عرض مشاركة واحدة
  #116  
قديم 2026-03-08, 12:53 PM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

كتب جيميني:

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمَاعُونِ، وَهِيَ سُورَةُ "اخْتِبَارِ الْمِصْدَاقِيَّةِ" وَمَنْطِقِ "التَّلَازُمِ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ وَالْمُمَارَسَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ قُرَيْشٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الِامْتِنَانِ لِلنِّعْمَةِ الْمَادِّيَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمَاعُونِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "كَشْفِ الزَّيْفِ فِي ادِّعَاءِ الشُّكْرِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْهَارُ التَّدَيُّنُ مَنْطِقِيًّا حِينَ يَنْفَصِلُ عَنْ "الرَّحْمَةِ" وَ"الْبَذْلِ".

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْتِفْهَامٍ اسْتِنْكَارِيٍّ يَكْشِفُ "الْعِلَّةَ الْبَاطِنِيَّةَ": {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَحْدِيدِ السُّلوكِ النَّاتِجِ عَنِ الْجُحُودِ"؛ فَمَنْ يُنْكِرُ "الْحِسَابَ" لَا بُدَّ مَنْطِقِيًّا أَنْ تَنْعَكِسَ قَسْوَةُ قَلْبِهِ عَلَى أضعفِ حَلَقَاتِ الْمُجْتَمَعِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "التَّكْذِيبَ" لَيْسَ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ، بَلْ هُوَ "نَمَطُ حَيَاةٍ" عَنِيفٌ: {فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.

فِي "تَحْلِيلِ الِانْفِصَالِ بَيْنَ الشَّكْلِ وَالْمَضْمُونِ"، تَتَحَدَّثُ السُّورَةُ عَنْ "الْمُصَلِّينَ": {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. هَذَا مَنْطِقُ "إِسْقَاطِ الشَّكْلِيَّاتِ الْجَوْفَاءِ"؛ فَالصَّلَاةُ الَّتِي لَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْبُخْلِ هِيَ "سَهْوٌ" عَنْ مَقْصِدِهَا. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "الْقِيمَةَ" تكمن فِي "الْأَثَرِ" لَا فِي مُجَرَّدِ "الْحَرَكَةِ".

أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْآفَاتِ الثَّلَاثِ لِلتَّدَيُّنِ الْمَغْشُوشِ"، فَتُجْمِلُهَا السُّورَةُ فِي:

الْغَفْلَةُ (سَاهُونَ): فَقْدُ الِاتِّصَالِ الْوَاعِي بِالْخَالِقِ.

الِاسْتِعْرَاضُ (يُرَاءُونَ): تَحْوِيلُ الْعِبَادَةِ إِلَى "أَدَاةٍ دِعَائِيَّةٍ" لِكَسْبِ ثَنَاءِ الْبَشَرِ.

الِاحْتِكَارُ (يَمْنَعُونَ الْمَاعُونِ): الْبُخْلُ بِأَبْسَطِ الْأَدَوَاتِ الْيَوْمِيَّةِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا النَّاسُ.
الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "مَنْعَ الْمَاعُونِ" (أَيْ مَا يُعَانُ بِهِ) هُوَ أَدْنَى دَرَكَاتِ "الْأَنَانِيَّةِ"، وَهُوَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ لَمْ تُثْمِرْ "إِيثَارًا".

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمَاعُونِ هِيَ سُورَةُ "الِاسْتِقَامَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمِعْيَارَ الْحَقِيقِيَّ لِلْإِيمَانِ هُوَ طَرِيقَةُ تَعَامُلِكَ مَعَ (الْيَتِيمِ، الْمِسْكِينِ، الْجَارِ)، وَأَنَّ أَيَّ عِبَادَةٍ تَنْفَصِلُ عَنْ "خِدْمَةِ الْخَلْقِ" هِيَ عِبَادَةٌ مَآلُهَا "الْوَيْلُ" مَنْطِقِيًّا، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ "الْحَقَّ" هُوَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس