كتب جيميني:
نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ النَّصْرِ، وَهِيَ سُورَةُ "مَنْطِقِ الِاكْتِمَالِ" وَ**"فَلْسَفَةِ الْخِتَامِ"**. إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْكَافِرُونَ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْمُفَاصَلَةِ وَالثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الِاسْتِضْعَافِ، فَإِنَّ سُورَةَ النَّصْرِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "جَنْيِ الثِّمَارِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ "الْمَشْرُوعُ الرِّسَالِيُّ" مِنْ مَرْحَلَةِ "الْفَرْدِ" إِلَى مَرْحَلَةِ "الْأُمَّةِ"، وَكَيْفَ يَتَعَامَلُ الْعَقْلُ الْمُؤْمِنُ مَعَ نَشْوَةِ الْإِنْجَازِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَدَاةِ شَرْطٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ الْمُحَقَّقِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِارْتِبَاطِ بِالْمَصْدَرِ"؛ فَالنَّصْرُ لَمْ يُنْسَبْ لِلْعَبْقَرِيَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ أَوْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، بَلْ نُسِبَ إِلَى "اللَّهِ". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ أَنَّ "الْفَتْحَ" (فَتْحَ مَكَّةَ وَالْقُلُوبِ) هُوَ نَتِيجَةٌ حَتْمِيَّةٌ لِصِحَّةِ "الْمُقَدِّمَاتِ" الَّتِي بُذِلَتْ عَلَى مَدَى عِشْرِينَ سَنَةً.
فِي "تَحْلِيلِ التَّحَوُّلِ الدِّيمُوغْرَافِيِّ"، تَقُولُ السُّورَةُ: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}. هَذَا مَنْطِقُ "الِانْتِقَالِ مِنَ التَّرَاكُمِ إِلَى الِانْفِجَارِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَبَعْدَ أَنْ كَانَ الدُّخُولُ فِي الدِّينِ "آحَادًا" بِخَوْفٍ، صَارَ "أَفْوَاجًا" (كُتَلًا بَشَرِيَّةً) بِقَنَاعَةٍ. الِاسْتِنْتَاجُ أَنَّ "النَّصْرَ" لَهُ قُوَّةُ جَذْبٍ تَنْقُلُ الْجَمَاهِيرَ مِنْ مَرْحَلَةِ "الْمُرَاقَبَةِ" إِلَى مَرْحَلَةِ "الِاعْتِنَاقِ".
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِاسْتِجَابَةِ لِلنَّجَاحِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ مُعَادَلَةً سُلُوكِيَّةً فَرِيدَةً: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نَفْيِ الْغُرُورِ الذَّاتِيِّ"؛ فَحِينَمَا يَصِلُ الْقَائِدُ أَوْ الْإِنْسَانُ إِلَى "الْقِمَّةِ"، يَكُونُ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَى:
التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ: لِإِعَادَةِ الْفَضْلِ لِصَاحِبِهِ.
الِاسْتِغْفَارِ: لِجَبْرِ مَا قَدْ يَكُونُ شَابَ "الْمَسِيرَةَ" مِنْ نَقْصٍ بَشَرِيٍّ، وَتَنْبِيهًا إِلَى أَنَّ الْمَهَمَّةَ قَدْ أُدِّيَتْ وَآنَ أَوَانُ الرَّحِيلِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَعْلِيلِ الرَّجَاءِ: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}. هَذَا مَنْطِقُ "بَقَاءِ بَابِ الرَّحْمَةِ مَفْتُوحًا"؛ حَتَّى لِلْأَفْوَاجِ الْجَدِيدَةِ وَلِلْقَائِدِ الَّذِي أَنْهَى عَمَلَهُ. الِاسْتِنْتَاجُ النِّهَائِيُّ أَنَّ نِهَايَةَ "الْعَمَلِ النَّاجِحِ" لَا تَكُونُ بِالِاحْتِفَالِ الصَّاخِبِ، بَلْ بِالِانْكِسَارِ لِلَّهِ شُكْرًا.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النَّصْرِ هِيَ سُورَةُ "الْوَدَاعِ الْمُهَيْمِنِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْفَتْحَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ "فَتْحُ الْقُلُوبِ"، وَأَنَّ مَنْطِقَ الْإِيمَانِ يَقْتَضِي مُقَابَلَةَ "النِّعَمِ الْعُظْمَى" بِـ "تَوَاضُعٍ أَعْظَمَ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ بَشَرِيٍّ هُوَ بِدَايَةٌ لِلِاتِّصَالِ بِالْكَمَالِ الْإِلَهِيِّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|