قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْبَيِّنَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْفَصْلِ الْمَعْرِفِيِّ" وَمَنْطِقِ "إِقَامَةِ الْحُجَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقَدْرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ عَظَمَةِ زَمَانِ النُّزُولِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْبَيِّنَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "أَثَرِ هَذَا النُّزُولِ عَلَى الْمَوَاقِفِ الْبَشَرِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ أَنَّ "الْوُضُوحَ" هُوَ الْفَارِقُ الْأَخِيرُ قَبْلَ تَحَدُّدِ الْمَصِيرِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَوْصِيفِ حَالَةِ "الِانْتِظَارِ الِانْفِكَاكِيِّ": {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "ضَرُورَةِ الْمُحَفِّزِ الْخَارِجِيِّ"؛ فَجُمُودُ الْحَالَةِ الدِّينِيَّةِ لَا يَنْكَسِرُ مَنْطِقِيًّا إِلَّا بِظُهُورِ "بَيِّنَةٍ" (بُرْهَانٍ وَاضِحٍ) تَفْصِلُ الشَّكَّ عَنِ الْيَقِينِ.
فِي "تَحْلِيلِ مَادَّةِ الْبَيِّنَةِ"، تُعَرِّفُ السُّورَةُ هَذَا الْمُحَفِّزَ: {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْجَوْدَةِ الْمَعْلُومَاتِيَّةِ"؛ حَيْثُ تَتَّصِفُ "الصُّحُفُ" بِـ (الطَّهَارَةِ) مِنَ التَّحْرِيفِ، وَ (الْقِيَمِيَّةِ) فِي الْمُحْتَوَى. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْبَيِّنَةَ" لَا تَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ صَافِيَةً وَثَابِتَةً.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّفَرُّقِ بَعْدَ الْعِلْمِ"، فَتَقُولُ السُّورَةُ: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "مَسْؤُولِيَّةِ الِاخْتِيَارِ"؛ فَالتَّفَرُّقُ لَيْسَ نَاتِجًا عَنِ "الْجَهْلِ"، بَلْ هُوَ نَاتِجٌ عَنْ "الْمَوْقِفِ" مِنَ الْحَقِيقَةِ بَعْدَ ظُهُورِهَا. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْعِلْمَ" سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ؛ إِمَّا هِدَايَةٌ أَوْ إِقَامَةُ حُجَّةٍ.
تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "لُبِّ الدِّينِ الْخَالِصِ": {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ... وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}. هَذَا مَنْطِقُ "التَّجْرِيدِ وَالِاسْتِقَامَةِ"؛ فَالدِّينُ الْقَيِّمُ يَتَلَخَّصُ فِي (الْإِخْلَاصِ) وَ (الصَّلَاةِ) وَ (الزَّكَاةِ). أَيُّ تَعْقِيدٍ خَارِجَ هَذِهِ الْأَرْكَانِ هُوَ خُرُوجٌ عَنْ "الْقِيَمِيَّةِ".
فِي "تَحْلِيلِ التَّصْنِيفِ النِّهَائِيِّ لِلْخَلَائِقِ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ حُكْمَيْنِ رَادِيكَالِيَّيْنِ:
شَرُّ الْبَرِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الْبَيِّنَةِ. مَنْطِقُهُمْ هُوَ "الْعِنَادُ الْمَعْرِفِيُّ".
خَيْرُ الْبَرِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. مَنْطِقُهُمْ هُوَ "التَّسْلِيمُ لِلْبُرْهَانِ".
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الرِّضَا الْمُتَبَادَلِ": {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. هُنَا تَتَحَقَّقُ "الْمُعَادَلَةُ الْقَلْبِيَّةُ"؛ فَالْخَشْيَةُ (الْمُؤَدِّي) تَقُودُ إِلَى الرِّضَا (النَّتِيجَةِ).
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْبَيِّنَةِ هِيَ سُورَةُ "الْوُضُوحِ الْفَاصِلِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ حِينَمَا تَظْهَرُ تَنْهِي "زَمَنَ الِاعْتِذَارِ بِالْجَهْلِ"، وَأَنَّ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ (خَيْرًا أَوْ شَرًّا) تُرْتَبَطُ بِمَدَى اسْتِجَابَتِهِ لِـ "كُتُبٍ قَيِّمَةٍ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "الرِّضَا" هُوَ الْمَآلُ الطَّبِيعِيُّ لِأَهْلِ الْخَشْيَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|