نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ عَبَسَ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمِيزَانِ الْقِيَمِيِّ" وَ"تَفْكِيكِ مَنْطِقِ الِاسْتِغْنَاءِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النَّازِعَاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ عَظَمَةِ الْبِنَاءِ الْكَوْنِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ عَبَسَ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "عَظَمَةِ الْقِيمَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُصَحِّحُ الْوَحْيُ "بَوْصَلَةَ الِاهْتِمَامِ" لِيَكُونَ "الْمُسْتَرْشِدُ" أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْ "الْمُسْتَكْبِرِ" مَهْمَا كَانَ شَأْنُهُ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِعِتَابٍ رَقِيقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَقْدِيمِ الْجَوْهَرِ عَلَى الْمَظْهَرِ"؛ فَالْأَعْمَى الَّذِي "يَخْشَى" وَيُرِيدُ "التَّزَكِّيَ" يُمَثِّلُ "الِاحْتِمَالَ الْعَقْلِيَّ لِلنَّجَاحِ"، بَيْنَمَا الْمُسْتَغْنِي يُمَثِّلُ "انْسِدَادَ مَنَافِذِ التَّلَقِّي". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْقِيمَةَ" تُقَاسُ بـ "الِاسْتِعْدَادِ لِلتَّغْيِيرِ" لَا بـ "الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ".
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ التَّذْكِرَةِ"، تَنْقُلُنَا السُّورَةُ إِلَى صِفَةِ الصُّحُفِ: {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَعْظِيمِ الْمَصْدَرِ"؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَحْفُوظٌ بِـ "أَيْدِي سَفَرَةٍ"، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يُقَابَلَ بـ "تَعْظِيمِ التَّلَقِّي" لَا بـ "الِاعْرَاضِ".
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْجُحُودِ الْبَشَرِيِّ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ الْإِنْسَانَ: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؟}. هُنَا تَعُودُ السُّورَةُ إِلَى "بُرْهَانِ النَّشْأَةِ"؛ (نُطْفَةٍ، تَقْدِيرٍ، تَيْسِيرِ السَّبِيلِ، إِمَاتَةٍ، أَقْبَرَةٍ). الْمَنْطِقُ هُوَ "تَفْكِيكُ مَبْرِّرَاتِ الْكِبْرِ"؛ فَمَنْ كَانَتْ بِدَايَتُهُ "نُطْفَةً" وَنِهَايَتُهُ "قَبْرًا"، وَمَصِيرُ بَعْثِهِ بِيَدِ غَيْرِهِ، لَا يَمْلِكُ مَنْطِقِيًّا أَيَّ حُجَّةٍ لِلِاسْتِعْلَاءِ عَلَى أَمْرِ خَالِقِهِ.
فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاطِ بِالْغِذَاءِ"، تَأْمُرُ السُّورَةُ: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}. تَعْرِضُ السُّورَةُ دَوْرَةً هَنْدَسِيَّةً لِلْإِنْبَاتِ: (صَبُّ الْمَاءِ، شَقُّ الْأَرْضِ، إِنْبَاتُ الْحَبِّ وَالْعِنَبِ وَالزَّيْتُونِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْأَبِّ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَنْفَعَةِ"؛ فَالَّذِي سَخَّرَ كُلَّ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ لِـ "مَتَاعِكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ" هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي أَمَرَكُمْ، وَعَطَاؤُهُ الْمَادِّيُّ بُرْهَانٌ عَلَى صِدْقِ نِظَامِهِ الْقِيَمِيِّ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِـ "الصَّاخَّةِ" وَمَنْطِقِ "التَّفَكُّكِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِلهَوْلِ": {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}. هَذَا مَنْطِقُ "الِانْفِرَادِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ"؛ حَيْثُ يُصْبِحُ لِكُلِّ امْرِئٍ "شَأْنٌ يُغْنِيهِ" عَنِ الِارْتِبَاطِ بِالْآخَرِينَ، لِتَنْقَسِمَ الْوُجُوهُ مَنْطِقِيًّا إِلَى (مُسْفِرَةٍ ضَاحِكَةٍ) اسْتَنَارَتْ بِالْوَحْيِ، وَ (عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) أَظْلَمَتْ بِالتَّكْذِيبِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ عَبَسَ هِيَ سُورَةُ "أَوْلَوِيَّةِ التَّزْكِيَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمُتَّصِلَ بِخَالِقِهِ هُوَ "الْمَرْكَزُ" مَهْمَا كَانَ ضَعِيفًا، وَأَنَّ جُحُودَ الْبَشَرِ يَنْكَسِرُ أَمَامَ بَرَاهِينِ "الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ"، وَأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ يَوْمُ "التَّفَرُّدِ الْحِسَابِيِّ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ السَّعَادَةَ تَبْدَأُ مِنْ "قَبُولِ التَّذْكِرَةِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|