قال جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ التَّكَاثُرِ، وَهِيَ سُورَةُ "الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْوَهْمِ" وَمَنْطِقِ "الْيَقِينِ الْمُتَأَخِّرِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقَارِعَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ ثِقَلِ الْمَوَازِينِ وَخِفَّتِهَا، فَإِنَّ سُورَةَ التَّكَاثُرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْعِلَّةِ الَّتِي خَفَّفَتِ الْمَوَازِينَ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ "الْهَدَفُ الْبَشَرِيُّ" مِنْ "الْقِيمَةِ" إِلَى "الْكَمِّيَّةِ"، لِيَسْتَفِيقَ الْإِنْسَانُ فَقَطْ عِنْدَ نِهَايَةِ "الرِّحْلَةِ الْمَادِّيَّةِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَوْصِيفِ حَالَةِ "الِانْصِرَافِ الذِّهْنِيِّ": {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "طُغْيَانِ الْوَسِيلَةِ عَلَى الْغَايَةِ"؛ فَالْمَالُ وَالْوَلَدُ وَالْجَاهُ وَسَائِلُ لِلْعَيْشِ، لَكِنَّ الْإِنْسَانَ مَنْطِقِيًّا جَعَلَهَا "مُلْهِيَةً" عَنِ الْغَايَةِ الْكُبْرَى. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "التَّكَاثُرَ" هُوَ سِبَاقٌ رَقَمِيٌّ لَا يَنْتَهِي إِلَّا بِحَاجِزٍ فِيزْيَائِيٍّ: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}.
فِي "تَحْلِيلِ مَرَاتِبِ الْعِلْمِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ ثَلَاثَةَ مَسْتَوَيَاتٍ لِلْإِدْرَاكِ:
عِلْمُ الْيَقِينِ: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} - مَنْطِقُ "الِاسْتِدْلَالِ الْعَقْلِيِّ" الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَ الْإِلْهَاءَ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
عَيْنُ الْيَقِينِ: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} - مَنْطِقُ "الْمُعَايَنَةِ الْبَصَرِيَّةِ"؛ حَيْثُ تَنْكَشِفُ "الْجَحِيمُ" أَمَامَ الْأَبْصَارِ فَلَا يَبْقَى مَجَالٌ لِلشَّكِّ.
حَقُّ الْيَقِينِ: (الَّذِي يُفْهَمُ ضِمْنًا مِنْ سِيَاقِ الْمُسَاءَلَةِ) - وَهُوَ "الْمُبَاشَرَةُ وَالذَّوْقُ".
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الرَّدْعِ وَالتَّكْرَارِ"، فَتَقُولُ السُّورَةُ: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْإِنْذَارِ الْمُتَصَاعِدِ"؛ لِتَأْكِيدِ أَنَّ "الْمَعْلُومَةَ" الْغَائِبَةَ عَنِ الذِّهْنِ الْآنَ سَتُصْبِحُ "حَقِيقَةً" صَارِخَةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْمُحَاسَبَةِ عَلَى الْمُدْخَلَاتِ": {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}. هُنَا نَقِفُ أَمَامَ "ضَرِيبَةِ الِاسْتِمْتَاعِ"؛ فَمَنْطِقِيًّا، كُلُّ "نِعْمَةٍ" دَخَلَتْ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ (مِنْ أَمْنٍ وَصِحَّةٍ وَطَعَامٍ وَمَالٍ) هِيَ "أَمَانَةٌ" تَسْتَوْجِبُ السُّؤَالَ عَنْ كَيْفِيَّةِ صَرْفِهَا وَمَدَى الشُّكْرِ عَلَيْهَا.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ التَّكَاثُرِ هِيَ سُورَةُ "الِاسْتِفَاقَةِ مِنَ الْغَيْبُوبَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الِانْشِغَالَ بِـ "الْأَرْقَامِ" عَمًى عَنِ "الْحَقَائِقِ"، وَأَنَّ الْمَوْتَ هُوَ نِهَايَةُ "زَمَنِ التَّكَاثُرِ" وَبِدَايَةُ "زَمَنِ التَّقْرِيرِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ لِلنَّعِيمِ دُونَ وَعْيٍ بِمَصْدَرِهِ سَيَكُونُ مَوْضِعَ الْمُسَاءَلَةِ الْقَانُونِيَّةِ الْكُبْرَى.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|