإِنْسَانِ وَكِبْرِيَائِهِ تُحَاصَرُ بِحَقِيقَةِ أَنَّهُ كَانَ "عَدَمًا". ثُمَّ تَطْرَحُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الِاخْتِبَارِ بِالْحَوَاسِّ": {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "السَّمْعَ وَالْبَصَرَ" أَدَوَاتٌ مَعْرِفِيَّةٌ مَنْحَهَا اللَّهُ لِلْإِنْسَانِ لِيَجْتَازَ "مُخْتَبَرَ الِابْتِلَاءِ".

فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْحُرِّيَّةِ"، تَضَعُ السُّورَةُ مَسَارَيْنِ فَقَطْ: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الثُّنَائِيَّةِ الْحَاسِمَةِ"؛ فَالطَّرِيقُ وَاضِحٌ، وَالنَّتِيجَةُ مَنُوطَةٌ بِـ "الْإِرَادَةِ".

أَمَّا فِي "تَشْرِيحِ سُلُوكِ الْأَبْرَارِ"، فَتُقَدِّمُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْإِخْلَاصِ الْمُجَرَّدِ":

الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ: (الِالْتِزَامُ الذَّاتِيُّ).

إِطْعَامُ الطَّعَامِ: (تَقْدِيمُ حَاجَةِ الْآخَرِ عَلَى حُبِّ الذَّاتِ لِلْمَالِ).

تَحْدِيدُ الْغَايَةِ: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الْعَمَلِ خَارِجَ نِطَامِ الْمُبَادَلَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ"؛ حَيْثُ لَا يَنْتَظِرُ الْبَرُّ رَدَّ الْفِعْلِ مِنَ الْبَشَرِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى "يَوْمٍ عَبُوسٍ قَمْطَرِيرٍ" يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى "نَضْرَةٍ وَسُرُورٍ".

فِي "تَحْلِيلِ جَزَاءِ الصَّبْرِ"، تَنْقُلُنَا السُّورَةُ إِلَى وَصْفٍ حِسِّيٍّ دَقِيقٍ لِلنَّعِيمِ (جَنَّةً وَحَرِيرًا، أَكَاوِيبَ وَقَوَارِيرَ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْعَنَاءِ وَالرَّخَاءِ"؛ فَكُلُّ لَحْظَةِ صَبْرٍ فِي الدُّنْيَا تَتَحَوَّلُ مَنْطِقِيًّا إِلَى "خُلُودٍ" فِي نَعِيمٍ مُتْقَنٍ، حَيْثُ لَا شَمْسَ وَلَا زَمْهَرِيرَ.

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَثْبِيتِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْطِقِ "التَّنْزِيلِ الْمُتَدَرِّجِ": {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا}. هَذَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ "الْكَلَامَ" حَقِيقَةٌ عُلْوِيَّةٌ تَحْتَاجُ لِصَبْرٍ عَلَى "حُكْمِ الرَّبِّ" وَعَدَمِ اتِّبَاعِ "الْآثِمِ أَوِ الْكَفُورِ".

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِرَبْطِ الْمَشِيئَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِالْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْإِحَاطَةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ حُرٌّ فِي اخْتِيَارِهِ، لَكِنَّ فِعْلَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِ وَقُدْرَةِ "الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ".

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْإِنْسَانِ هِيَ سُورَةُ "صِنَاعَةِ الْكَرَمِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ تَبْدَأُ حِينَ يَتَحَرَّرُ مِنْ "أَنَانِيَّتِهِ"، وَأَنَّ "الْإِيثَارَ" هُوَ الذَّكَاءُ الْبَعِيدُ الْمَدَى، وَأَنَّ جَزَاءَ "الْأَبْرَارِ" هُوَ نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِـ "تَصْدِيقِهِمْ" بِالْغَيْبِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الرَّحْمَةَ لِلظَّالِمِينَ مُحَرَّمَةٌ مَنْطِقِيًّا إِذَا أَصَرُّوا عَلَى ظُلْمِهِمْ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس