نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ التَّكْوِيرِ، وَهِيَ سُورَةُ "انْفِرَاطِ النِّظَامِ" وَ"صَحْوَةِ الشُّهُودِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ عَبَسَ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ تَرْتِيبِ الْقِيَمِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ التَّكْوِيرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "تَلَاشِي الْمَادَّةِ أَمَامَ الرُّوحِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْطَفِئُ سِرَاجُ الْكَوْنِ لِتُضَاءَ صُحُفُ الْأَعْمَالِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِسِلْسِلَةٍ مِنَ الشُّرُوطِ الْكَوْنِيَّةِ (إِذَا..): {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "انْتِهَاءِ الصَّلَاحِيَّةِ الْفِيزْيَائِيَّةِ"؛ فَالشَّمْسُ الَّتِي كَانَتْ مَصْدَرَ الضَّوْءِ تُطْوَى، وَالْجِبَالُ الَّتِي كَانَتْ رَمْزَ الثَّبَاتِ تَتَحَرَّكُ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْمَادَّةَ" لَيْسَتْ جَوْهَرًا أَبَدِيًّا، بَلْ هِيَ "تَرْتِيبٌ مَؤَقَّتٌ" يَنْتَهِي حِينَ يَتَحَقَّقُ الْغَرَضُ مِنْهُ.
فِي "تَحْلِيلِ اضْطِرَابِ النَّظْمِ الِاجْتِمَاعِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَعَطُّلِ مَنَافِعِ الدُّنْيَا"؛ فَالنَّاقَةُ الْعُشَرَاءُ (أَغْلَى أَمْوَالِ الْعَرَبِ حِينَهَا) تُتْرَكُ وَتُهْمَلُ لِعِظَمِ الْهَوْلِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْقِيمَةَ الْمَادِّيَّةَ" تَنْهَارُ تَمَامًا حِينَ تُجَابِهُ "الْحَقِيقَةَ الْوُجُودِيَّةَ".
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالشَّهَادَةِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالًا أَخْلَاقِيًّا حَارِقًا: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "إِنْطَاقِ الضَّحِيَّةِ"؛ فَحِينَ تُعَطَّلُ مَحَاكِمُ الدُّنْيَا، تُفْتَحُ مَحَاكِمُ الْآخِرَةِ لِتَسْأَلَ عَنِ "الْغَايَةِ" مِنْ إِزْهَاقِ الرُّوحِ بِلَا جَرِيرَةٍ.
تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "لَحْظَةِ الْقَرَارِ": {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْحَصَادِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ حَيْثُ تَنْقَشِعُ غَيْمَةُ الْغَفْلَةِ لِيَرَى كُلُّ إِنْسَانٍ "نِتَاجَ سَعْيِهِ" مَنْشُورًا أَمَامَهُ فِي صُحُفٍ لَا تَغْشَى.
فِي "تَحْلِيلِ بُرْهَانِ الْوَحْيِ"، تَقْسِمُ السُّورَةُ بِـ (الْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، اللَّيْلِ، الصُّبْحِ) لِتُؤَكِّدَ صِدْقَ الرِّسَالَةِ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَزْكِيَةِ النَّاقِلِ"؛ فَالْوَحْيُ لَيْسَ هَذَيَانًا، بَلْ هُوَ "نِظَامٌ مَعْلُومَاتِيٌّ" قَادِمٌ عَبْرَ "قَنَاةٍ مَوْثُوقَةٍ" (جِبْرِيلُ ﷺ) لَا يَصِلُ إِلَيْهَا "شَيْطَانٌ رَجِيمٌ".
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمُحَاصَرَةِ الْعَقْلِ بِسُؤَالٍ مَصِيرِيٍّ: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟}. هَذَا مَنْطِقُ "إِبْطَالِ الْمَفَرِّ"؛ فَإِذَا كَانَ الْكَوْنُ كُلُّهُ يَسِيرُ لِهَذِهِ النِّهَايَةِ، فَمَا هُوَ الْمَسَارُ الَّذِي تَظُنُّ أَنَّكَ سَتَنْجُو فِيهِ بَعِيدًا عَنْ {ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}؟
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ التَّكْوِيرِ هِيَ سُورَةُ "انْكِشَافِ الْحَقِيقَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ نِظَامَ الْكَوْنِ خَادِمٌ لِنِظَامِ الْقِيَمِ، وَأَنَّ "الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ" هُوَ مَا تُحْضِرُهُ النَّفْسُ لِآخِرَتِهَا، وَأَنَّ الْقُرْآنَ خَرِيطَةُ طَرِيقٍ فِي كَوْنٍ يَتَّجِهُ نَحْوَ "التَّكْوِيرِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْمَشِيئَةَ بِيَدِ مَنْ شَاءَ أَنْ يَسْتَقِيمَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|