قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقَدْرِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّكْثِيفِ الزَّمَانِيِّ" وَمَنْطِقِ "الْقِيمَةِ الْمُضَاعَفَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْعَلَقِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ بَدْءِ النُّزُولِ (اقْرَأْ)، فَإِنَّ سُورَةَ الْقَدْرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "زَمَنِ النُّزُولِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَنْفَصِلُ "لَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ" عَنْ سِيَاقِ الزَّمَنِ الرَّتِيبِ لِتُصْبِحَ خَيْرًا مِنْ دَهْرٍ كَامِلٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِسْنَادِ الْفِعْلِ لِعَظَمَةِ الْمَصْدَرِ: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاصْطِفَاءِ الزَّمَانِيِّ"؛ حَيْثُ اخْتِيرَ "الظَّرْفُ" لِيُنَاسِبَ "الْمَظْرُوفَ" (الْقُرْآنَ). الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ عِظَمَ "الْمُنَزَّلِ" أَضْفَى "الْقَدْرَ" (الشَّرَفَ وَالتَّقْدِيرَ) عَلَى الزَّمَانِ الَّذِي احْتَوَاهُ.
فِي "تَحْلِيلِ التَّفَاوُتِ الْقِيَمِيِّ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ مُعَادَلَةً حِسَابِيَّةً ذُهِلَتْ لَهَا الْعُقُولُ: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْبَرَكَةِ لَا الْكَمِّيَّةِ"؛ حَيْثُ تَتَفَوَّقُ "لَيْلَةٌ" (8 سَاعَاتٍ تَقْرِيبًا) عَلَى "أَلْفِ شَهْرٍ" (أَكْثَرَ مِنْ 83 سَنَةً). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ فِي الْقِيَمِ الرُّوحِيَّةِ نِظَامًا لِلـ "تَسَارُعِ الِائْتِمَانِيِّ"، حَيْثُ يُخْتَصَرُ الزَّمَنُ لِتَحْقِيقِ أَهْدَافٍ كُبْرَى فِي لَحْظَةٍ فَارِقَةٍ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْحَرَكَةِ الْكَوْنِيَّةِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ حَالَةً مِنَ الِاسْتِنْفَارِ الْعُلْوِيِّ: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّجَسُّدِ الْمَلَائِكِيِّ لِلرَّحْمَةِ"؛ فَحُضُورُ الْمَلَائِكَةِ وَ"الرُّوحِ" (جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَعْنِي انْفِتَاحَ بَوَّابَةِ "السَّمَاءِ" عَلَى "الْأَرْضِ" لِتَنْفِيذِ "أَقْدَارِ" الْعَامِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِصِفَةِ هَذَا الزَّمَانِ: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ مَنْطِقِ "الْأَمْنِ الشَّامِلِ"؛ فَاللَّيْلَةُ مُشَبَّعَةٌ بِـ "السَّلَامِ" الَّذِي يَنْفِي "الشَّرَّ" وَ"الْعَبَثَ"، لِيَكُونَ مَنْطِقُ "الْهُدُوءِ" هُوَ السَّائِدَ حَتَّى انْتِهَاءِ "الْمَهَمَّةِ" بِمَطْلَعِ الْفَجْرِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقَدْرِ هِيَ سُورَةُ "الْفُرْصَةِ الذَّهَبِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الزَّمَنَ لَيْسَ جَامِدًا، وَأَنَّ لَحْظَةَ اتِّصَالٍ صَادِقَةً قَدْ تَعْدِلُ عُمُرًا بَشَرِيًّا كَامِلًا، وَأَنَّ "الْقَدْرَ" يَرْتَبِطُ بِـ "الْقُرْآنِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْغَايَةَ الْعُظْمَى هِيَ تَحْقِيقُ "السَّلَامِ" الرُّوحِيِّ.
قلت: اللّهمّ بلّغنا ليلة القدر.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|