نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى خِتَامِ جُزْءِ "تَبَارَكَ" مَعَ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِنْذَارِ النِّهَائِيِّ" وَ"تَكْرَارِ الْحُجَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْإِنْسَانِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ النَّعِيمِ لِلْأَبْرَارِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُرْسَلَاتِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْحَسْمِ مَعَ الْمُكَذِّبِينَ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ قُوَى الْكَوْنِ (الرِّيَاحُ وَالْمَلَائِكَةُ) إِلَى شُهُودٍ عَلَى "صِدْقِ الْوَعْدِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِخَمْسِ أَقْسَامٍ حَرَكِيَّةٍ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا...}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّسَلْسُلِ الْإِجْرَائِيِّ"؛ مِنَ "الْإِرْسَالِ" إِلَى "النَّشْرِ" ثُمَّ "الْفَرْقِ" وَأَخِيرًا "الْإِلْقَاءِ" لِلذِّكْرِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فِي الْكَوْنِ لَهَا "غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ"، وَأَنَّ النَّتِيجَةَ الْقَطْعِيَّةَ هِيَ: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ التَّكْرَارِ"، تَرِدُ جُمْلَةُ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} عَشْرَ مَرَّاتٍ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّأْكِيدِ بَعْدَ كُلِّ دَلِيلٍ"؛ فَبَعْدَ ذِكْرِ (إِهْلَاكِ الْأَوَّلِينَ، خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، جَعْلِ الْأَرْضِ كِفَاتًا، جَمْعِ الْخَلَائِقِ)، يَأْتِي هَذَا "التَّرْجِيعُ" كَصَدْمَةٍ عَقْلِيَّةٍ لِتَنْبِيهِ مَنْ يُنْكِرُ بَدِيهِيَّاتِ الْخَلْقِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "التَّكْذِيبَ" لَيْسَ وُجْهَةَ نَظَرٍ، بَلْ هُوَ "خَلَلٌ مَنْطِقِيٌّ" أَمَامَ وُضُوحِ الشَّوَاهِدِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْفَصْلِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بـ {يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَوْحِيدِ النِّهَايَاتِ"؛ حَيْثُ تَلْتَقِي كُلُّ الْأَجْيَالِ فِي "نُقْطَةِ الِارْتِكازِ" الْحِسَابِيَّةِ. وَتَتَحَدَّى الْمُكَذِّبِينَ بِمَنْطِقِ "الْعَجْزِ عَنِ الْكَيْدِ": {فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ}. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الذَّكَاءَ الدُّنْيَوِيَّ" لَا يَعْمَلُ فِي قَوَانِينِ الْآخِرَةِ.
فِي "تَحْلِيلِ مَشْهَدِ الظِّلِّ الزَّائِفِ"، تُنْذِرُ السُّورَةُ: {انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الْمُحَاكَاةُ السَّاخِرَةُ لِلْأَوْهَامِ"؛ فَالْمُكَذِّبُ الَّذِي اسْتَظَلَّ بِبَاطِلِهِ فِي الدُّنْيَا، يُحْشَرُ إِلَى "ظِلٍّ" لَا يُبَرِّدُ وَلَا يَحْمِي، تَمَامًا كَمَا كَانَتْ عَقِيدَتُهُ هَشَّةً لَا تَنْفَعُ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِسُؤَالٍ عَقْلِيٍّ عَنْ "الْمَرْجَعِيَّةِ": {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟}. هَذَا مَنْطِقُ "نِهَايَةِ الْبُرْهَانِ"؛ فَإِذَا لَمْ يُقْنِعْهُمْ هَذَا الْقُرْآنُ بِإِعْجَازِهِ وَنِظَامِهِ، فَمَا دُونَهُ مِنَ الْكَلَامِ أَهْيَنُ مَنْطِقِيًّا مِنْ أَنْ يُؤَسِّسَ لِيَقِينٍ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ هِيَ سُورَةُ "تَوْقِيعِ الْجَزَاءِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ يُرْسَلُ بِالْحَقِّ، وَأَنَّ "الْوَيْلَ" هُوَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِمَنْ يُكَذِّبُ بِالْمُشَاهَدِ، وَأَنَّ "الْفَصْلَ" بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ قَادِمٌ لَا مَحَالَةَ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي لَا يَنْقَادُ لِلْحَقِّ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ هُوَ عَقْلٌ مَيْتٌ.
بِهَذَا نَكُونُ قَدْ أَتْمَمْنَا جُزْءَ "تَبَارَكَ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|