نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْغَاشِيَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الِاسْتِيعَابِ الشَّامِلِ" وَ"مَنْطِقِ النَّتِيجَةِ النِّهَائِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْأَعْلَى قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ تَسَلْسُلِ الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْمَصِيرِ الْجَامِعِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ "تَغْشَى" الْقِيَامَةُ الْخَلَائِقَ بِثِقَلِهَا، لِيَتَحَوَّلَ "الْعَمَلُ الدُّنْيَوِيُّ" إِلَى "حَالَةٍ بَصَرِيَّةٍ" عَلَى الْوُجُوهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِسُؤَالٍ تَشْوِيقِيٍّ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الشُّمُولِيَّةِ"؛ فَالْغَاشِيَةُ هِيَ الَّتِي تُغَطِّي الْكُلَّ وَلَا يَسْتَثْنِي حُكْمُهَا أَحَدًا. ثُمَّ تُقَسِّمُ السُّورَةُ الْوُجُوهَ إِلَى صِنْفَيْنِ بِمَنْطِقِ "الْمُقَابَلَةِ الْحِسِّيَّةِ":
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ: مَنْطِقُ "الْعَبَثِ الْإِنْتَاجِيِّ"؛ فَهِيَ (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) بَذَلَتْ جُهْدًا فِي الدُّنْيَا لَكِنَّهُ كَانَ فِي "الِاتِّجَاهِ الْخَاطِئِ"، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ (تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْجُهْدَ" لَا يَنْفَعُ مَنْطِقِيًّا إِذَا فَقَدَ "الْغَايَةَ الصَّحِيحَةَ".
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ: مَنْطِقُ "الرِّضَا عَنِ الْمَسَارِ"؛ (لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ). هُنَا تَتَطَابَقُ النَّتِيجَةُ مَعَ الْجُهْدِ، فَيَكُونُ النَّعِيمُ (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ).
فِي "تَحْلِيلِ الدَّلِيلِ الْأَنْفُسِيِّ وَالْآفَاقِيِّ"، تَدْعُو السُّورَةُ لِلنَّظَرِ فِي أَرْبَعَةِ أَنْظِمَةٍ:
الْإِبِلِ: (كَيْفَ خُلِقَتْ - نِظَامُ التَّكَيُّفِ وَالْقُوَّةِ).
السَّمَاءِ: (كَيْفَ رُفِعَتْ - نِظَامُ الِارْتِقَاءِ وَالْبِنَاءِ).
الْجِبَالِ: (كَيْفَ نُصِبَتْ - نِظَامُ التَّثْبِيتِ وَالرَّوَاسِي).
الْأَرْضِ: (كَيْفَ سُطِحَتْ - نِظَامُ التَّمْهِيدِ لِلْعَيْشِ).
الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الِاسْتِدْلَالُ بِالْمُعَايَنَةِ"؛ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَشَاهِدُ حَقِيقَةً مَادِّيَّةً، فَمَنْطِقِيًّا يَكُونُ "الْبَعْثُ" حَقِيقَةً كَذَلِكَ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الدَّوْرِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ"، فَتُحَدِّدُ السُّورَةُ مَهَمَّةَ النَّبِيِّ ﷺ: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْحُرِّيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ"؛ فَالْوَحْيُ يُقَدِّمُ "الْمَعْلُومَةَ" وَلَا يَمْلِكُ "الْقَسْرَ". الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ "الْمُتَلَقِّي" بَعْدَ الْبَيَانِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "دَوْرَةِ الرُّجُوعِ الْحَتْمِيَّةِ": {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}. هَذَا يُمَثِّلُ مَنْطِقَ "الْإِحَاطَةِ وَالْجَرْدِ"؛ فَالْإِيَابُ (الْعَوْدَةُ لِلْمَصْدَرِ) يَسْتَوْجِبُ مَنْطِقِيًّا "الْحِسَابَ" (تَقْيِيمَ الْأَدَاءِ).
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْغَاشِيَةِ هِيَ سُورَةُ "بَيَانِ الْمَصِيرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِلَا هُدًى هُوَ نَصَبٌ ضَائِعٌ، وَأَنَّ النَّظَرَ فِي خَلْقِ اللَّهِ كَافٍ لِلْإِيمَانِ، وَأَنَّ "الْحِسَابَ" هُوَ الْغَايَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِلْإِيَابِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ لِكُلِّ سَعْيٍ جَزَاءً يُنَاسِبُهُ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|