كتب جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْكَوْثَرِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْوَفْرَةِ الْمُسْتَدَامَةِ" وَمَنْطِقِ "انْقِطَاعِ الْبَاطِلِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمَاعُونِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ ذَمِّ الْبُخْلِ وَالِانْقِبَاضِ عَنِ الْخَلْقِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْكَوْثَرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الِانْبِسَاطِ بِالْعَطَاءِ الْإِلَهِيِّ الْغَزِيرِ"، وَتَعْرِضُ فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ مَنْطِقَ "الْجَبْرِ الرَّبَّانِيِّ" فِي مُوَاجَهَةِ "التَّنَمُّرِ الْبَشَرِيِّ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَقْرِيرِ حَقِيقَةِ الْهِبَةِ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْكَثْرَةِ الْمُطْلَقَةِ"؛ فَالْكَوْثَرُ (فَوْعَلٌ مِنَ الْكَثْرَةِ) هُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ خَيْرٍ كَثِيرٍ جَمَعَ لَكَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ أَنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَصْدَرَ عَطَائِهِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْطِقِيًّا "أَبْتَرَ" (مَقْطُوعًا).
فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِجَابَةِ لِلْعَطَاءِ"، تَقُولُ السُّورَةُ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}. هَذَا مَنْطِقُ "الْمُقَابَلَةِ بِالْإِخْلَاصِ وَالْبَذْلِ"؛ فَالصَّلَاةُ هُنَا صِلَةُ شُكْرٍ لِلْمُنْعِمِ وَحْدَهُ (لِرَبِّكَ)، وَالنَّحْرُ هُوَ مَنْطِقُ "الْقِيَادَةِ بِالْإِطْعَامِ" نَقِيضًا لِمَا فَعَلَهُ مُكَذِّبُ الدِّينِ فِي سُورَةِ الْمَاعُونِ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ كَمَالَ "النِّعْمَةِ" يَسْتَوْجِبُ كَمَالَ "الْعُبُودِيَّةِ" وَ"الرَّحْمَةِ" بِالْخَلْقِ عَبْرَ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ لِلَّهِ وَتَوْزِيعِ اللَّحْمِ لِلْفُقَرَاءِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ انْعِكَاسِ الْأَحْكَامِ"، فَتَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَلْبِ الطَّاوِلَةِ عَلَى الْمُتَرَبِّصِينَ: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْبَقَاءِ لِلْأَنْفَعِ"؛ فَالْمُبْغِضُ لِلرَّسُولِ ﷺ ظَنَّ أَنَّ وَفَاةَ الذُّكُورِ مِنَ الْأَبْنَاءِ تَعْنِي "انْقِطَاعَ الذِّكْرِ"، لَكِنَّ الْمَنْطِقَ الْإِلَهِيَّ يُؤَكِّدُ أَنَّ الْبَتْرَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ "انْقِطَاعُ الْأَثَرِ وَالرَّحْمَةِ". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ (مُحَمَّدًا ﷺ) بَاقٍ بِذِكْرِهِ وَأُمَّتِهِ، بَيْنَمَا خُصُومُهُ هُمْ مَنْ طَوَاهُمُ النِّسْيَانُ وَالْبَتْرُ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْكَوْثَرِ هِيَ سُورَةُ "الدِّفَاعِ عَنِ الْجَمَالِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعَطَاءَ الرَّبَّانِيَّ لَا تَقِفُ فِي وَجْهِهِ الْقِلَّةُ الْمَادِّيَّةُ، وَأَنَّ مَنْطِقَ "الشَّنَآنِ" (الْبُغْضِ) هُوَ مَنْطِقٌ فَقِيرٌ يَؤُولُ لِلزَّوَالِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الصَّلَاةَ وَالْبَذْلَ هُمَا حِصْنُ "الْكَثْرَةِ" الْبَاقِيَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|