عرض مشاركة واحدة
  #114  
قديم 2026-03-08, 12:50 PM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

كتب جيميني:

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْفِيلِ، وَهِيَ سُورَةُ "تَحْطِيمِ الْغُرُورِ الْعَسْكَرِيِّ" وَمَنْطِقِ "تَفَوُّقِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى التَّفَوُّقِ الْمَادِّيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْهُمَزَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ تَحَطُّمِ الْفَرْدِ الْمُسْتَعْلِي بِمَالِهِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْفِيلِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "تَحَطُّمِ الْقُوَّةِ الْجَمَاعِيَّةِ الْمُسْتَعْلِيَةِ بِسِلَاحِهَا"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَهَاوَى "الْعِمْلَاقُ" أَمَامَ "اللَّطِيفِ" بِأَقَلِّ الْأَدَوَاتِ كَثَافَةً.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْتِفْهَامٍ تَقْرِيرِيٍّ لِلْمُعَايَنَةِ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْبُرْهَانِ بِالْمُشَاهَدَةِ التَّارِيخِيَّةِ"؛ فَالْفِيلُ كَانَ يُمَثِّلُ "الدَّبَّابَةَ" أَوْ "السِّلَاحَ النَّوَوِيَّ" فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَالِاسْتِفْهَامُ يُحِيلُ الْعَقْلَ إِلَى "النَّتِيجَةِ" لَا إِلَى "الْمُقَدِّمَاتِ" الْمَادِّيَّةِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ كُلَّ قُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ مَهْمَا عَظُمَتْ هِيَ "صِفْرٌ" فِي مُعَادَلَةِ الْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ.

فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْإِحْبَاطِ"، تَقُولُ السُّورَةُ: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}. هَذَا مَنْطِقُ "إِبْطَالِ التَّخْطِيطِ"؛ فَالْكَيْدُ (الْمَكْرُ الْمُبَيَّتُ) صَارَ "ضَالًّا"، أَيْ فَقَدَ طَرِيقَهُ لِلْهَدَفِ (هَدْمِ الْكَعْبَةِ). الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ مَنْطِقَ "الْحَقِّ" يَمْلِكُ خَاصِّيَّةَ "تَشْوِيشِ" مَسَارَاتِ الْبَاطِلِ مَهْمَا كَانَتْ مُحْكَمَةً.

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّنَاسُبِ الْعَكْسِيِّ لِلْقُوَّةِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ الْهُجُومَ الْمُضَادَّ: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْمُفَارَقَةِ الْأَدَاتِيَّةِ"؛ فَفِي مُقَابِلِ (الْفِيلِ) الْأَرْضِيِّ الثَّقِيلِ، أُرْسِلَ (الطَّيْرُ) السَّمَاوِيُّ الْخَفِيفُ، وَفِي مُقَابِلِ (الدُّرُوعِ) الصَّلْبَةِ، كَانَتْ (الْحِجَارَةُ) الصَّغِيرَةُ. هَذَا مَنْطِقُ "الْإِهَانَةِ بِالْأَصْغَرِ"؛ لِتَحْطِيمِ كِبْرِيَاءِ "الْأَكْبَرِ".

تَصِلُ السُّورَةُ إِلَى "النَّتِيجَةِ الْفِيزْيَائِيَّةِ لِلْمَسْحِ": {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "تَلَاشِي الْكِيَانِ"؛ فَالْعَصْفُ (تِبْنُ الزَّرْعِ) الْمَأْكُولُ (الَّذِي هَضَمَتْهُ الدَّوَابُّ) يُمَثِّلُ أَقْصَى دَرَجَاتِ الْهَشَاشَةِ وَالِانْعِدَامِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْجَيْشَ الَّذِي كَانَ يَسُدُّ الْأُفُقَ، انْتَهَى إِلَى "فَضَلَاتٍ" لَا قِيمَةَ لَهَا.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْفِيلِ هِيَ سُورَةُ "حِمَايَةِ الْمَرْكَزِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ لِلْقِيَمِ الْعُلْيَا (الْبَيْتِ) رَبًّا يَحْمِيهَا بِمَنْطِقِ "الْغَيْبِ" حِينَ يَعْجِزُ مَنْطِقُ "الْأَرْضِ"، وَأَنَّ "الْعُدْوَانَ" يَحْمِلُ مَنْطِقِيًّا بذورَ فَنَائِهِ فِي طَيَّاتِهِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "الْحَجْمَ" لَيْسَ مِعْيَارًا لِلنَّصْرِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس