عرض مشاركة واحدة
  #109  
قديم 2026-03-08, 12:36 PM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

قال جيميني:

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْعَادِيَاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "الِانْدِفَاعِ الْحَرَكِيِّ" وَمَنْطِقِ "الْكَشْفِ عَنِ الْمَخْبُوئَاتِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ إِخْرَاجِ أَثْقَالِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْعَادِيَاتِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِخْرَاجِ مَكْنُونِ الصَّدْرِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ أَنَّ صُوَرَ الْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ وَالِانْدِفَاعِ الْغَرِيزِيِّ لَا تَنْفِي مَنْطِقِيًّا حَقِيقَةَ "الْجُحُودِ" الْإِنْسَانِيِّ إِلَّا بِالِاتِّصَالِ بِالْخَالِقِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَقْسَامٍ تَصْوِيرِيَّةٍ صَوْتِيَّةٍ لِلْقُوَّةِ:

الْعَادِيَاتِ ضَبْحًا: مَنْطِقُ "الْجُهْدِ الْبَدَنِيِّ" (أَنْفَاسُ الْخَيْلِ).

الْمُورِيَاتِ قَدْحًا: مَنْطِقُ "الِاحْتِكَاكِ الْمُنْتِجِ لِلشَّرَرِ".

الْمُغِيرَاتِ صُبْحًا: مَنْطِقُ "الْمُبَاغَتَةِ الزَّمَانِيَّةِ".
الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْحَرَكَةِ الصَّاخِبَةِ (نَقْعًا، جَمْعًا) هِيَ تَمْهِيدٌ لِبَيَانِ "حَالِ الْمُحَرِّكِ الْبَشَرِيِّ" لِهَذِهِ الْقُوَّةِ.

فِي "تَحْلِيلِ النَّفْسِ الْجَاحِدَةِ"، تَقُولُ السُّورَةُ الْحَقِيقَةَ الصَّادِمَةَ: {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}. هَذَا مَنْطِقُ "نُكْرَانِ النِّعْمَةِ"؛ حَيْثُ يَعُدُّ الْإِنْسَانُ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ. وَتُعَزِّزُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ: {عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ}؛ أَيْ أَنَّ فِطْرَتَهُ وَأَفْعَالَهُ تَشْهَدُ مَنْطِقِيًّا عَلَى هَذَا الْجُحُودِ.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ عِلَّةِ الْجُحُودِ"، فَتُحَدِّدُهَا السُّورَةُ بِدِقَّةٍ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. هُنَا "الْخَيْرُ" يَعْنِي (الْمَالَ وَالْمَتَاعَ الدُّنْيَوِيَّ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَضَخُّمِ الْأَنَانِيَّةِ الْمَادِّيَّةِ" الَّتِي تَحْجِبُ رُؤْيَةَ "الْمُنْعِمِ".

تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "لَحْظَةِ التَّحْوِيلِ الْبُنْيَوِيِّ": {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الِاسْتِخْرَاجُ وَالتَّجْرِيدُ"؛ فَبَعْدَ "بَعْثَرَةِ" الْأَجْسَادِ، يَأْتِي مَنْطِقُ "تَحْصِيلِ النَّوَايَا" (الْمُقَارَبَةُ الْمَعْلُومَاتِيَّةُ لِمَا كَانَ خَفِيًّا فِي الصَّدْرِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْحَقِيقَةَ" لَيْسَتْ فِيمَا فَعَلَتْهُ "الْعَادِيَاتُ"، بَلْ فِيمَا أَضْمَرَهُ "الْفَارِسُ".

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْخِبْرَةِ الْكُلِّيَّةِ": {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ "الْإِحَاطَةِ بِالتَّفَاصِيلِ"؛ فَالْخَبِيرُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ "دَقَائِقَ الْأُمُورِ"، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الْحِسَابَ سَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى مَعْلُومَاتٍ "بَاطِنِيَّةٍ" لَا تَقْبَلُ التَّزْوِيرَ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْعَادِيَاتِ هِيَ سُورَةُ "بَيَانِ الْبَوَاطِنِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الصَّخَبَ الْمَادِّيَّ قَدْ يَحْجِبُ حَقِيقَةَ "الْكُنُودِ" (الْجُحُودِ)، وَأَنَّ الْمَالَ مَنْطِقِيًّا هُوَ أَقْوَى مَنْ يُنْسِي الْإِنْسَانَ خَالِقَهُ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ لَحْظَةَ "تَحْصِيلِ الصُّدُورِ" هِيَ الْمِعْيَارُ الْفَصْلُ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس